عندما رحَّبَت إيران باللاجئين اليهود…

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
في منتصف الحرب العالمية الثانية، أصبحت طهران ملاذاً لكل من اللاجئين اليهود والبولنديين الكاثوليك الذين نزحوا من آسيا الوسطى الخاضعة للسوفيات آنذاك... هنا حكايات ووقائع من تلك الحقبة.

في منتصف الحرب العالمية الثانية، أصبحت طهران ملاذاً لكل من اللاجئين اليهود والبولنديين الكاثوليك الذين نزحوا من آسيا الوسطى الخاضعة للسوفيات آنذاك.

هنا حكايات ووقائع من تلك الحقبة…

في صيف عام 1942، أصبحت مدينة بندر بهلوي، تلك المدينة الساحليّة الهادئة الواقعة على بحر قزوين، ملاذاً للاجئين، إذ شُيّدت على شواطئها مجموعة من الخِيام، ومنطقة حجر صحّيّ لمرضى “التيفود”، ومنطقة أخرى شاسعة لتوزيع الطعام. خارج منطقة المخيَّمات، علّق الباعة المتجوّلون المحلّيّون سِلالاً مملوءة بالكعك اللذيذ وخيوط الحياكة، وكانوا يختفون موقّتاً عندما يظهر رجال الشرطة حاملين الهراوات.

كان اللاجئون مواطنين بولنديّين فرّوا قبل ثلاثة سنوات مع اندلاع الحرب العالميّة الثانية إلى الاتّحاد السوفياتيّ والآن -بعدما قطعوا قرابة 8 آلاف كيلومتر- أبحروا من تركمانستان -إحدى الجمهوريّات التابعة للاتّحاد السوفياتيّ سابقاً- إلى شمال إيران. وفي آذار/ مارس من عام 1942، وصل أكثر من 43 ألف لاجئ إلى بندر بهلوي.

ثمّ وصلت دفعة ثانية من نحو 70 ألف لاجئ في شهر آب/ أغسطس، ثمّ نُقِلت دفعةٌ ثالثة مكوَّنة من 2700 لاجئ برّاً من تركمانستان إلى مدينة مشهد في شرق إيران. وكان حوالى 75 ألف شخص من بين أولئك اللاجئين جنوداً وطلّاباً في كلّيّات عسكريّة وضبّاطاً فيما كان يُسمَّى “جيشَ أندرس”، وهو فيلق بولنديّ في المنفى تشكَّل في الاتّحاد السوفياتيّ بقيادة الجنرال فواديسواف أندرس.

كان الباقون إمّا أمّهات وأطفالاً أو رجالاً ونساءً مُسنّين أو أطفالاً من دون رفقاء. كان 3 آلافٍ منهم -وربما أكثر- من اليهود، بما في ذلك 4 حاخاماتٍ وحوالى ألف طفل لا مرافق لهم أُخِذوا من ملاجئ الأيتام البولنديّة في الاتّحاد السوفياتيّ. كان هناك أيضاً مئات من اليهود البولنديّين المسافرين خلسةً، وأشخاص اعتنقوا الكاثوليكيّة حديثاً، ونساء يدَّعين أنّهنّ متزوجاتٌ من ضبّاط بولنديّين، وما شابه ذلك.

من منظور العالم الذي نعيش فيه اليوم -ذلك العالَم الحافل بالاضطرابات في الشرق الأوسط فيما يعُمّ السلام في أوروبا، وعالَم اللاجئين الفارّين من الشرق الأوسط إلى أوروبا، العالَم الذي أصبحت فيه إيران وإسرائيل رهينتَي صراعٍ أبديّ على ما يبدو- من الصعب تخيُّل وجود عالَم آخر غير عالمنا هذا.

في هذا العالم، كان اللاجئون يهربون من أوروبا التي مزّقَتها الحرب إلى إيران وتركيا وفلسطين في فترة الاحتلال البريطانيّ، ويعيشون في سلامٍ نسبيٍّ هناك خلال فترة الحرب.

