fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد الربيعي و حسن الناصري

أحمد الربيعي و حسن الناصري

مقالات الكاتب

عصابات إدارة التسول والاتجار بالبشر… لا أمن يردعهم ولا قانون يوقفهم

لا تنسى حلا وجه والدها في ذلك اليوم الخريفي، واقفاً أمام باب المنزل في محافظة ديالى (شمال شرقي بغداد). كان ينظر إليها فيما يمد يده لكيس أسود من زائر غريب. بعدها بساعة دفعها وشقيقها نحو المقعد الخلفي في الشاحنة المتوقفة على بعد بضعة أمتار من المنزل الريفي، وقال آخر ما سمِعَته منه “اذهبا فهذا والدكما الجديد”.

كان مبلغ العشرة ملايين دينار داخل ذاك الكيس، ثمن كيانها وحريتها وطفولتها التي باعها والدها، “لدفع ديونه والهروب من الفقر”، بحسب حلا، التي ولدت وترعرعت في منطقة كانت طوال العقدين الأخيرين تعاني من الحرمان والتهميش وشكلت احدى النقاط الساخنة للصراع الطائفي، ولاحقاً إرهاب مقاتلي “الدولة الإسلامية” (داعش).

يومها لم تكن الصغيرة ذات الـ12 سنة، تفهم ما يحدث، وما كان بيدها إلا مواصلة البكاء والصراخ مع أخيها، وطرق زجاج السيارة التي سارت باتجاه العاصمة بغداد، فيما كانت والدتها تصرخ وهي تفترش الأرض عند قدمي زوجها، متوسلة إياه وقف صفقة بيع الطفلين للعصابة التي تدير منازل لإيواء المتسولين في الكثير من محافظات البلاد.

تمضي حلا التي ترتدي عباءة سوداء مهترئة وتغطي رأسها بوشاح من اللوم ذاته، أيامها عند أحد تقاطعات العاصمة بغداد ماسكة بممسحة ومضخة ماء يدوية، لتنظيف زجاج السيارات المتوقفة عند الإشارة المرورية، لقاء مبلغ ألف دينار (80 سنتاً أميركياً) أو ربع ذلك المبلغ، فيما يبيع شقيقها محمد الذي يصغرها بعامين، علب المناديل الورقية ليجني بذلك مبلغاً لا يقل عن 25 ألف دينار عراقي (20 دولاراً) يومياً.

4 سنوات من الفراق وقسوة الحياة على ارصفة بغداد وشوارعها، أنستها معظم تفاصيل حياتها السابقة، لكنها تذكر أن والدها فقد إحدى ساقيه بلغم أرضي في الحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، ولم يكن قادراً على العمل. كانوا يعتمدون على الخضار التي يجنونها من بستانهم الصغير.

لم يتمكن كاتب التحقيق، بعد محاولات عدة من الوصول إلى عائلة حلا، وهي الشقيقة الأكبر لثلاثة أشقاء، هم طفلتان وصبي. فالصراع الطائفي والقومي في تلك المحافظة الشرقية التي يعيش فيها العرب السنة والشيعة والأكراد، وتنشط فيها الجماعات المتشددة، أدى إلى سلسلة نزوح.

طرائق التسول وعصاباته

للتسول في العراق طرائق عدة، يسلكها المتسولون عند الإشارات المرورية وفي الساحات العامة، منها بيع المناديل الورقية الرديئة، وغالباً ما يمنح السائقون المال للمتسولين، من دون مقابل، فضلاً عن مسح زجاج السيارات، أو طلب المساعدة المادية بحجة النزوح من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية، بينما يحمل البعض تقارير طبية تشير إلى إصابتهم بأمراض مزمنة.

وبينما تجني حلا ومحمد الأموال، يعمل إلى جوارهما ستة أطفال آخرون، بينهم حسن “الموصلي” (7 سنوات)، الذي تعتقد حلا أنه أُخذ من أحد مخيمات النزوح. ويتسول أربعة بالغين في المكان ذاته، فيما يراقب شخص مسؤول عملهم جميعاً، وفي آخر النهار يتم اصطحابهم إلى مأواهم في منطقة “البتاوين” وسط العاصمة بغداد إلى جوار العشرات من أمثالهم.

