fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

على الخطوط الأمامية في حرب اليمن: أطفال مجنّدون من دارفور

أفقدت الحرب الأهلية الدائرة في دارفور هاجرَ شومو أحمد أيَّ أمل تقريباً. سرق الغزاة مواشي عائلته، وعانى والداه الفقر، بسبب إراقة الدماء التي دامت 10 سنوات.

ثم في نهاية عام 2016، عرضت المملكة العربية السعودية ما كان بمثابة طوق نجاة؛ وهو أن تدفع لهاجر مبلغاً يصل إلى 10 آلاف دولار إذا انضم إلى قواتها التي تقاتل في اليمن على بعد 1200 ميل.

لم يستطع هاجر، الذي كان في الرابعة عشرة وقتها، تحديدَ مكان اليمن على الخريطة، وانتاب الذعرُ والدته. إذ رأت أنه نجا من حربٍ أهلية مروعة؛ فكيف لوالديه أن يلقيا به إلى واحدة أخرى؟ لكن موقف العائلة كان أقوى.

قال هاجر في مقابلة له في العاصمة الخرطوم، بعد أيام قليلة من عيد ميلاده السادس عشر، “تدرك العائلات أن الطريق الوحيد لتغيير حياتهم هو أن ينضمَّ أبناؤهم إلى الحرب ويجلبوا لهم نقوداً”.

وصفت الأمم المتحدة حرب اليمن بالأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم. ووفقاً لمجموعات الإغاثة هناك، فقد جعل الحصار المتقطّع -الذي فرضه السعوديون وشركاؤهم في الإمارات- ما يقارب 12 مليون شخصٍ على شفا الموت جوعاً، وأسفر عن مقتل ما يزيد عن 85 ألف طفل.

يقول السعوديون -تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان- إنهم يخوضون الحرب لإنقاذ اليمن من فصيل عدائي تدعمه إيران. لكنهم في سبيل ذلك قد استخدموا ثروتهم النفطية الهائلة لاستقدام مصادر خارجية يستعينون بها في الحرب، من خلال تجنيد من يقول الجنود السودانيون إنهم عشرات الآلاف من الناجين البائسين من الصراع في دارفور، وكثيرون منهم أطفال.

جنود سودانيون في اليمن

في أي وقت من الأوقات على مدار أربع سنوات كان عدد أفراد الميليشيات السودانية المقاتلة في اليمن يصل إلى 14 ألفاً، وذلك بالتوازي مع الميليشيات المحلية الموالية للسعودية، وفقاً لمقاتلين سودانيين عائدين من اليمن وواضعي القوانين السودانيين الذين يحاولون تعقّب الأمر. ومات المئات -على الأقل- هناك.

وعلى ما يبدو، يُستقدَم جميع المقاتلين السودانيين تقريباً من منطقة دارفور المُعدَمة والتي شوّهتها الحرب، حيث قُتِل حوالى 300 ألف شخص وشُرِّد 1.2 مليون آخرين على مدار أكثر من عشر سنوات من الصراع على الأراضي الصالحة للزراعة المتناقصة وغيرها من الموارد الأخرى النادرة.

ينتمي معظمهم إلى “قوات الدعم السريع” شبه العسكرية، وهي ميليشيات قَبَليّة كانت تُعرف سابقاً باسم “جنجاويد”. وكانت تُلقى عليها باللائمة في قضايا الاغتصاب المنهجي للنساء والفتيات، والقتل العشوائي وجرائم حرب أخرى أثناء صراع دارفور؛ وحالياً يقود قدامى المحاربين المتورطين في تلك الفظائع عمليّةَ إيفاد المجنّدين إلى اليمن – وإن كان في صورة حملةٍ أكثر رسميةً وتنظيماً.

تتُوق بعض العائلات إلى المال بشدّة لدرجة تجعلهم يقدّمون الرشوة إلى ضباط الميليشيات كي يجعلوا أبناءهم ينضمّون إلى القتال – وتتراوح أعمار كثيرين من هؤلاء ما بين 14 و17 سنة. وفي المقابلات التي أجريت معهم، قال خمسة من المقاتلين العائدين من اليمن، وآخرُ على وشك الرحيل، إن نسبة الأطفال في وحداتهم لا تقلّ عن 20 في المئة. وقال اثنان آخران إنّ هذه النسبة تفوق 40 في المئة.