في مطلع السبعينات، عثر المخرج السينمائيّ الإيرانيّ خسرو سيناي مصادفة على قصة اللاجئين البولنديّين في إيران خلال فترة الحرب، أثناء حضوره حفلَ تأبين في مقبرة “دولاب” الكاثوليكيّة في طهران. ويُعَد فيلمه الوثائقيّ “القُدّاس المفقود” تقصّياً لآثار حياة هؤلاء اللاجئين، وذلك من خلال استعراض شواهد القبور المنحوتة باللغة البولنديّة، ثمّ من خلال المقابلات التي أُجرِيت مع بولنديّين ما زالوا يعيشون في إيران ومع مُسنّين إيرانيّين ما زالوا يتذكّرون يومَ وصول أولئك اللاجئين.

يروي أحد سكان مدينة بندر بهلوي -التي سُمِّيَت “بندر أنزلي” بعد الثورة الإيرانيّة- ذكرياتِه عن تلك الأيّام في فيلم “القُدّاس المفقود”، قائلاً “استيقظنا يوماً ووجدناهم ينزلون إلى الشاطئ. كانوا في حالة مُزرية، إذ تفشَّت بينهم الأمراض وكانت أجسادهم نحيفة”. وذكر أيضاً ريدر بولارد، الذي كان سفير بريطانيا في إيران وقتها، أنّ “آلافَ اللاجئين المدنيّين، من النساء والأطفال والرجال المُسنّين”، وصلوا إلى إيران فجأةً من دون سابق إنذار.

كان اللاجئون يهربون من أوروبا التي مزّقَتها الحرب إلى إيران وتركيا وفلسطين في فترة الاحتلال البريطانيّ، ويعيشون في سلامٍ نسبيٍّ هناك خلال فترة الحرب.

أُسكِن اللاجئون الذين وصلوا إلى مدينة بندر بهلوي في الدفعة الأولى خلال شهر آذار من عام 1942 في فنادق صغيرة وفي سينما “شير وخورشيد” (الأسد والشمس). ونُقِل المرضى الذين يعانون حالاتٍ صحّيّة خطيرة إلى المستشفيات المحلّيّة، بينما عُزِلت الحالات المتوسطة في منطقة خِيام منفصلة، وحُلِقت رؤوس الآخرين، وجُرِّدوا من ملابسهم الموبوءة بالقمل، وأُعطوا بطانيّات وأطقمَ جديدة وملابسَ داخليّة، ونُقِلوا خلال أسبوعين إلى أحد المخيَّمات الستّة المُخصَّصة للاجئين في طهران وأصفهان والأهواز.

لم تكن الإمبراطوريّتان السوفياتيّة والبريطانيّة قد انهارَتا في ذاك العام الذي وصل اللاجئون فيه إلى إيران، ولم تكن إسرائيل قد وُلِدت بعد، وكان هذا أيضاً قبل عقود طويلة من قيام الجمهوريّة الإسلاميّة. فقبل شهورٍ من وصول اللاجئين إلى إيران، في إثر اجتياح الألمان الاتّحادَ السوفيتيّ، غزَت القوّاتُ الأنغلو- سوفياتيّة إيران، وأطاحت بِرضا شاه بهلوي صديق الألمان ونَفَته، ونَصَّبَت مكانه ابنَه محمد رضا بهلوي الموالي لبريطانيا، الذي حكَم إيران حتى عام 1979.

وقد شجَّعَت مجموعةٌ من العوامل على حدوث هذا الغزو، أهمُّها المخاوفُ من سقوط حقول النفط الإيرانيّة -التي كانت تديرها شركة النفط الأنغلو-إيرانيّة منذ عام 1909- في أيدي الألمان. قسَّم البريطانيّون والسوفيات مناطقَ نفوذهم في إيران، فقد فرضَت بريطانيا سيطرتَها على جنوب إيران، واستحوَذ السوفيت على شمالها. وعندما وصل اللاجئون البولنديّون إلى هناك، كانت إيران قد أصبحت مركزَ جذبٍ لجنودِ الحلفاء ولطائفةٍ متنوعة من اللاجئين اليهود الوافدين من أوروبا وآسيا الوسطى السوفياتيّة والعراق والقوقاز، على الرغم من الهجمات الضعيفة المتواصلة التي تشُنُّها المجموعات الإيرانيّة الموالية للألمان.