يكشف هذا التحقيق من خلال التحري والمتابعة لنحو 5 أشهر، كيف تدار شبكات التسول في العاصمة بغداد وعدد من المحافظات العراقية من قبل عصابات مختصة، وكيف تحصل عمليات الاتجار بالبشر وصفقات شراء الأطفال من الأسر المعدمة لاستغلالهم في شبكات التسول، وكيف يُخطَف أطفال للغرض ذاته.

يقف التحقيق ايضاً على الاجراءات الحكومية المتخذة لمحاربة تلك التجارة، والحد من ظاهرة التسول التي تصاعدت بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية.

الغجر… من الرقص إلى التسول  

عند تقاطع ساحة عقبة شرقي الكرادة وسط العاصمة بغداد، تتنقل نجلاء بين المركبات المتوقفة عند الإشارة المرورية.

تعمد كاتب التحقيق الوقوف عند تلك الإشارة المرورية لأكثر من سبع مرات بعجلات مختلفة، خوفاً من رصده من قبل مشغلي “نجلاء”، وتمكن من الحديث معها خمس مرات متتالية ولمدة تراوحت بين (7-5)  دقائق في كل مرة.

تغطي شعر “نجلاء” صبغة صفراء، على رغم صغر سنها فهي لم تتجاوز الثانية عشرة، تتحدث العربية بلهجة موصلية بلكنة “الغجر” أو “القرج” كما تعرف تلك الشريحة في الموصل. ترتدي الملابس ذاتها على مدى سبعة أيام، كما لاحظ كاتب التحقيق.

في قرية السحاجي (20 كلم غرب الموصل) كانت تقطن مجموعة كبيرة من “الغجر”، الذين نزحوا إلى داخل المدينة بعد تصاعد سطوة تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة المتطرفة ما بعد عام 2004، والذين اضطروا للتسول بعد منعهم من ممارسة الغناء والرقص.

تركز عدد كبير من الغجر بعد التهجير والملاحقة من قبل التنظيمات المتطرفة، في منطقة النبي يونس شرق الموصل، فيما غادر آخرون متجهين نحو العاصمة بغداد ومناطق الوسط والجنوب، والذين امتهنوا التسول ضمن مجاميع منظمة داخل المدن، وعملوا تحت إشراف عصابات تدير عمليات التسول وتوفر لهم الحماية والمسكن والقليل من الأموال، مقابل تسليمهم كل الواردات.

نجلاء التي ساقها خالها، بحسب قولها، وشقيقتها التي تكبرها بأربع سنوات، إلى بغداد، لم تستطيع أن تستريح يوماً واحداً من هذا العمل المرهق، فهي تجبر على الخروج يومياً للتسول، خالها أيضاً يمارس التسول مع زوجته وطفلته التي تحملها على كتفها على الدوام في منطقة الكرادة وسط العاصمة.

تؤكد نجلاء التي غطى جزء كبير من كفها الأيمن طفح جلدي، أن والديها ما زالا في الموصل (405 شمال العاصمة بغداد)، فيما تسكن هي في السعدون، وهي إحدى مناطق وسط العاصمة التي تبعد 3 كلم من الإشارة المرورية الضوئية التي تعمل قربها. تقول إن والديها يزورانها وشقيقتها بين فترة وأخرى، هم أيضاً يعملون في التسول لكنهم يمارسون ذلك في مدينتهم.

رفض اثنان من الفتيان البالغان من العمر سنة، واللذان يتسولان في المكان ذاته، الإدلاء بأي معلومات تخص نجلاء، واستغربا من عدد المرات التي سألنا فيها عنها، مهددين بأنهم سيخبرون “الشيخ” بذلك عن سؤالنا المتكرر.