وأجمَع المقاتلون الذين أجريت معاهم مقابلات على أن المراقبين -سواء السعوديين منهم أو الإماراتيين- قادوا المقاتلين السودانيين عن بعد بشكلٍ شبهِ كامل، موجِّهين إيّاهم للهجوم أو التراجع من خلال سماعات الراديو وأنظمة تحديد المواقع GPS المتوافرة لدى الضباط السودانيين المسؤولين عن الوحدات، وذلك كي يحفاظوا على مسافة آمنة تفصلهم عن خطوط القتال.

قال محمد سليمان الفاضل (28 سنة، من قبيلة بني حسين) الذي عاد من اليمن في نهاية العام الماضي، “وجَّهَنا السعوديون لما علينا فعله من خلال الهواتف والأجهزة. لكنهم لم يقاتلوا معنا أبداً”.

اتّفق معه أحمد (25 سنة، من قبيلة أولاد زيد) الذي قاتل هذا العام بالقُرب من الحُدَيدة، وطلب عدم نشر اسمه كاملاً، خوفاً من الانتقام الحكومي، قال “كان السعوديون يتواصلون معنا في مكالمات هاتفية ثم ينسحبون. إنهم يعاملون السودانيين كحطب الوقود”.

هناك بضعة آلاف من الإماراتيين يتمركزون حول ميناء عدن. لكن بقية التحالف الذي حشده السعوديون والإماراتيون قد اجتمعوا بسبب المساعدات المالية بالدرجة الأولى.

أوفد الجيش الباكستاني بهدوء -على رغم وجود تصويت برلماني يمنع مشاركته- ألفَ جنديٍّ لدعم القوات السعودية داخل المملكة، ونشر الأردن طائراتٍ نفّاثة وأوفد مستشارين عسكريين. وكلتا الحكومتَين تعتمد بشدّة على مساعدات الدول الملكيّة الخليجية. (أشار تقرير من إحدى لجان الأمم المتحدة إلى وجود احتمال بأن تكون إريتريا أرسلت 400 مقاتل هي الأخرى).

إلّا أنه في السودان، الذي لعب دوراً أكبر بكثير، تبدو الأموال السعودية تتدفق إلى المقاتلين مباشرة، أو المرتزقة كما يسميهم منتقدو الحملة العسكرية. ولذا فهي لا تفيد الاقتصاد إلّا بشكل غير مباشر.

يقول حافظ إسماعيل محمد، موظف سابق في أحد المصارف وخبير استشاري في الاقتصاد، وهو من منتقدي الحكومة، “الناس يائسون. يقاتلون في اليمن لأنهم يعلمون أنهم لا يملكون مستقبلاً في السودان. نحن نُصدّر جنوداً للقتال، وكأنهم سلع نُقايضهم بالعملة الأجنبية”.

وقال متحدث باسم التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، في بيانٍ له، إنّ القتال كان من أجل إعادة الحكومة اليمنية المُعترف بها دوليّاً، وإنّ قوات التحالف التزمَت بجميع القوانين الإنسانية الدولية وقوانين حقوق الإنسان، بما فيها “الإحجام عن تجنيد الأطفال”.

وأضاف المتحدّث باسم التحالف، تركي المالكي، في ذلك البيان أنّ “الادعاءات بوجود أطفال بين صفوف القوات السودانية هي ادعاءات وهمية لا أساس لها”. وقال المسؤولون السعوديون إن جنودهم أيضاً قُتِلوا في اليمن، لكنهم رفضوا التصريح بأعدادهم.

بالتأكيد سهّلت القوات البرية السودانية على السعوديين والإماراتيين إطالة الحرب. فقد جعل السودانيّون السعوديين والإماراتيين في مأمنٍ من وقوع إصاباتٍ في صفوفهم، وهو الأمر الذي قد يختبر صبرَ العائلات في البلدَين.

