fbpx

هنا القصة الثالثة

علاء رشيدي

علاء رشيدي

مقالات الكاتب

عنف تجاه الحيوان… عنف تجاه الإنسان… عنف عنف عنف!

من مسرحية “راسين بالأيد” لفرقة زقاق

تبدأ مسرحية “راسين بالأيد”، فرقة زقاق، بحكاية يرويها الممثلون الثلاثة على الجمهور، وفجأة، يقدمون مشهداً عنيفاً من الحكاية على المسرح. مشهد عنفي يحصل مباشرةً وبشكل مفاجئ أمام أعين الجمهور. يرغب الإخراج بهذا الخيار في أن يضع المتفرجين مباشرة كشهود على العنف، في لعبة من إعادة تمثيل توّرط المتلقي منذ البداية في تقبل العنف والتصرف كمتفرج أمام حدوثه.

يتناول عرض “راسين بالأيد” موضوعة العنف في الفن. لماذا تمتلئ مسرحيات شكسبير بالمشاهد العنفية؟ يأخذون مثالاً مسرحيته “تيتوس أندرونيكوس”، التراجيديا التي حوت أقسى مشاهد العنف من مسرحيات شكسبير. يقتل تيتوس ابن البارونة أمام عينيها، فتنتقم منه بأن تترك أبناءها الإثنين يغتصبون ابنته ويقطعون ذراعيها ولسانها، نتابع المسرحية مع شخصية مقطوعة الأذرع واللسان، كذلك تقطع يد تيتوس، فتحملها له ابنته بفمها لأنها بلا ذراعين، وفي مشهد النهاية ينتقم تيتوس من البارونة، بأن يقتل ابنيها، يطبخهما، ويعزمها على العشاء لتتناولهما. هذه المشاهد من تاريخ المسرح التي تحاول فرقة زقاق أن تطرحها عبر معالجة نص “تيتوس أندرونيكوس” لشكسبير. في أحد مشاهد “راسين بالأيد”، تعترض الممثلة مايا زبيب على مقدار العنف في المشهد، وترفض تأديته، ما يفتح الباب على أسئلة مسرحية أخرى: ” كيف يتماهى الممثل مع شخصيات على هذا القدر من العنف في سلوكياته”.

ينتقل العرض من سؤال “العنف على المسرح” إلى سؤال “العنف في الثقافة ” وذلك حين تنجح الرؤية الإخراجية في إسقاط شخصيات مثل تيتوس والبارونة على زعماء أو قواد ميليشات في الحرب الأهلية اللبنانية. علاقات ثأر وانتقام، ولقاءات تظهر الود لكن تخفي بباطنها عمليات اغتيال مثل تلك التي يمتلئ فيها فيلم “العراب”، كوبولا، 1972، حيث شخصيات الزعامة تعتمد على الثراء ومقدار قدرتها على تنفيذ العنف، هكذا يجسد عرض “راسين بالأيد” الزعماء المتنفذين سياسياً، عسكرياً، ومالياً. ليصبح سؤال العرض  الأهم: “هل تسرب العنف من الفن إلى الواقع؟”، ” أم أن العنف في الفن هو مجرد انعكاس لوجود العنف في الثقافة والحياة؟”.

العنف في الثقافة

تمتلئ الأساطير البابلية والسومرية، وكذلك الأمر الميثيولوجيا الأغريقية بحكايات من العنف الجسدي، والعنف الجنسي، وتصاوير المروع والمهول. ومنذ الحكايات الأولى في الدين، نتعرف إلى كيف هرس قابيل رأس أخيه هابيل بحجر، كما أن العبارات في الكتب المقدسة التي تصور العذاب والجحيم في جهنم، تعتبر عاملاً مشتركاً عنفياً في كتب الديانات الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام.

في كتابه “العنف والمقدس”، يبين الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار أن العنف له طبيعة محاكية، وهو يكمن في أساس كل فكر ديني وثقافي، وأستدل على ذلك بتحليل مقارن من الأعمال التراجيدية والطقوس والأساطير التي تنتمي إلى بلاد متعددة بدءاً من الأغريق إلى أفريقيا البدائية.

