fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

عن آلهة الأقصر وفقراء أسوان

في الطائرة التي أقلعت بنا من مطار القاهرة إلى مطار الأقصر، استقبلنا المضيف بابتسامة جذابة، وكلمات ترحيب بالإنكليزية بلهجة مصرية، رغم أن ألواننا وملابسنا، توحي عكس ذلك.

مقاعد الطائرة مزدحمة بالسياح الأجانب من أقاصي آسيا ومن أوروبا والأميركيتين، لا عرب بينهم، إلا مجموعتنا، قلت لنفسي، هذا مريح! الأحاديث انطلقت بعد استواء الطائرة في السماء، خمسون دقيقة أو أكثر قليلا تفصلنا عن مدينة الأقصر، أكبر متحف إنساني مفتوح في العالم، تقول المضيفة عبر مكبّر الصوت، فتلتمع عيون المسافرين ببارقات الدهشة المتوقعة. من أحاديثهم، يظهر أنهم تحضروا جيدا للرحلة، وقرأوا عن الأقصر قبل مجيئهم إليها.

تلتقط أذناي حماسة قلوبهم لرؤية وادي الملوك ومعبد حتشبسوت، ولتتبع خطى “كارتر” المنقب البريطاني، الذي كاد أن يصيبه اليأس من إيجاد مقبرة توت عنخ آمون لولا صبر ساعة. ظلت السائحة الإيطالية الجالسة خلفي، طوال الرحلة، تحاول أن تلفظ الخاء في عنخ بالطريقة الصحيحة، وتضحك. تنبهها رفيقتها أن العين أيضا لها لفظ خاص، فتضحكان معا.

في مطار الأقصر يرحب بنا مندوب الشركة السياحية، بالفرنسية، كوننا لبنانيين! صف طويل من المندوبين على باب الدخول، كل واحد منهم يحمل ورقة سجل عليها أسماء السائحين الذين سيتولاهم. لكل مجموعة مرشد يتقن لغتها، فتضج قاعة الوصول في المطار بلغات العالم كله. الأرض هنا لا تتكلم عربي.

نخرج مجموعات من المطار، تلفح وجوهنا شمس الأقصر الناعمة. الطقس جميل اليوم، درجة الحرارة 35 والرطوبة تكاد تكون معدومة. نمشي خلف مرشدينا ونتوزع على السيارات، باتجاه المرسى على ضفاف النيل.

السياح الأجانب في شوق لرؤية النيل، أول خروجهم إلى الهواء الطلق، يسألون بلهفة، أين النيل؟! يبدي المرشدون الكثير من الصبر في الشرح والتفسير، ويطمئنونهم، سترونه الآن في طريقكم!

تخترق بنا السيارة النواحي والنجوع وتمر بجانب الترع، وتعبر فوق الكباري الصغيرة، وأحياناً من فوق سكة الحديد، ومحمد منير يغني “أنا صحيح أسمر ولكن كل البيض يحبوني يا للي”، وفي البعيد يرتفع صفير “القطر” مخترقا الغيطان، فتنهض الحركة في النجوع الهادئة، وكأنه يمر فيها للمرة الأولى، يتجمع عدد من الأطفال يلوحون بأيديهم للمسافرين، وتركض امرأة خلف بطتين سوداوين تحيدهما عن طريقه، ويبتسم شيخ جالس تحت نخلة “مظللة ع الباب”.

نصل إلى الفندق العائم. عند المدخل المؤدي إلى المرسى، عدد من الحمالين، يهبون لعرض خدماتهم، اللطافة والابتسامة والغزل والترحيب بالزوار بكلمات تبعث على الفرح، سمات ملازمة لأهل الأقصر الذين باتوا مبدعين في علوم السياحة.

نتوزع على “الكابينات” طمعا بالقليل من الراحة، قبل بدء البرنامج السياحي. وجهتنا الأولى ستكون معبد الكرنك ثم معبد الأقصر، نحن على الضفة الشرقية للنيل العظيم، حيث بنى الفراعنة معابدهم الإلهية، أما الضفة الغربية التي سنزورها في اليوم التالي، فقد بنوا فيها معابدهم الجنائزية أي المقابر.