أحياناً يتم توزيع القوات السودانية للدفاع عن أجنحة الميليشيات اليمنية التي تقود الهجمات. لكن المقاتلين السودانيين يصرون على أنهم يمثلون أيضاً العائق الرئيسي أمام العدو اليمني للسعوديين؛ الحوثيين.

يقول فضل “من دوننا سيستحوذ الحوثيون على المملكة العربية السعودية بأكملها، بما في ذلك مكة”.

رفض السفير أبو بكر الصديق الأمين، المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، التعليقَ على مستويات القوات أو الخسائر أو الرواتب في اليمن. وقال إن السودان يقاتل لمصلحة “السلام والاستقرار الإقليمي”.

وأضاف: “بخلاف ذلك، ليست لنا مصالح قوميّة في اليمن”.

أما وزير الدفاع السوداني فقد هدَّد في أيار/ مايو الماضي بالانسحاب من ذلك الصراع، معلناً على وجه التحديد أن الخرطوم “تعيد تقييم” المشاركة في ضوء “استقرار السودان ومصالحه”. ووصَف الدبلوماسيّون ذلك البيانَ بأنه مطالبة مُستترة بأن تزيد السعودية والإمارات المساعدات المالية التي تقدِّمانها.

لم تستجيبا لذلك، وترنَّح الاقتصاد السوداني. تراجعت الخرطوم، واستمرَّ تدفّق المقاتلين. لكن الرئيس السوداني عمر البشير اكتسَبَ حلفاءَ مهمين، ما خفّف عزلتَه الدولية بعد سنوات من النبذ.

فلأكثر من عقدين من الزمن، كانت الولايات المتحدة تعتبر حكومة البشير راعيةً للإرهاب. وقد أصدرت “المحكمة الجنائية الدولية” أوامرَ باعتقاله، واتّهمته بالإشراف على جرائم الحرب في دارفور.

أبقى السعوديون والإماراتيون على مسافةٍ حتى وقت قريب، مرتابين في جذور البشير الممتدة إلى الإسلام السياسي وعلاقات السودان مع إيران وقطر، منافسَي السعودية الإقليميّين.

إلا أنّ حرب اليمن مكّنَت البشير على الأقل من الحصول على دعم ديبلوماسي من القادة الخليجيين؛ وقدّم الشكر للسعوديين والإماراتيين لِضغطهما على واشنطن لتطوير مستوى العلاقات.

تزايَدَت أهمية المدفوعات السعودية المُقدَّمة إلى الجنود بالنسبة إلى السودان، وبلغت نسبة التضخم 70 في المئة، وحتى في العاصمة يقف الناس في طوابير للحصول على الخبز والوقود وسحب الأموال من المصارف. هذا الشهر قُتِل ما لا يقل عن 9 أشخاص على أيدي قوات الأمن.

قدَّمت دارفور مرتزقة في صراعات أخرى كذلك. ظهرت الجماعات المتمردة التي حاربت ميليشيات الجنجاويد وهي تحارب في ليبيا لمصلحة اللواء خليفة حفتر المعادي للإسلاميين، وفقاً لاستنتاجاتٍ توصّلت إليها لجنة تابعة للأمم المتحدة ولتقارير أخرى كذلك.

لكن عدداً أكبر من ذلك بكثير حارب في اليمن.

يروي المقاتلون الخمسة العائدون من اليمن قصصاً مماثلة، إضافة إلى قصة الأخوين المقاتلين اللذين لقيَا حتفَيهما هناك. كانت الطائرات السودانية تُقلِع من الخرطوم أو نيالا في ولاية دارفور، متوجّهة إلى السعودية، وتحمل ما بين 2000 إلى 3 آلاف جندي في كل المرة.

كان يتمّ توصلُيهم إلى معسكراتٍ داخل المملكة، وقال البعض إنهم رأوا تجمُّعَ ما يصل إلى 8 آلاف سوداني.

خصَّص السعوديون لهم ملابسَ وأسلحةً، يَعتقد المقاتلون السودانيون أنها أميركية الصنع. بعد ذلك قدَّم لهم الضباط السعوديون تدريباً تراوحَت مدته من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، وكان أساساً يتعلّق بكيفيّة تجميع الأسلحة وتنظيفها.