سجل العراق في السنوات العشر الأخيرة نسبة عالية بمعدل الفقر والتي تراوحت بين 22-15 في المئة، فيما تنخفض معدلات الدخل الفردي، والتي لم تزد عن 7000 دولار أميركي سنوياً، في أفضل حالاته، مع زيادة كبيرة في نسبة البطالة التي بلغت 30 في المئة في بعض السنوات، بحسب إحصاء وزارة التخطيط.

المقدم عادل ماهر (اسم مستعار) أحد ضباط الشرطة المجتمعية، كشف لكاتب التحقيق عن وجود عصابات تتاجر بالأطفال بشكل خاص، بهدف استخدامهم للتسول، تقوم بشراء الصغار من المناطق الساخنة مستغلين فقرها أو فقدان بعض الأسر لمعيليها.

ويضيف أن العاصمة بغداد هي “وجهة غالبية الأطفال”، الذين يتم شراؤهم من المحافظات، وإن عصابات الاتجار بالبشر تعمل بمعظمها ضمن رقعة المدينة الجغرافية، فيما “لديها أذرع تساعدها في كل المحافظات”.

وهذا ما أكده مدير الشرطة المجتمعية العميد خالد المحنة، حيث كشف عن وجود “مؤسسات كبيرة تعمل مباشرة مع العصابات لإدارة التسول، يدعمها محلمون يدافعون عن المتسولين قانونياً، إذ تم رصد تلك المؤسسات وتشخيصها وتوثيق أماكن تجمعها”، مشيراً إلى عزم دائرته “عرض تلك المعلومات الموثقة أمام قيادة وزارة الداخلية لاستحصال الموافقات للقيام بحملة واسعة للقبض على القائمين على تلك العصابات”.

وبحسب معلومات سرية اطلع عليها كاتب التحقيق، فإن عصابات إدارة التسول باتت تعتمد على (بعض) مكاتب المحاماة ومؤسسات مجتمع مدني “وهمية” بشكل مباشر، لقاء عمولات مالية لتوفير الحماية القانونية للمتسولين العاملين تحت إدارة تلك العصابات، وتتكفل تلك المكاتب والمؤسسات بتخليص المتسولين ومشغليهم من العصابات، في حال تعرضهم للتوقيف من قبل الأجهزة الأمنية.

ويستغل محامو تلك المكاتب بعض الثغرات القانونية خلال مرافعاتهم أمام القضاء، بهدف الحصول على حق إطلاق السراح مقابل كفالات مالية، فيما لديهم علاقات واسعة مع بعض الضباط في الأجهزة الأمنية، خصوصاً المكلفة ملاحقة المتسولين بهدف تخليصهم في حال اعتقالهم.

كشف المقدم ماهرأ أيضاً عن شغل تلك العصابات لأماكن معلومة لإيواء الأطفال الذين يتم شراؤهم وتشغيلهم في التسول، ويوفر القائمون على تلك الأماكن المأكل والمسكن للأطفال، فيما يتم توزيعهم على مناطق بغداد وشوارعها منذ السابعة صباحاً، ليُعادوا بشكل منظم الى “الوكر” مساءً.

مشغلو التسول وتقسيم مناطق السيطرة

كل بضع عشرات من الأمتار وعلى طول الرصيف الممتد من شارع الرشيد وسط بغداد، وصولاً إلى منطقة الشورجة، إحدى أكبر المراكز التجارية في العاصمة ثم باب المعظم، تفترش نساء موشحات بالسواد الأرض، يحتضنّ أطفالاً بعمر (4-1) سنوات لاستجداء المارة واستعطافهم.

أم فرات اعتادت الجلوس طوال فصول العام، في مواقع محددة في شارع الرشيد. “نقابها” الذي يحجب وجهها، وعباءتها العربية التي تغطي جسمها، يمنعانك من تحديد هوية من يختبئ خلف ذلك السواد أو عمره.