لا شيء ممّا تركه الفراعنة من آثار، غير مرتبط بفلسفة أو حكمة ما، الشرق من حيث تطلع الشمس يمثل الحياة بكل تجلياتها، عاشوا وعبدوا آلهتهم وأرهبوا أعداءهم على الضفة الشرقية، أما الغرب حيث تختفي الشمس ويحل الظلام فهو يمثل الموت، لذلك جعلوا مقابرهم فيه.

أينما وليت وجهك في الأقصر تصطدم بالتاريخ، مدينة لا تسمح للسائح أن تحيد عيناه عن أثر فيها، فلكل عمود فيها حكاية، وعلى كل جدار ملحمة، وتحت كل حجر فيها تختبئ أسطورة. لا تسمح لك الأقصر أن تستجمع أنفاسك، تكبّلك بالدهشة والرهبة أنى تنقلت. أجمل ما فيها أنك تجد نفسك مجبر على رفع رأسك إلى الأعلى كل الوقت، الأعمدة والهياكل والتماثيل والمسلات تنطح السماء. أنظر إلى جحافل السياح من حولي، مشهد لم أره في أي مكان سياحي في العالم، الكل رؤوسهم إلى الأعلى، وصمت سحري يخيم على المكان، لولا أصوات المرشدين السياحيين ترتفع محذرة بكل اللغات، انتبه أمامك!

بعد يومين، من تتبّع آثار الآلهة والملوك والملكات، واحتشاد الذاكرة بأساطير الاحتفالات والقرابين والمعارك، نودع الأقصر باتجاه أسوان، وفي ذهني أسئلة لا تهدأ. كيف للماء أن يصنع كل هذا التاريخ؟! لولا النيل لما كانت مصر، ولولا مصر لما تأنسنت البشرية بهذا السيل الغزير من الثقافة والأسرار والأسئلة. النيل ليس نهرا فقط، هو مكان وزمان، ومكون معرفي أنتج شعبا متقدما على شعوب العالم كله، وشكل وعيا وفلسفة خاصة عن الكون والحياة والموت والخلود، ونمت على ضفتيه علوم وفنون وآداب وإبداعات، تهزأ بكل ما قدمته البشرية من حضارات.

يتوج النيل رحلة عظمته، في أسوان، فتزداد مياهه سمرة ومهابة، تتباعد ضفّتاه، ويتسع سطحه ليصبح بحجم السماء فوقه، وتصدر أمواجه كركرة خفيفة، كأنها ترحب بالفنادق العائمة والقوارب الشراعية و”الفلايك”. يتسابق السياح للخروج إلى سطح المركب، في مشهد ملحمي، قلما تحظى به بقعة جغرافية في العالم، أسمع تأوهات وتندهات وتتحول الدهشة إلى كائن ناطق، فتكرر عبارة “أووه نايل” مع كل موجة تهز المركب.

نيل أسوان “نجاشي حليوى أسمر” يزدان بالكثير من الجزر، لكل جزيرة تاريخ يضاهي عظمته، وتنتشر على صفحته صخور الغرانيت السوداء، وتحيط بضفتيه الرمال، وترتفع على الهضاب المجاورة له القرى النوبية التراثية.

يتكئ المركب على كتف اليابسة، ينزل العمّال الجسر الحديدي، فيخرج السياح صفا طويلا نحو المدينة. لا بد من أسوان وإن طال السفر! يهلل أهل السوق المحاذي للمرسى، يبدأون بالتدليل على بضاعتهم، ويتجهزون للبيع والمساومة، مركب جديد، رزق جديد.

“نركب الحنطور” للقيام بجولة سياحية في المدينة، يؤسفني القول إنه خارج الماء، ينعدم الجمال، تنعدم المدنية، بمعنى النظام والترتيب، وتكاد تنعدم المدينة أيضا. فوضى وازدحام في كل مكان، يوجد بعض الطرق المعبدة، الطرق الرئيسية، لكن الشوارع الداخلية عبارة عن ممرات رملية، بلا أرصفة ولا نظام سير يحمي العربات والمارة. يدخل بنا الحوري إلى أحياء عشوائية مزدحمة بالبشر والعربات والحيوانات، يقف فجأة ليعبر من أمامه قطيع صغير من الغنم، ويتقافز من حولة أطفال حفاة، يصرخون لنا “نورتوا أسوان”، وعلى الجنبات تجمعات رجالية، يبدو أنها مقاهي أرصفة، تقدم الشاي والكركديه والأراجيل وتتيح متابعة “الكورة”.