أخيراً، قُسِّموا إلى وحداتٍ تتكون من 500 إلى 750 مقاتلاً، كما قالوا. ثم سافروا براً إلى اليمن، إلى المعارك في صحراء ميدي، أو معسكر خالد بن الوليد في تعز، أو في محيط عدن والحُدَيدة.

قالوا جميعاً إنهم قاتلوا من أجل المال فقط. وقد دُفِع لهم بالريال السعودي، وكانت رواتبهم شهرياً تتراوح بين ما قيمته 490 دولاراً للمقاتل المبتدِئ الذي يبلغ 14 عاماً، إلى حوالى 530 دولاراً لضابط ذي خبرة من الجنجاويد. وتلقّوا ما يعادل 185 إلى 285 دولاراً إضافيّاً في أي شهر فيه قتال؛ أي شهريّاً بالنسبة إلى بعضهم.

أُودِعت رواتبهم مباشرةً في مصرف فيصل الإسلاميّ السوادنيّ، المملوك جزئيّاً للسعوديين. وفي نهاية مدّة التناوب كلّ ستة أشهر، تلقّى كل مقاتل دفعة لمرة واحدة لا تقل عن 700 ألف جنيه سوداني، أي ما يقارب 10 آلاف دولار بسعر الصرف الرسميّ الحاليّ.

يقول حافظ إسماعيل محمد، الاستشاريّ الاقتصاديّ، إنه في المقابل قد يتلقى الطبيب السودانيّ الذي يعمل ساعات إضافية في وظائف متعدّدة ما يعادل 500 دولار شهريّاً.

وقال عبد الرحيم (32 سنة، من قبيلة الرزيقات)، الذي حُجِب اسمه الكامل لتفادي الأعمال الانتقامية، إنه في العام الماضي دفعَت أسرته لأحد قادة الميليشيات المحليين رشوةً قيمتها 1360 دولاراً، كي يتمكن أخٌ أكبر له من الذهاب إلى اليمن كضابط.

توفي الأخ، عبد الرحمن، في القتال في شباط/ فبراير 2018. يقول عبد الرحيم بوجه متحجِّر “هكذا الحياة”.

تلقّت زوجة عبد الرحمن وأطفاله الثلاثة ما يعادل 35 ألف دولار بالجنيهات السودانية، على رغم أن القيود المصرفية أعاقت حصولها على المال.

يذكر أحمد (من قبلية أولاد زيد) أنّ بعضَ الضباط السودانيين قالوا للجنود صراحةً “لا تُقاتِلوا بضراوةٍ تفوق ما تتلقون من المال، ولا تحاربوا بأكثر مما يُدفَع لكم”.

وقد اشتكى جميع المقاتلين من صواريخ الحوثيين وألغامهم، وذكروا معدلات إصابات تراوحت بين 135 في وحدة فضل و200 في وحدة أحمد. وعندما عادوا، اشتروا مواشي أو شاحنة نصف نقل كورية الصنع أو محل بقالة صغيراً.

ارتدى هاجر -الذي ذهب إلى اليمن وهو في الرابعة عشرة، وعاد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017- قميصاً وبنطالاً عسكرياً من أجل مقابلةٍ في الخرطوم. كان خدَّاه نظيفَين، وشاربُه بدأ لتوِّه ينمو.

فقدَت وحدته 20 رجلاً خلال الرحلة البرّيّة إلى معسكرٍ بالقرب من عدن، حيث خسروا 22 آخرين في معركتهم الأولى و35 في الثانية، و180 بعد مرور ستة أشهر.

قال إنه كان ينتابُه الذعرُ يومياً، وقد انحنى في مقعده إلى الأمام عندما بدأ الحديث عن القتال. لكن ضباطه السودانيين سمحوا له بالاتصال بوالدَيه بين الحين والآخر، وهم الآن سعداء. إذ اشترى لعائلته 10 مواشٍ ومنزلاً.

 

هذا الموضوع مترجَم عن موقع nytimes.com ولقراءة المقال الاصلي زوروا الموقع التالي.

 

إقرأ أيضاً