تقول، وهي تشد عباءتها لتغطي كامل جسدها: “بدأت التسول عام 2012 لإعالة أطفالي الأربعة بعد مقتل زوجي الذي كان يعمل حمالاً، بانفجار في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد”. وبعد خسارتها زوجها بقيت أم فرات –وهي يتيمة الأم والأب- وحيدة من دون معيل، فأهل زوجها لم يلتفتوا إليها، على رغم مناشداتها إياهم لتقديم المساعدة لأطفالها، فيما تخلى عنها شقيقها الوحيد بعدما هاجر إلى خارج البلاد.

تستأجر أم فرات منزلاً عند الأطراف الشرقية للعاصمة، وهي تكسب يومياً من التسول ما يقارب من 65 ألف دينار، لكنها تضطر إلى منح نصف المبلغ لأبو احمد الذي يدير عملية التسول في تلك المنطقة.

مصدر أمني استخباري في منطقة “الشورجة”، طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد أن أكثر من 70 متسولاً يعملون في المنطقة ذاتها، بينهم حوالى 50 يعملون بشكل مباشر تحت امرة أبو أحمد، الذي ينقلهم صباحاً بواسطة عجلات ذات 12 راكباً من نوع “كيا” من منطقة البتاوين، ليعود بهم على شكل مجموعات إلى المنطقة ذاتها، بعد غلق المحال التجارية أبوابها وانتهاء حركة السوق في المنطقة عند الرابعة عصراً.

ويجبر أبو أحمد المتسولين الآخرين في المنطقة على منحه نصف ما يجنونه في ساعات تسولهم في منطقته، ويقوم بطرد الممتنعين عن الدفع ويمنعهم من العمل هناك، فيما يدير متسوليه عبر تأمين المأوى والمأكل لهم، لقاء استحواذه والجهة التي تدير منازل الإيواء على كل الاموال التي يجمعونها.

وباعتبار مبلغ 60 ألف دينار عراقي، هو متوسط ما يجنيه كل متسول في تلك المنطقة يومياً، فإن “أبو أحمد” يستحوذ على ما يقارب 4.2 مليون دينار عراقي، أي ما يعادل 3.4 ألف دولار أميركي.

العراق يواجه ارتفاعاً كبيراً بنسبة الأرامل والمطلقات في البلاد، إذ تجاوز عددهن المليون، إضافة إلى مليون يتيم، معظمهم فقدوا ذويهم بسبب العمليات الإرهابية والعسكرية، بحسب المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي.

عرب وأجانب يمتهنون التسول

كاتب التحقيق اطلع على تقرير أمني سري يكشف عن وجود أربع مجموعات تمتهن التسول في بغداد، وهو ما يتفق مع المعلومات التي قدمها مدير الشرطة المجتمعية العميد خالد المحنة. وأشار التقرير إلى أن المجموعة الأولى تعود إلى سكان المناطق العشوائية، لا سيما شرق العاصمة وجنوبها، والثانية من النازحين ما بعد 2014، والمجموعة الثالثة عبارة عن أسر جاءت من إقليم كردستان العراق تعود جذورهم إلى “الغجر”، فيما يؤشر التقرير حمل عدد “غير قليل” من المتسولين جنسيات أجنبية، خصوصاً السورية والباكستانية والهندية.

ويحدد التقرير أماكن سكن المتسولين ومبيتهم في مجموعات كبيرة، بأكثر من 20 فندقاً في إحدى مناطق وسط العاصمة بغداد – يحتفظ كاتب التحقيق بأسماء الفنادق- ويدار النزلاء في تلك الفنادق من قبل أشخاص معلومين يتحكمون بعملية توزيع المتسولين والواجبات المنوطة بكل شخص.

وبحسب مصدر أمني، طلب حجب اسمه، في وسط العاصمة بغداد وحدها وفي منطقة لا تتجاوز مساحتها 5 كلم2، هناك أكثر من 1200 متسول يتوزعون على أكثر من 20 فندقاً، وفي كل فندق هناك 60-50 متسولاً، يتم اسكانهم بشكل مجموعات متناسقة وبحسب صلة القرابة على الاغلب في كل غرفة من 3 إلى 5 أفراد.