وفي “تقرير عاجل حول اللاجئين البولنديّين في بلاد الفرس”، كتب الكولونيل البريطانيّ ألكسندر روس، الذي كُلِّف برعاية شؤون اللاجئين المدنيّين، أنّ جميعَ الوافدين الجدد تقريباً يعانون أمراضاً بسبب سوء التغذية لفترات طويلة، وأنّ 40 في المئة منهم مصابون بالملاريا. وقال الجنرال أندرس إنّه يتوقع أنْ يموت رُبع اللاجئين الموجودين في إيران، وأفاد السفير البولنديّ ستانيسواف كوت بأنّه من بين 9956 طفلاً تم إجلاؤهم خلال دفعة شهر آب/ أغسطس، كان هناك 60 في المئة يعانون سوءَ التغذية، بينما مات 366 طفلاً خلال الرحلة.

لكن إمانويل لانداو، الصبيّ البالغ من العمر وقتها 15 عاماً وهو من وارسو، وَصَف في يوميّاته يومَ وصوله إلى إيران بأنّه يومٌ تاريخيّ، إذ كتب:

في ذلك اليوم التاريخيّ الموافق 16 آب 1942، وفي طقسٍ يربو على 40 درجة مئويّة، كانت المجموعة الأولى تغادر ظهر القارب، وبعد نصف ساعة من الإبحار وصلت إلى ميناء بندر بهلوي الصغير نسبيّاً. وإنّه ليصعُب التعبير بالكلمات عن ذلك الانطباع الأوّل. كان كلّ واحدٍ منهم يشعر كما لو أنّه قد وُلِد من جديد، وأنّه قد وصَلَ إلى مكانٍ خارج هذا العالَم. كانت مياه الميناء تبدو وقد تناثرت فيها القوارب الملوَّنة، وكانت المناطق المحيطة مغطّاةً بمروج الأعشاب والأزهار، فيما كانت صفوفٌ من سيّارات “شيفروليه” الفرنسيّة و”ستودبيكرز” الأميركيّة الرائعة في انتظار الشحن. وبدا كلُّ شيءٍ رائعاً وجميلاً، وكلُّ شيءٍ في تناغم مع الفرس ومع الجنود الهنود الذين كانوا يتفحّصون الوافدين بإشفاق ورثاء. وحين وصلنا الشاطئ بدأ الجميع يتبادلون الأحضان.

كانت إيران حلمَ جميع اللاجئين البولنديّين اليهود والمسيحيّين المقيمين في آسيا الوسطى، وكانت تمثّل غوثاً من سنواتِ المجاعة في الاتّحاد السوفياتيّ، إذ كانت أوّلَ بلدٍ يرونه منذ بدء الحرب ولم تكن قد نهشَتها الحرب والمجاعة والأمراض.

كتب حاييم زئيف هيرشبيرغ، وهو حاخام وُلِد في وارسو، يقول “كانت جنّةً بالنسبة إلينا”.

نفَى السوفياتُ المواطنين البولنديّين اليهود والمسيحيّين معاً، بدايةً من بولندا المحتلّة من قِبَل السوفيات إلى داخل الاتّحاد السوفياتيّ، ومن هناك إلى جمهوريّات آسيا الوسطى لاحقاً. بيد أنّهم تلقّوا في آسيا الوسطى الرعاية والدعم الذي جمعته لهم جمعيّات خيريّة يهوديّة وكاثوليكيّة أميركيّة ودوليّة، وتم توزيعه من قِبَل ممثّلي الحكومة البولنديّة في المنفى، في مدن سمرقند وبخارى في جمهوريّة أوزبكستان الاشتراكيّة السوفياتيّة، وقد استُضيف الأطفال اليهود والمسيحيّون معاً في دُور الأيتام البولنديّة. وفي وسط التوتّرات والأحقاد –إذ كان اللاجئون اليهود يتلقّون معوناتٍ أقلّ، وكان الأطفال اليهود أحياناً يتعرّضون للسخرية والضرب في دُور الأيتام البولنديّة– كانت هناك أيضاً تلك الألفة بين المواطنين الناطقين بالبولنديّة الذين تقاسَموا مصيراً مشترَكاً.