يكتب ملا أبو بكر عن كتاب العنف والمقدس: لقد قدم جيرار في كتابه: “العنف والمقدس” وكذلك في كتبه اللاحقة، نظرية متكاملة عن دور العنف في المجتمعات البشرية، تستحق التأمل وخصوصاً في ما يتعلق بطبيعة العلاقات الدولية التي سادت في القرن العشرين، حيث الحرب العالمية الأولى، بكل بربريتها، والحرب العالمية الثانية التي انتهت بإلقاء الولايات المتحدة الأميركية القنبلة الذرية على اليابان، لتجبرها على الاستسلام من ناحية، ولإظهار قوتها الفائقة من ناحية أخرى”.

الذبيحة الدموية

أي معالجة لموضوعة العنف في الثقافة ستجد نفسها مضطرة إلى الوقوف أمام العنف تجاه الحيوان. تمتلئ رسوم كهوف الحضارات الأولى بمشاهد الصيد، وتجسيد قتل الحيوان. وكذلك يستحضر مشهد من مسرحية “راسين بالأيد” سؤالاً عن الذبيحة الحيوانية، كيف تذبح الأغنام والحيوانات في الممارسة الاجتماعية أمام ذاكرة الأطفال التي تحتفظ بما تراه من عنف وذبح يمارس على الحيوان.

تعود أصول حكاية الذبيحة الحيوانية إلى حكاية قابيل وهابيل أيضاً. يروي العهد القديم الحكاية، حيث يُقدم قابيل وهو مزارع قرباناً لله من الثمار والبذور، بينما يقدم هابيل، وهو راع، للرب قرباناً من أغنامه. فيرفض الرب أن ينظر في قربان المزارع من الثمار والبذور، وينظر فقط إلى قربان الذبيحة الحيوانية. لم ينظر الرب إلى قربان قابيل لأنه كان مخالفاً لما كان يطلبه وهو الذبيحة الدموية. لذلك يكتب رينيه جيرار: الديني يدرأ العنف ويحتجب به، والعنف يتحجب بالديني.

العنف كموضوع

تكتب المترجمة لواء يازجي في تقديمها لمسرحية “أُنقذ” للأميركي إدوارد بوند: “في الحقيقة إن معظم مسرحيات بوند، إن لم يكن جميعها تناولت موضوع العنف، وقد تناولته في كل عمل من زاوية معينة. ومن المعروف أن المسرح الإنكليزي الحديث يتميز بهذا العنف الذي تمتد جذوره إلى شكسبير، بعد أن أضيفت إليه تأثيرات نظرية العنف الحديثة عند الفرنسي أنطوان آرتو. وهكذا جمع بوند العنف مع الفضيحة في مسرحه لخلق الصدمة في أعماله”.

في مسرحيته “أُنقذ” يظهر إدوارد بوند وكأنه يستمتع بإرهاق حواس المشاهد بتعذيب رضيع في حديقة عامة، كانت الأم قد تركته مع والده. والأفظع هو أن الوالد المزعوم يشارك رفاقه في ممارسة هذا العنف ضد الرضيع حتى الموت. هنا يستعمل بوند العنف على المسرح لكي يدين الفراغ الأخلاقي الذي يعيشه المجتمع. يقول بوند إنه أراد من الجمهور أن يخرج من المسرحية سائلاً إن كانت هذه الحقائق تحدث فعلاً؟ وإن كان هذا العنف صحيحاً فعلاً؟ برأيه هذا السؤال “يدفع الجمهور إلى التعمق في الأمر لفعل شيء للحؤول دون حدوثه”.

العنف كاختبار  

عام 1998، قدمت الكاتبة الإنكليزية سارة كين مسرحيتها “تطهير”. تجري أحداث المسرحية في مصحة يحكمها طبيب نفسي مستبد هو تينكر. حين يكتشف الطبيب تينكر أن أفراداً من مجموعة النزلاء يعشق بعضهم الآخر، يسعى إلى اختبار درجة العواطف والتضحية بين المحبين، ما أقسى ما يمكن أن يتحمله أو يقدمه الحب تضحيةً؟ وللإجابة عن سؤاله، يدفع نزلاء المصح إلى أشد الألم، ليختبر مدى تأثير الحب في كل واحد منهم. يكرر تينكر محاولاته القاسية، وتبلغ به الوحشية أن ينزع أطرافاً، ويقشط جلوداً، ويزيل أعضاء تناسلية، يحوّر في الهويات الجنسية. يصبح العنف هنا اختباراً متطرفاً لطبيعة الحب وتضحياته. وكذلك الأمر يعالج فيلم “أنا المقصود بإيكاروس، 1979″، سؤالاً عن مقدار العنف الذي بإمكان أن يلحقه كل واحد بالآخر، فيتعامل مع العنف كاختبار.