يقول ياسر، الذي يعمل في أحد تلك الفنادق، إن هناك جهة تستأجر الفندق الذي يعمل فيه، منذ أكثر من خمس سنوات لإسكان مجموعات من المتسولين، ويتم تقديم وجبتين من الطعام لهم يومياً (الإفطار والعشاء) وهي عادة تكون كـ”القصعة” وتقدم بشكل جماعي، وتتكون على الاغلب من “الرز والمرق”.

هشام الذهبي مدير البيت الآمن للإبداع، المخصص لأطفال الشوارع، بعد دراسات كثيرة أجراها عن الأطفال المتسولين يقسمهم إلى مجموعتين، الأولى تضم متسولين يشكلون 80 في المئة وهم مُستغلّون من قبل أسرهم نفسها، فيما يشكل الأطفال المُستغلّون من قبل العصابات، ما نسبته 20 في المئة.

يقول الباحث الاجتماعي، أمير العبيدي، إن “ما بين 50 و60 في المئة من المتسولين الذين يعملون تحت سلطة عصابات الاتجار بالبشر، باتوا راضين بما هم فيه لثلاثة أسباب، الأول ناجم عن عملية رضوخ الضحية بشكل تام للجلاد، عبر عملية الترهيب المستمرة وعمليات التعذيب التي تمارس على المتسولين والتي تجعلهم يستسلمون، والثاني هو اعتياد العقل الباطن والظاهر في الوقت ذاته على عملية التسول واستساغتها، هذا مع عدم وجود ملاذات تؤمن لهؤلاء لقمة العيش في حال قرروا الفرار من تلك العصابات”.

ويذكر “التقرير” الأمني المشار إليه سابقاً، أن عدداً من “الخانات” والفنادق في منطقة الكاظمية شمال بغداد تحوي متسولين من جنسيات باكستانية وهندية، فيما أشارت الجهة الأمنية التي كتبت التقرير، إلى أن المتسولين من النازحين كانوا بغالبيتهم داخل مخيمات منطقتي الدورة وابو غريب جنوب بغداد وغربها، فيما باتوا الآن يقطنون مناطق متفرقة في العاصمة بعدما أخليت غالبية تلك المخيمات مع تحرير المدن التي كان يحتلها تنظيم “داعش”.

مافيات أقوى من أجهزة الأمن

الناطق باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن، كشف لكاتب التحقيق عن إشراف جماعات ومافيات على عمل المتسولين في بغداد، حيث “توفر تلك العصابات الحماية للمتسولين من أجهزة الأمن غير القادرة على منع ظاهرة التسول بشكل نهائي نتيجة انتشار الفقر والتشرد في عموم البلاد، وكل ما تستطيع فعله هو منع المتسولين من الاقتراب من الدوائر والمؤسسات الأمنية، لأسباب تتعلق بالأمن العام”.

عقيد في عمليات بغداد، رفض كشف اسمه، نبه إلى ارتكاب بعض المتسولين “جرائم منظمة”، وعن ارتباط بعضهم بعصابات إدارة شبكات التسول، مؤكداً “إلقاء القبض على كثر من المتسولين بتهم السرقة والقتل وغيرهما”.

وتحذر مديرة هيئة رعاية الطفولة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عبير الجلبي، من تفاقم ظاهرة التسول واستغلال “الجماعات الإرهابية التسول كواجهة للتغطية على عناصرها وإخفائهم تحت ذريعة التسول”.

يقول النقيب “س.م” الذي يعمل في جهاز الاستخبارات، لكاتب التحقيق إن “الجهاز يمتلك معلومات متكاملة عن المتسولين وفق قاعدة بيانات توضع من خلال المراقبة والتحري المستمر”. وأضاف أن “العمل يتركز بشكل أساس على ملاحقة العصابات المنظمة التي تعمل في هذا المجال، ورصد أي ارتباط تحاول أن تجريه الجماعات الإرهابية مثل داعش وأخواته مع بعض المتسولين، بهدف استغلالهم”.

الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة فاضل ابو رغيف، حذر من تنامي ظاهرة التسول، وازدياد أعداد المتسولين في شوارع المدن العراقية، إذ “يشكل المتسولون خطراً أمنياً محتملاً، فهم عرضة للاستغلال من قبل الجماعات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة على حد سواء، فضلاً عن امكانية تخفي عناصر عصابات الجريمة تحت غطاء التسول داخل المناطق السكنية وبالتالي رصد المنازل وأصحابها وتنفيذ عمليات سرقة وقتل فيها”.

وقال ابو رغيف إن أحد عناصر التنظيمات الإرهابية “ألقي القبض عليه متخفياً بهيئة متسول في أحد الشوارع وسط العاصمة، بعدما نفذ عمليات اغتيال بواسطة مسدس كاتم للصوت كان يخفيه تحت جبيرة جبسية كانت تغطي يده”.

وبحسب التقارير الأمنية الاستخبارية التي اطلع عليها كاتب التحقيق، فإن “التنظيمات المتطرفة التي نشأت بعد سقوط النظام البعثي في 2003 وخصوصاً تنظيم القاعدة، استغلت وعلى مدى سنوات بخاصة في مدينة الموصل، التسول كواجهة لحركة عناصرها وتنفيذ عمليات إرهابية، خصوصاً عمليات الاغتيال بواسطة العبوات اللاصقة، أو لجمع المعلومات حول المؤسسات الحكومية وحركة الأفراد، فيما استغلت بعض المتسولين ممن لديهم إعاقات عقلية لتنفيذ عمليات انتحارية”.

الاتجار بالبشر

يتلمس جلد يده اليسرى المملوءة بالحروق على شكل دوائر صغيرة، بعدما أزاح كم قميصه الأسود وهو يتحدث عن ألم إطفاء أعقاب السجائر في جلده كلما حصل على مبلغ أقل من 50 ألف دينار، في نهاية يوم تسول طويل.

تميم التني، -اسم مستعار- كناية عن القبيلة التي ينتمي إليها في محافظة نينوى، عناده كان يدفعه في كل مرة للوقوف أمام مشغليه وتحديهم بالهرب من “تلك البؤرة البائسة” وهو ما كان يعرضه للعقاب، كما يقول.

هو لا يرغب بالعودة بذاكرته إلى تلك السنوات الأربع التي أمضاها في التسول، بعدما دفع به والده نحو العاصمة بغداد ليودعه عند إحدى العصابات التي تدير التسول. قبل أن يتمكن عام 2016 من الإفلات من تلك العصابة متجهاً نحو كربلاء، مستعيناً ببعض رجال الدين هناك الذين أمنوا له مصدر رزق ومكاناً بسيطاً متكوناً من غرفة واحدة ومرافق خدمية للعيش فيها.

تميم صاحب التسعة عشر عاماً، قال لكاتب التحقيق داخل دكانه الصغير عند ناصية أحد شوارع محافظة كربلاء (108 كلم جنوب العاصمة بغداد): “أتمنى لو أعلم كم قبض والدي ثمن بيعي لهؤلاء الوحوش”.

القضاء العراقي نظر خلال الأعوام القليلة الماضية في الكثير من قضايا الاتجار بالبشر كانت معظمها لآباء باعوا أبناءهم لعصابات تعمل في ادارة التسول والبغاء. وتشير الأرقام المسجلة إلى أن مبالغ تتراوح بين 6 ملايين كحد أدنى حتى 15 مليوناً كحد أعلى دفعت لشراء أولئك الأطفال، وتبرير الآباء في كل مرة ذلك بـ”أسباب معيشية”.

وكان مجلس القضاء الأعلى نشر إحصاء لعام 2017، يؤكد نظر المحاكم المختصة بنحو 200 قضية متعلقة بجرائم الاتجار بالبشر، معظمها في العاصمة بغداد وتتعلق ببيع أطفال، 110 منها تخص ذكوراً و90 لإناث.

