fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

“عندما أرى أعدائي في كل مكان أرغب في القيام بالمزيد”: جورج سوروس في معركته الأخيرة

الوجه الأبرز للعولمة، مهندس الثورات الملوّنة، أكبر مضارب في سوق البورصة العالمية، الرجل الذي كسر بنك إنجلترا، العدو الأول لليمين المتطرف في العالم، الممسك بأوسع شبكة خيرية ممتدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، الذي يموّل مئات الجمعيات غير الحكومية، المسؤول عن وصول رئيس هنا والإطاحة برئيس هناك…

عشرات الألقاب والأسماء التي ارتبطت باسم جورج سوروس، ومئات التهم التي ألصقت به في ملفات كثيرة، جعلته الشخص الأكثر عرضة للتسويق لنظرية المؤامرة العالمية، لكنّ كل هذا لا يمنع اليوم من اعتباره أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في عالم المال والأعمال والسياسة، عبر شبكاته الأخطبوطية التي تندرج تحت اسم واحد، مؤسسته “المجتمع المفتوح” (Open Society).

عاد اسم جورج سوروس في الفترة الأخيرة إلى الواجهة بعد القرار الذي اتخذه الرئيس المجري فيكتور أوربان في إقفال كل مكاتب المؤسسة التي يديرها الملياردير الأميركي، المولود في بودابست عام 1930 لعائلة مجرية يهودية نجت من معسكرات النازية، بعد أن غيّرت هويتها واتخذت المسيحية ديناً لها في مطلع الأربعينات.

ولا يبدو قرار أوربان غريباً، فالرئيس- الذي قال خلال الانتخابات الأميركية الرئاسية الأخيرة: “عندما أرى كلينتون تتكلّم أتخيّل صوت جورج سوروس ينبعث من فمها”- يسعى إلى إقرار قانون يحمل اسم “قانون سوروس” يجرّم عمل المنظمات غير الحكومية التي تقدّم المساعدة للمهاجرين. الخطوة نفسها بدأت إيطاليا تنفيذها منذ أسابيع بعد انتصار التحالف الوثيق بين رابطة ماتيو سالڤيني اليمينية المتطرفة وحركة “النجوم الخمس” الشعبوية التي عبّر المتحدث باسمها اليو لانوتي عن “رغبة إيطاليا في منع سوروس عن دوس التراب الإيطالي، فبلادنا ليست مخيماً كبيراً للاجئين”.

يُتداول اسم جورج سوروس يومياً في وسائل الإعلام العالمية خاصة بعد شمله بحلقة الطرود المفخخة التي طاولت شخصيات معارضة لدونالد ترامب ومحسوبة أو مقرّبة من الحزب الديموقراطي الأميركي، وتصدّر اسمه عناوين الصحف بعد اعتراف شيريل ساندبرغ (الرقم 2 في فايسبوك) بانتداب شركة دعائية “ديفينرز” (Definers) للهجوم على الـ”أوپن سوسيتي”، في شكل من أشكال تصفية الحساب الطويل بين “فايسبوك” و”غوغل” من جهة، وسوروس وأذرعته المؤسساتية من جهة ثانية.

أخذت الحملة الدفاعية التي يتبناها فريق سوروس إزاء هجوم الشركة المنتدبة من “فايسبوك” طابعاً اتهامياً لتيم ميلرز (مدير ديفينرز) ينطوي على تلميح بمعاداة السامية، الكلاسيكية منها، التي تحمل عداء لليهود بوصفهم مجموعات تسيطر على الاقتصاد العالمي وتدير سياسات الدول. اتهام نفاه كل من مارك زوكربرغ وشيريل ساندبرغ، وسط إشارات واضحة من صحيفة “الجيروزاليم بوست” العبرية التي استبعدت أن يكون الهجوم مركّزاً على ملياردير يهودي بقدر ما يستهدف نمطاً في المواجهة مع مؤسسات سوروس. الصحيفة العبرية كانت قد اتهمت سوروس عام 2016، بدعمه جمعيات “معادية لدولة اسرائيل وتسوّق للإرهاب الفلسطيني” بعد حديثه على “بي بي سي” عن “لا ديموقراطية إسرائيل” ولجوئها إلى العنف لحلّ النزاعات.