كانت إيران حلمَ جميع اللاجئين البولنديّين اليهود والمسيحيّين المقيمين في آسيا الوسطى

غير أنّ الترحيل إلى إيران، الذي استثنى معظمَ اللاجئين اليهود وترَكَهم نهبَ المجاعات في الاتّحاد السوفياتيّ، أدّى إلى ارتفاع حدّة التوتّرات بين اللاجئين البولنديّين اليهود والمسيحيّين إلى درجة الغَليان. ولكن في الأجواء الآمِنة في إيران بدأت الهويّات القوميّة والعِرقيّة اليهوديّة والبولنديّة في الافتراق تماماً.

في بندر بهلوي، وبالقرب من المفوضيّة البولنديّة المكوّنة من 75 عضواً، التي رحّبَت باللاجئين البولنديّين، وقَفَ رجلٌ وحيد يُمثّل “الوكالة اليهوديّة لفلسطين”، وهي الهيئة الحاكمة للشعب اليهوديّ في فلسطين الانتدابيّة. كان الرجل المدعو رفائيل صفّار قد هاجَرَ من بولندا إلى فلسطين قبل الحرب، ثُمّ أُرسِل سرّاً إلى طهران للمساعدة في تنظيم شؤون اللاجئين اليهود هناك. أخبر صفّار “الوكالة” أنّ اللاجئين اليهود كانوا يصلون إلى إيران “متورِّمِين من الجوع، ومُرتَدِين الخِرَق والأسمال” ويَبدون “أسوأ بكثير من البولنديّين”.

وعلى الشاطئ الإيرانيّ التقى صفّار ناشطاً صهيونيّاً ومحامياً معروفاً من مدينته البولنديّة، فسأله أنْ يُحدِّدَ من بين اللاجئين أيَّ يهوديٍّ بولنديّ آخر كان ناشطاً في الحركة الصهيونيّة البولنديّة. أشار المحامي إلى ديفيد لوينبيرغ (23 سنة)، عضو حركة “هاشومير هآتسعير” (الحارس الشاب)، وهي حركة صهيونيّة اشتراكيّة في بولندا. كان لوينبيرغ قبل الحرب ضابطاً تحت التدريب في الجيش البولنديّ.

حين بدأت الحرب قاتَلَ لوينبيرغ في أولى معارِك وارسو وأصيب هناك ورُحِّلَ شرقاً، ثُمّ أسَره “الجيش الأحمر” (الجيش السوفياتيّ) في النهاية. بعد إطلاق سراحِه حاوَل التطوّع من جديد في الجيش البولنديّ في المنفى، لكنه قايضَ بَذلتَه بزِيِّ جنديٍّ مخمور، ثمّ أبحر إلى إيران خفيَةً، بعدما سمع جنوداً بولنديّين في مركز تجنيد بمدينة كريمينا يقولون “كيف نتخلّص من هؤلاء اليهود الأقذار؟ إنّهم منتشرون في كلّ مكان”.

كتب لوينبيرغ يقول: “كنتُ في أشدِّ حالاتِ الغضب والحنق. لقد أتيتُ لأتطوَّع من جديد، فيما كان هؤلاء البولنديّون -الذين مررنا معهم جنباً إلى جنب بأهوال الغولاغ (معسكرات الاعتقال السوفياتيّة)- ما زالوا يرونني يهوديّاً قذراً”. في بندر بهلوي سُلِّم لوينبيرغ طاقمَ ملابس جديدةٍ وقِيل له “بدِّل ملابسَك، ولا تتحدَّث سوى العبريّة، وتظاهرَ بأنّك مبعوث من أرض إسرائيل”.