يقول الناطق باسم مجلس القضاء الأعلى عبد الستار بيرقدار، في بيان صحافي، اطلع عليه كاتب التحقيق، إن المجلس يناقش تطبيق قانون الاتجار بالبشر على قضايا المتسولين والجرائم المخلة بالشرف، وفرض اشد الإجراءات القانونية والعقوبات بحق مرتكبي هذه الجرائم ومحاسبة أولياء المتسولين.

مدير الشرطة المجتمعية العميد خالد المحنة، عزا عدم السيطرة على ظاهرة التسول في البلاد إلى ضعف المواد القانونية الخاصة بالتسول، فهو يعتقد أنها “غير رادعة، إذ يكتفي القاضي بالإفراج عن المتهم بكفالة مالية، ليعود بعدها إلى الشارع لممارسة التسول مرة اخرى”.

وبحسب خبراء قضائيين، التقاهم كاتب التحقيق، فإن القضاء دائماً ما يتعامل مع قضايا التسول بشكل مخفف من دون شمولها بدعاوى الجنح، حيث يكتفي القاضي بأخذ تعهد من ذوي المتسول إن كان (حدثاً) ثم الإفراج عنه، وكفالة أو غرامة تتراوح ما بين 500 ألف دينار كحد ادنى ومليون كحد أقصى للإفراج عن البالغين، بحسب تقدير القاضي مع تعهد بعدم ممارسة التسول مرة ثانية، فيما يمكن ان يحوّل القاضي المتسول إلى المصحة العقلية أو إحدى دور الإيواء في حال تكرر الفعل، لكن تلك حالات نادرة ويبقى تقديرها للقاضي.

الناشط المدني هشام الذهبي، يعزو استفحال ظاهرة التسول إلى “غياب المواد القانونية التي تُجرم التسول أو على الأقل تفرض عقوبات رادعة للحد من هذه الظاهرة، ولهذا فإن كل الحملات التي تجريها الأجهزة المختصة لانتشال أطفال الشوارع تفشل”.

وكشف مصدر أمني، طلب حجب اسمه لحساسية منصبه، عن استخدام المتسولين ومشغليهم للثغرات القانونية بهدف الإفلات من القضاء، إذ يعمد المتسولون -المحليون والإجانب- إلى عدم حمل أي أوراق ثبوتية رسمية تثبت هويتهم، وهذا ما يدفع القائمين على مراكز الشرطة إلى عدم تسلم المتسولين في حال اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية الأخرى، لا سيما أن إلقاء القبض على هؤلاء لا يتم وفق أوامر قبض.

وزارة العمل وعلى لسان عبير الجلبي، أشارت إلى ضعف الدور الحكومي في معالجة ظاهرة التسول، مبينة وجود دارين فقط في العاصمة بغداد، دار لتأهيل الإناث ودار لتأهيل الذكور، ضمن دائرة إصلاح الأحداث لإيواء المشردين والمشردات، “لكن عملية إيداع المشردين والمتسولين في هاتين الدارين تحتاج إلى قرار قضائي”.

كاتب التحقيق وبعد التنكر بملابس رثة مع بعض المكياج ولف يده اليسرى بلفافة الطبية مع إضافة صبغة حمراء إلى يده كي تظهر وكأنها مصابة، حاول أن يجد مكاناً في أكثر من ثلاث إشارات مرورية رئيسة في بغداد، (تقاطع ساحة الطيران وتقاطع ساحة الاندلس وتقاطع عمارة الشروق) وسط العاصمة بغداد، لكنه كان يجابه بالطرد من قبل أشخاص غير متسولين، من الصعب ملاحظة وجودهم وهؤلاء يجلسون بعيداً لمراقبة المتسولين الذين يعملون لديهم، للتدخل في حال دخول أي شخص غريب للمنطقة بهدف التسول او في حال حدوث أي طارئ.

لكن أخيراً تمكن كاتب التحقيق من إيجاد مكان للتسول في سوق السنك المخصص لبيع المواد الاحتياطية للسيارات وسط العاصمة، وبعد ثلاث ساعات ونصف الساعة من التجوال بين المحال التجارية تمكن من جمع مبلغ 37500 دينار (31 دولاراً).