لافتات مناهضة لسوروس

صعود سورس

لحظة جورج سوروس الأولى كانت في تلقّفه سقوط البلوك السوڤياتي ونجاحه في تدوير الأفكار الشيوعية التي ماتت مع انهيار جدار برلين، وتوظيفها بشكل جعل من مؤسسته الحجر الأساس للخطة التي تستكمل خطة “ماريشال” الأميركية الهادفة إلى إعادة تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. فهم سوروس باكراً خلال عمله في وول ستريت وإنشائه الـ”كونتيم فاند” أنّ هذا العالم ينهار بشكل سريع، وأنّ الرأسمالية ستأخذ مكانها ومداها في الدول الناشئة عن سقوط الاتحاد السوڤياتي، فسارع إلى ضخ استثمارات بملايين الدولارات في روسيا وعمل على مبدأ “حرية تنقّل الأفكار والأشخاص قبل الرساميل” وذاعت نكتة آنذاك حول ابتداع الروس لفعل Sorosovat الذي يعني “طالب المنحة” كما يروي ميكائيل كوفمان في كتابه عن سوروس « The life and time of a messianic billionaire » الصادر عام 2002.

أسّس جورج سوروس عام 1991 الجامعة الأوروبية المركزية في بودابست، وسعى من خلالها إلى تشكيل نخب ليبرالية ديموقراطية، فاستقطب آلاف الطلاب من دول أوروبا الشرقية (الشيوعية سابقاً)، ووفّر لهم المنح اللازمة للتخصص في مجالات كثيرة أبرزها السوسيولوجيا، الاقتصاد، العلوم الإنسانية والعلوم السياسية. ومن مهازل القدر أنّ فيكتور أوربان كان من أوائل المستفيدين من المنح التي قدّمتها الجامعة، فتابع دراساته العليا في لندن مبعوثاً من مؤسسة جورج سوروس عام 1990.

يكشف نيكولا غوييو، الباحث الفرنسي في معهد البحوث العلمية في باريس (Cresppa)، المهتمّ بدراسة ظاهرة المنظمات غير الحكومية في دول المعسكر الاشتراكي سابقاً، أنّ سوروس أصبح يحمل وجهين متناقضين يخضعان لهوى الحالمين بعودة الشيوعية تارة وللتوّاقين إلى الرأسمالية تارة أخرى. يقول غوييو: “كان الشيوعيون ينظرون إليه كعميل سرّي للمخابرات الأميركية، وكان القوميون يشيرون إليه كيهودي قادم من محفل ماسوني يقف خلف مؤامرة كبرى فيما كانت الموجة الرأسمالية الصاعدة تحلم برجل يحمل شعارات السوق الحرة والاستثمارات والليبرالية”.

وفي حين تركّزت أعمال سوروس في بدايات نشاطه الخيري على دعم التغييرات التي طاولت العالم الشيوعي السابق، بدأ يصنع اسمه في أروقة السياسة الأميركية عبر تقرّبه من الأسماء الكبيرة في الحزب الديموقراطي، فأصبح الداعم الأكبر لحملات عائلة كلينتون والوجه الأبرز للأميركي المعادي لخطاب المحافظين الجدد الذي تبناه الجمهوريون في حقبة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش إبّان غزو العراق.

في دراسة أعدّها نيل ماك لوغلين في قسم العلوم الإنسانية لحساب جامعة ماك ماستر في أونتاريو، يشرح الباحث الأميركي كيف وضع سوروس ثقله عام 2004، لمنع وصول بوش مرة جديدة إلى البيت الأبيض، لكنّ مسعاه باء بالفشل وتصاعدت المواجهة بين الطرفين وبلغت ذروتها في الرد غير المباشر لمعسكر الجمهوريين، من خلال إصدار كتاب يسمّي سوروس بالاسم ويعتبره مسؤولاً عن مخطط يهدف إلى ضرب السياسة الأميركية. حمل الكتاب “حزب الظل” (the shadow  party) بصمات دافيد هورويتز – الذي يعرف بحدّته ومواقفه اليمينية المتطرفة وعدائه للمسلمين- الذي اعتبر أنّ سوروس ويساريي الستينات في أميركا يحاولون السيطرة على الحزب الديموقراطي من أجل زعزعزة استقرار البلاد وطمس المعركة الأولى اليوم: الحرب على الإرهاب.