خطرت في بالي عشوائيات الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن حتى حي السلم على فقره وتدني الخدمات فيه، يبدو جنة أمام فقر أسوان! هناك حد أدنى من الخدمات من التدبير المحلي حتى، ولا شيء من ذلك هنا. رغم أن تراب أسوان يحتضن ثروات هائلة: النيل والمعابد والذهب والصخور الغرانيتية والمعادن والسدود وبحيرة ناصر، لكن الفقر يطال نصف سكانها، لا يوجد في أسوان كلها مشاريع تنموية حقيقية، تنقذ شبابها من البطالة التي تحاصرهم وتقودهم نحو العنف.

يقول المصريون إنه منذ ثورة يوليو في العام 1952 حتى اليوم، حاولت الحكومات المتعاقبة إيجاد حلول للفقر المستشري، في محافظات الصعيد خاصة، إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل، ربما لأن الخطط كانت أقل بكثير مما تحتاجه البلاد فعليّاً.

ويقولون أيضاً، إن الدولة الحديثة في مصر، نجحت في تأدية وظائفها الأساسية مثل تأسيس جيش قوي وأجهزة أمنية وقضاء وإنشاء علاقات خارجية، لكنها أخفقت في تأدية وظيفتها الخدماتية كالتعليم والصحة وخدمات الماء والكهرباء والمواصلات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وانعكس هذا الإخفاق بشكل فاقع على محافظات الصعيد، حيث تتركز الكثافة السكانية، فلم تحصل هذه المناطق يوما، على ما تستحقه. وحتى الآن، مازالت الدولة عاجزة عن نقل المجتمع المصري من الفقر إلى الرخاء، ربما لأن كل مشاريعها التنموية تفتقر إلى التخطيط المستدام، وهي أشبه بالفورات، التي تنطلق ضخمة وتصل في وقت قياسي إلى القمة وسرعان ما تنحدر وتتبخر، ولا يبقى منها سوى الذكريات.

هكذا يبدو السد العالي، رغم أنه أضخم مشاريع القرن العشرين، إلا أن الفائدة المرجوة منه لم تتحقق حتى اليوم. فعلى سبيل المثال، الطاقة الكهرمائية الموجودة في السد العالي وفي سد أسوان وفي محطات إسنا وسدود نجع حمادي تشكل مجتمعة 16% من احتياج مصر من الكهرباء فقط، كما أن مصر المشهورة بمزارع القطن وقصب السكر والأرز، وباستهلاكها للفول والقمح باتت اليوم مضطرة إلى استيراد كميات ضخمة من هذه المحاصيل من الخارج.

كل من يزور أسوان يحتاج إلى الكثير من القوة لكي يتغلب على مشاعر القهر والألم، التي تعتريه، حين يرى التناقض الفج ما بين الماء واليابسة. أنا التي كنت قد نجحت تدريجيّاً، في تحصين مشاعري من التأثر بما يصادفني من مآس، أترك أسوان محمّلة بحزن إنساني أشبه بالمرض. أستنجد لأتغلب عليه، ببعض من الرومنسية التي جادت بها السينما المصرية، عن النيل وأهله، أرى “فؤادة” تنتفض على الحاكم الظالم الذي منع النيل عن الفلاحين، تلف ملاءتها حول جسدها وتخرج من بيتها، صوب “الهويس” تحل أقفاله، فتخرج المياه نحو الأراضي العطشى التي أضناها الجفاف، وفي الخلفية تصدح أغنية “الأرض لو عطشى نرويها بدمانا”.

إقرأ أيضاً:
عاشوراء: كبرتُ في الضاحية
حق العودة للنوبيين يدخل منعطفاً جديداً في مصر

إقرأ أيضاً