العنف كفرجة

يبدأ العنف في الفن التشكيلي منذ رسوم الكهوف الأولى، إلى لوحات معارك القديسين، وتمتد قائمة القرون المصورة في لوحات المتاحف، حيث مشاهد المعارك، مشاهد من لحظات القتل والعنف والذبح، أشهرها لوحات مثل: خطف الساردينيات لبوسان، ومعركة أتنا لغوتوزو، ومذبحة شيل للرسام الفرنسي دولاكروا. بالنتيجة، يصبح المتحف مكاناً لاستعراض تاريخ العنف عبر الحضارات.

كما يمكن أن تروّج الثقافة للعنف، بإمكانها أيضاً العمل على تجنب هذه الممارسة وتجاوزها

منذ الإغريق، يتفرج الجمهور المسرحي على أوديب يفقأ عينيه، وعلى ميديا تقتل عروسة زوجها بسم تدسه في فستانها ترسله لها هدية، وتقتل أبناءها انتقاماً من والدهم جيسون، يقدم ذلك على المسرح منذ جمهور سوفوكليس حتى اليوم. وكذلك عرفت الفترة الرومانية بتمتع الجمهور بمشاهد العنف والتعذيب، يرد ذلك بكثرة في فيلم “تينتو براس” عن “كاليغولا”، 1979. إذاً، كان العنف فرجة عبر التاريخ.

في أفلامه ( Pulpfiction، 1994 ) ( Kill Bill 1 + 2 ، 2003  ) المملوءة بمشاهد العنف المصممة خصيصاً للتأثير بالمشاهد، حيث تكثر لقطات الأعضاء المبتورة، الرؤوس المتطايرة، والدماء النافرة والمعارك الطاحنة، تكمن نظرية المخرج الأميركي كوينتين تارانتينو. يرى أن جمهور السينما طلب العنف واستمتع به طيلة مسيرة الصناعة الفيلمية. لذلك سعى تارانتينو في أفلامه ليس إلى تجسيد العنف وحسب، بل إلى تصويره بمبالغات ترقى لمستوى فانتسمات الجمهور. بينما العنف في سينما “لارس فون ترير” هو جمالية، من منطلق أن لا عمل فنياً متكاملاً من دون أجزاء مخصصة للعنف.

العنف ممارسة

في كتاب “19 امرأة يروين” وهو شهادات نسوية عن الثورة والحرب السورية، تتحدث إحدى المشاركات عن الفترة التي عاشتها في ظل حكم تنظيم الدولة “داعش”. كانت داعش تحرص على تنفيذ العقوبات الجسدية مثل الجلد وقطع الرؤوس في الأسواق وفي مراكز تجمع العامة. ذلك كي يحقق العنف تأثيره الرادع في الآخرين. تروي سعاد كيف رفضت مشاهدة هذه العقوبات، رفضت مشاهدة العنف، ما أجبرها على البقاء في المنزل، بينما كان ملايين الناس الذين لا يعيشون تحت حكم “داعش”، غارقين بالبحث على “يوتيوب” عن هذه المشاهد العنفية، يتبادلون الصور عن أجساد مجلودة، ويرسلون لبعضهم بعضاً فيديوات الرؤوس المقطوعة.

إن رفض سعاد لمجرد مشاهدة العنف، يؤكد فكرة إدوارد بوند التي يكتبها في “ملاحظات حول العنف”: “إن الفكرة القائلة بأن البشر عنيفون بالتعريف وبالضرورة ليست إلا وسيلة سياسية. العنف البشري عنف طارئ وليس ضرورة، ويحدث في مواقف معينة يمكن تحديدها وتجنبها”، العنف بالنسبة إلى بوند ممارسة، وكما يمكن أن تروّج الثقافة للعنف، بإمكانها أيضاً العمل على تجنب هذه الممارسة وتجاوزها.

 

إقرأ أيضاً:

هذا ما تقوله النساء عن الحياة والموت في سورياة

التعابير الإيروتيكة في اللغة العربية

 

 









 

إقرأ أيضاً