لا تتوقّف المواجهة بين سوروس واليمين الأميركي عند استحقاق انتخابي ولا يمكن اعتبارها تفصيلاً بسيطاً في مواقف الرجل السياسية، إذ تكفي العودة إلى الحملات التي تشنّها قناة فوكس نيوز منذ سنوات (المؤيدة بشكل كبير لمواقف دونالد ترامب) بشخصيّ نجميها الإعلاميين: بيل أوريلي وغلين بيك، للتأكد من مدى العداء الذي يكتنزه الجمهوريون والمحافظون في الولايات المتحدة لسوروس. عام 2010، خصّص غلين بليك أكثر من ساعتين من برنامجه للتهكّم على سوروس، وصوّره على شكل دمية يهودية تحاول من وراء الكواليس تدمير التقاليد الأميركية.

لكنّ سوروس الذي  يلبس “المؤامرة” كما لم يلبسها أحد من قبل لا يخفي من خلال كتاباته وتصريحاته دعمه حملات تشريع الماريجوانا، وتشريع زواج المثليين، وثورة الأورو-ميدان في أوكرانيا، ومساعدة المهاجرين الفارين من الحروب في الشرق الأوسط، ويكفي أن نتصفّح موقع “الأوپن سوسياتي” والجمعيات التي تدعمها لنعرف توجهات الرجل السياسية وقناعته الفكرية.

تصل ثروة جورج سوروس إلى نحو 32 مليار دولار وهو يحتل المرتبة 29 في قائمة “فوربس” لأثرياء العالم، ويذكر الجميع كيف ذاع صيته في سوق الاستثمارات والمضاربات النقدية مطلع التسعينات، بعد الضربة القاضية التي وجّهها للبنك المركزي البريطاني في ما عرف بـ”الأربعاء الأسود” في بريطانيا العظمى.

 

سوروس الذي  يلبس “المؤامرة” كما لم يلبسها أحد من قبل لا يخفي من خلال كتاباته وتصريحاته دعمه حملات تشريع الماريجوانا، وتشريع زواج المثليين، وثورة الأورو-ميدان في أوكرانيا، ومساعدة المهاجرين الفارين من الحروب في الشرق الأوسط، ويكفي أن نتصفّح موقع “الأوپن سوسياتي” والجمعيات التي تدعمها لنعرف توجهات الرجل السياسية وقناعته الفكرية.

 

عام 1992، التحقت بريطانيا بآلية سعر الصرف الأوروبية وشهدت تلك السنة أزمة اقتصادية كبيرة تمثّلت بارتفاع معدّل التضخم إلى نحو في المئة؜. رأى سوروس أنّ بريطانيا لن تكون قادرة على الحفاظ على سعر العملة المحلية، فقام بشراء عقود مدينة بالجينيه الإسترليني وباعها بالمارك الألماني ليستثمرها في الأصول الألمانية. باع سوروس ما يقارب 10 مليارات جينيه استرليني واستطاع أن يحافظ على الربح، على رغم محاولة البنك المركزي تدارك الموضوع عبر رفع أسعار الفائدة. على لسان وزير الخزينة نورمان لامونت، أعلنت بريطانيا انفصالها عن نظام النقد الأوروبي وتخفيضها الفائدة الى حدود 10 في المئة.