الطاعة والمال فقط

يرفض عدد كبير من المتسولين في شوارع العاصمة منحهم أي معونات عينية كالطعام أو الشراب او حتى الملابس. تقول سجى، التي تجاوزت العشرين من عمرها، بعدما حاول معد التحقيق منحها عباءة سوداء كي تلبسها، إنها لا تستطيع أخذها “أين سألبسها فأنا لم أرتدِ ملابس نظيفة منذ أكثر من 8 سنوات”.

سجى التي تقف عند بوابة الخروج في إحدى محطات تعبئة الوقود شرق بغداد، تقول وهي تتلفت يميناً وشمالاً، إنها لطالما فكرت بالانتحار لكن خوفها من ترك ابنتها ذات الأعوام الأربعة وحيدة في “هذا العالم المتوحش” هو الذي منعها. وتضيف وهي تنسحب بعيداً “ارجوكم لا تتقربوا مني أكثر، فلا أرغب بأذية نفسي وابنتي”.

يوضح هشام الذهبي، أن أحداً لا يستطيع تحديد أعداد المتسولين في بغداد أو المحافظات، إذ لا يوجد إحصاء رسمي ولا حتى غير رسمي، إذ لا يمكن إحصاء أعداد متحركة تتنقل بين الأزقة والشوارع الرئيسة والأسواق، كل ما نعرفه أنهم في تزايد ملحوظ”.

لكن منظمات مدنية في الموصل تشير إلى وجود 6200 يتيم في نينوى وحدها، بينهم نحو 3300 شخص، قتل آباؤهم وأفراد من عائلاتهم خلال الحرب، ويمتهن كثيرون من من هؤلاء التسول. وفيما يقع البعض ضحية عصابات الاتجار بالبشر، فإن آخرين مهددون بأن يتحولوا إلى قنابل في يد الجماعات المتطرفة التي عادت للعمل في نينوى.

ويحذر الناشط المدني اياد أحمد، من استغلال الأطفال المشردين الذين فقدوا آباءهم وأقاربهم خلال المعارك مع تنظيم “داعش”، من قبل عصابات الاتجار بالبشر، إذا لم تتدخل الحكومة لمساعدتهم بإقرار برنامج موسع لإنقاذهم.

يفيد أحمد بأن هناك آلاف الأيتام والمشردين نتيجة الحرب، جزء منهم يعمل في التسول، وقد يتم خطف عدد منهم من قبل العصابات ونقلهم الى محافظات أخرى بقصد استخدامهم في التسول، مبيناً أن حالات تأجير الأطفال دون الرابعة، وبمبالغ تتراوح بين 10 و25 ألف دينار، أضحت منتشرة، فالنساء يفضلن التسول بوجود طفل.

مع حلول الظلام، وسط العاصمة العراقية، وفيما كان المطر يضرب الزجاج الأمامي للسيارة، لمح كاتب التحقيق حلا وهي تجلس على حافة الرصيف منتظرة على ما يبدو السيارة التي ستعود بها الى مكان سكنها، فيما كانت تحتضن شقيقها محمد، الذي تأبى ان تفارقه ولا تنفك عن مراقبته خوفاً من تعرضه للضرب من أحد مشغليه أو بقية الصبية المتسولين.

في تلك اللحظة اقتربت من السيارة وهي تمسك بيد شقيقها، ومدت رأسها إلى الداخل، قائلة: “عمو هل يمكن أن يبيع والدي شقيقتي المتبقيتين أو إحداهما إذا احتاج إلى المال مرة أخرى؟”.

حلا، لا ترغب بالعودة إلى أبيها حتى لو تمكنت من ذلك، لكنها تظل تحلم بلقاء والدتها التي ما زلت تفاصيل وجهها عالقة في ذاكرتها، قالت وهي تمسح دموعاً علقت في عينيها: “كانت تحبني، هي الوحيدة التي أحبتني”.

 

انجز التحقيق بدعم من الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية (نيريج)

 

إقرأ أيضاً