وأضاف لوينبيرغ أنّه في تلك اللحظة “لم أعُد لاجئاً تعيساً أو مُهاجراً بلا مأوى، وإنّما أنتمي إلى شعب وأمّة”. لقد جمع الأطفالَ اليهود من أنحاء المعسكرات البولنديّة العامّة وعُيِّنَ مديراً لما كان يُعرف باسم “دار الأيتام اليهوديّة”، Zydowski sierociniec، في ضواحي طهران.

نُقِل مئات من الأطفال اللاجئين اليهود الذين لا يُرافقهم ذووهم مباشرةً من بندر بهلوي إلى “دار الأيتام اليهوديّة”، التي كانت تقع في منطقة “دوشان تيه” وهي قاعدة جوّيّة إيرانيّة سابقة أصبحَت معسكراً للاجئين المدنيّين البولنديّين. وعلى بُعدِ 5 أميال شرقَ طهران كانت جبال ألبُرز تُلقي بظلالِها على المعسكر الذي لم يكن يحوي سوى عددٍ قليل من المباني -وهي مبنى “الجامعة التقنيّة” السابقة التابعة للقوّات الجوّيّة، وبعض حظائر الطائرات، ومبنى سلاح المدفعيّة- وصفوفٍ من الثكناتِ العسكريّة والخِيامِ القماشيّة، خُصِّصَت ستّةٌ منها لـ”دار الأيتام اليهوديّة”. في المبنى الإسمنتيّ الوحيد بالدار كان يعيش أصغر الأطفال سنّاً وهم في سنّ 8 أعوام أو أقل؛ إذ كان 120 من هؤلاء الأطفال ينامون على مراتبَ قطنيّةٍ ووسائدَ متناثرة على سِجّاد خيزرانيّ.

في حين ضمَّت منطقة “دوشان تيه” مئاتِ النساء والأطفال البولنديّين، ذكَرَ لانداو في يوميّاته أنّ “دارَ الأيتام لم تُثِر كثيراً من التعاطف حتّى بين اللاجئين اليهود، وهي وسيلة حقيقيّة للتعرف إلى البولنديّين المُعادين للساميّة”.

نُقِل معظم الأطفال المسيحيّين غير المصحوبين بذَويهم من بندر بهلوي إلى أصفهان، حيث انتهى بهم المطاف إلى الإقامة داخل “دَير الأخوات الفرنسيّات”، وفي “كنيسة الآباء اللَّعازاريّون السويسريّة”، وفي منزل الأب إيليف، وفي إحدى البعثات التبشيريّة البروتستانتيّة الإنكليزيّة؛ وفي مقاطعة مملوكة لحاكم أصفهان آنذاك الموالي لبريطانيا، الأمير صارم الدولة.

في أروقة مقاطعة صارم الدولة بفضاءاتِها الممتدة الشاسعة، وشرفات مبانيها البيض المقوسة، وحدائقها المظللة، وبحيراتها وأشجارها المثمرة، درس الأطفالُ اللغةَ البولنديّة والتاريخ والجغرافيا واللغة اللاتينيّة والعلوم الدينيّة وعلم الأحياء، فوصفتهم المصوِّرة الإيرانيّة ومؤرِّخة الفنون، باريسا داماندان، بأنّهم “عاشوا حياتهم خلفَ أبواب مغلَقة في بيئةٍ طغَى عليها الطابع البولنديّ”.

عمل مجلسُ إدارة المدرسة البولنديُّ على توحيد المناهج الدراسيّة. في حين أرسلَت دورُ النشر الناطقة باللغة البولنديّة في القدس الكُتبَ المدرسيّة البولنديّة إلى إيران. تضمَّنت تلك الكُتبُ نواحيَ الحياة كافّة، بما في ذلك النظام الغذائيّ والمناهج الدراسيّة، فضلاً عن تفاصيل احتفالات القدِّيسين الكاثوليك وعيد القدِّيس نيكولاس وعيد الفصح، التي سعَت جميعُها إلى غرس الهويّة الوطنيّة البولنديّة الكاثوليكيّة في نفوس الأطفال، وأصبحت مدينة أصفهان قُرابة عام 1942 تُعرَف باسم “مدينة الأطفال البولنديّين”.