في أيار/ مايو الماضي نشرت صحيفة Valeurs actuelles المحسوبة على اليمين المحافظ ملفاً حمل عنوان “الملياردير الذي يتآمر على فرنسا. جورج سوروس المموّل الأوّل للهجرة وموجات الأسلمة”، رأت الصحيفة أنّ سوروس “عمل بدهاء على إسقاط مارين لوبان في الانتخابات الأخيرة وساهم في دعم حملة ايمانويل ماكرون الذي يعدّ حليفاً قوياً للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، لأنهما يتشاركان مع سوروس الأفكار نفسها في نظرتهما إلى أوروبا متعددة الثقافات، التي ترتكز على الديموقراطية ونموذج الدولة الاجتماعية في ظل مناخ ليبرالي واسع للحريات الشخصية والجماعية”. وأضافت الدورية الفرنسية أنّ “سوروس أصبح عدو الشعوب التواقة إلى الانعتاق من سلطة بروكسل ومن ضغط المهاجرين واللجوء والرغة في إرساء مشاريع قومية أولويتها حماية الحدود ودعم الاقتصادات الوطنية”.

على موقع المؤسسة مواضيع متنوعة كدعم حملات التلقيح السنوية للمهاجرين الوافدين في الدول، حيث تنتشر المؤسسة، والعمل مع جمعيات تدافع عن حقوق الاقليات الاثنية كالغجر (Roms) في إيطاليا وهنغاريا وفرنسا ورومانيا والمشاركة في حماية الناجين من الاعتداءات الجنسية، لا سيما مثليي الجنس في دول أوروبا الشرقية (كازاخستان…) وتساهم المؤسسة في تقديم المساعدة لمئات المؤسسات والأطر غير الحكومية التي تعنى بتأهيل ضحايا الحروب والإرهاب وتمكين فرص رعايتهم صحياً واجتماعياً، وتلك المنخرطة في الدفاع عن الحق في زواج المثليين والحق في الإجهاض، كما تدعم توجّهات المجموعات التي تسعى إلى تحقيق الديموقراطية في دول العالم الثالث.

في سنّ الـ88، لا يرغب جورج سوروس في التقاعد. الرجل الممنوع من دخول روسيا والمطرود حديثاً من هنغاريا مع جامعته العريقة وجمعياته، التي تحاربها كل أطر اليمين الشعبوي في إيطاليا وفرنسا والسويد والولايات المتحدة. وإذ يراه البعض “يهودياً بشكل مبالغ فيه”، إلا أن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة إلى إسرائيل التي تتهمه بمعاداة الاستيطان ودعم القضية الفلسطينية، عبر نشاطات مؤيدة للفلسطينيين في أوروبا وعبر تقديماته لأذرع الـBDS. مطلع العام الماضي، نشر يائير هون نجل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو رسماً كاريكاتورياً يصوّر سوروس عابثاً بالحياة السياسية الإسرائيلية مع خلفية للعلم الفلسطيني، ما أثار تساؤلات متجددة عن العداء الذي تكنّه الحكومة الإسرائيلية لسوروس.

يستعيد جورج سوروس أنفاسه بعد مئات المعارك التي خاضها، ويعمل بهدوء تحضيراً للمعركة الأخيرة مع كل أطر اليمين الشعبوي في أوروبا والعالم. تحت مسمّى “المجتمع المفتوح”، يركّز كل جهوده من أجل ضرب أي محاولة لعودة النظم الفاشية والنازية إلى أوروبا، فالرجل الذي ساعد ملايين البشر الخارجين من رحمة المعسكر الشيوعي المتهالك أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات ودعم الانتفاضات والاحتجاجات السياسية والشعبية في صربيا وكرواتيا وجورجيا… ووقف خلف اسم دراي ماكنسون والـBlack lives Matter في فرغسون وبالتيمور، وحمل اسم الميدان عالياً في أوكرانيا، وسمع صدى اسمه يتردد في ساحات عربية تمرّدت على أنظمة الاستبداد، وظهرت صوره ذات تظاهرات نسوية أو ذات احتفال للـLGBT، يردّ ببرودة على سؤال “هل أنت فاعل خير حقّاً؟”، “عندما أرى أعدائي في كل مكان، أرغب في القيام بالمزيد”.

 

إقرأ أيضاً:

فرنسا تتحرك قضائياً ضد ضباط النظام السوري

رحيل روبير فوربيسون آخر مزوري التاريخ

إقرأ أيضاً