نُقِل مئات من الأطفال اللاجئين اليهود الذين لا يُرافقهم ذووهم مباشرةً من بندر بهلوي إلى “دار الأيتام اليهوديّة”، التي كانت تقع في منطقة “دوشان تيه” وهي قاعدة جوّيّة إيرانيّة سابقة أصبحَت معسكراً للاجئين المدنيّين البولنديّين.

ذكرَت داماندان في كتابتها أنّ “مدينة أصفهان التي اكتست بالطابع البولنديّ آنذاك بدَت وكأنّها في الواقع دولة مستقلّة داخل إيران”. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل امتدَّ أيضاً إلى طهران، حيث أُقيمت الاحتفالات بأعياد الكاثوليك، ونُقش شعارُ النبالة البولنديّ -وهو نسرٌ أبيضُ متوَّجٌ بمنقارٍ ذهبيّ ومَخالب- على الأرض في معسكر منطقة دوشان تيه”.

في غضون ذلك، استمرّ الأطفال اليهود في التدفّق إلى “دار الأيتام اليهوديّة”، “من كافة الأماكن ودور الأيتام التي كانت تُؤوي الأطفالَ البولنديّين”، على حدِّ تعبير لانداو. بيد أنّه خلافاً لما حدث في أصفهان، اتَّسمت أماكن إقامتهم بالفقر، وكذلك غذاؤهم والمناهج التعليميّة التي تلقّوها. فلم يكن هناك مجلسُ إدارة للمدرسة، ولم تكن هناك كُتبٌ مدرسيّة، ولم يكن هناك مدرِّسون، أما أولئك الذين تمتّعوا بمؤهِّلات علميّة وخلفيّة ثقافيّة، بين اللاجئين اليهود، فقد ظلّوا في الاتّحاد السوفياتيّ.

الأدهى من ذلك أنّ المستشارين البالغين الذين تمَّ اختيارُهم من بين اللاجئين اليهود البولنديّين في طهران، كانوا أكبر سنّاً بقليل من الآخرين الذين تولّوا مسؤوليّةَ الإشراف عليهم، ولم يتلقّوا سوى القليل من التعليم اليهوديّ، ولم تكن لديهم خبرة تربويّة أو تعليميّة. فقد بدأوا تعليم الأطفال نشيدَ حركة الشباب الصهيونيّة اليساريّة “هاشومير هآتسعير”: “نحن نغنّي ونصعد! وعلى قمّة الأطلال والجثث/ نخطو ونمرّ… وفي الظلام/ وسواء عرفنا أم لم نعرف إلى أين نذهب، نسير على الطريق/ نصعد ونغنّي!”.

بحلول شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1942، تحوَّل الاسم البولنديّ الذي يعني “دار الأيتام اليهوديّة” إلى مقابله في اللغة العبريّة الذي يعني “دار الأطفال اليهود في طهران”. وعُلِّق على أبواب المُخيَّم علم مُطرَّز بالاسم العبريّ، وتلقّى الأطفال تعليماً بالأغاني العبريّة (مع أنّ لوينبيرغ ذكر أنّ 50 طفلاً فقط هم الذين كانوا يعرفون العبريّة)، وجرت أيضاً عادةُ الاحتفال بيوم الشبات أو “السبت المقدَّس”، الذي خُصِّص للراحة والعبادة. وكما كتب كاتب إسرائيليّ في وقت لاحق، فقد “اتُّخذ قرارٌ آنذاك أنّ الأطفال لم يعودوا أيتاماً، فالأمّة اليهوديّة صارت الآن موطنَهم”.

أبدَت إيران -التي تتّسم بتركيبها الوطنيّ اللامركزيّ المتعدِّد الأعراق واللغات، والمختلفة جذريّاً عن الدول القوميّة الأوروبيّة المتجانسة شكليّاً- تسامُحاً، في البداية على الأقل، مع تطوّر دولة بولنديّة، وإلى حدٍّ ما دولة يهوديّة، مستقلّة داخلَ حدودها.

بحلول مطلع عام 1943، وبعدما أثارت أسعارُ الخبز المرتفعة احتجاجاتٍ واسعةً النطاق بين السكّان المحليّين، كان معظم اللاجئين البولنديّين -سواء من اليهود أو المسيحيّين- يغادرون إيران في طريقهم إلى الهند ولبنان وسوريا، وانتقل العددُ الأكبر منهم إلى فلسطين التي تخضع لسيطرة بريطانيا.

في فلسطين، نشأ الأطفال اليهود في المستوطنات التي عرفت آنذاك باسم “كيبوتسيم”، وفي المدارس الداخليّة، ومع الأسر المتبنّية، باعتبارهم مواطنين مستقبليّين في الدولة اليهوديّة؛ بينما ذهب الأطفال البولنديّون إلى المدارس الكاثوليكيّة في القدس والناصرة وإلى المدارس المختلطة في تلّ أبيب. ومثل طهران، تحوّلت تلّ أبيب إلى مدينة للاجئين البولنديّين.

درَس المواطنون البولنديّون في الجامعة العبريّة في القدس، والمعاهد الموسيقيّة والمدارس التقنيّة، وعزَفوا في فرق الجاز، وأخرجوا المسرحيّات، وأقاموا الأمسيات الأدبيّة، ونشروا المجلّات الدوريّة باللغة البولنديّة، مثل مجلّة “غازيتا بولسكا” ومجلّة “الطريق”، وطبعوا طبعاتٍ جديدةً من كتب الشعر والأناشيد والكتب المدرسيّة البولنديّة نقلاً عن الطبعات القديمة التي تمتلكها “الجامعة العبريّة”. وفي بعض الأحيان أرسلوا -بالتعاون مع السكان اليهود المحلّيّين- مساعداتٍ إلى اللاجئين اليهود والمسيحيّين في الاتّحاد السوفياتيّ وأفريقيا وأماكن أخرى من العالم.

ففي فلسطين، هدأت حدّة التوتّرات بين المسيحيّين واليهود إلى حدٍّ كبير. وظلَّ معظم اللاجئين المسيحيّين المدنيّين هناك حتى عام 1947، عندما انتهى الانتدابُ البريطانيّ على فلسطين، ولم يبقَ سوى قليلٍ منهم هناك إلى الأبد.

اليومَ ثَمّة قِلّة من البولنديّين أو الإسرائيليّين أو الإيرانيّين تتذكر هذا الفصل في تاريخها، مع أنّ آثارَ قبور الأطفال اليهود البولنديّين في مقبرة طهران اليهوديّة، ومقابر البولنديّين في القدس ويافا، واللوحات التذكاريّة لشكر الربّ على نجاة الأطفال البولنديّين من الاتّحاد السوفياتيّ إلى القدس، والمذكّرات التي كُتبت في طهران وتلّ أبيب، لا تزال كلها آياتٍ شاهدةً على هذا الماضي المنسيّ.

إنّ الذاكرة الجماعيّة شأنٌ سياسيّ. وفي ظلِّ المناخ السياسيّ السائد في الوقت الراهن، فإنّ ذكرى طهران باعتبارها مكاناً تلقّى فيه اللاجئون اليهود حُسنَ الضيافة، وذكرى تلّ أبيب التي استقبلت اللاجئين البولنديّين المسيحيّين بصدرٍ رحب، لا تخدم أيَّ غرض للحكومات الإيرانيّة والإسرائيليّة والبولنديّة الحاكمة.

من المفارقات، بل مما يبعث على الأسى، أنَّ المدن الرائدة في الدولتين اللتَين تشهدان الآن صراعاً دامياً في ما بينهما، كانت في أربعينات القرن العشرين مُدناً عالميّة مُتعدِّدة الحضارات، وكانت غالباً آمنةً لآلاف اللاجئين. إلّا أنّ ذلك أيضاً يبث الأمل بأنْ يعود هذا العالم إلى الوجود من جديد يوماً ما.

هذا المقال مترجَم عن foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

تظاهرات العراق بعيون المعارضة الإيرانية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400