fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

عشر سنوات في بيروت

تعلّمك الحياة هنا أن تسير بحذاء جميل وساقين مهترئتين، وأن تذهب إلى مواعيدك بثياب أنيقة وثديين مترهلين من كثرة الدخان المتصاعد. كل شيء هنا يدخّن، المقاهي، البيوت، الشرفات، طاقات الحمامات، الرؤوس المكدّسة، التي حوّلت المدينة إلى باحة كبيرة يتنزّه فيها السجناء كما لو كانوا أحراراً. ثم يترنّحون، كل رأس إلى سجنه الانفرادي. وكما كل السجناء، يختار كل واحد جداراً ليكتب حباً وشمساً وعائلة ووجبات شهية، لا يحتاج إلى تسخينها.

مضى عشر سنوات وأنا أتناول وجبات بائتة، تحاول أمي حشرها بين الحقائب وهي ترفع يدها لتودّعني راسمة إشارة الصليب، فيما أدير السيارة كل اثنين باتجاه بيروت. تترك أمي بركاتها كل أسبوع، تحاول أن تعطيني كل شيء، ثمّ تدعني وشأني لتعود إلى ورودها، تسقيها وتحمّلها طاقات الحب التي في قلبها. لم يصبح وداعنا عادياً أبداً. دائماً تلوّح بيدها حتى آخر رمق، ودائماً أرفع صوت الموسيقى حتى لا أنظر إلى سوريالية الحياة وعينيها.

في بيروت، تعتاد القهوة وقد لا تعتاد ناسها. تصبح القهوة بمرارتها أقرب من الناس. ربما محبّو القهوة مع سكر، يشعرون بأرق أقل وهم يقابلون الوجوه كل يوم. والوجوه هنا كثيرة، كثيرة جداً… وقد بقي معظمها غريباً بالنسبة إلي، على الأقل. بيروت تجمّع للغرباء الراكضين إلى مصائرهم.

بعد عشر سنوات هنا، تصبح كائناً يبحث عن جناحيه، ويبحث عن وطن. تصبح التناقضات صوتك الأوحد، وقد تتحوّل إلى فيلسوف صامت، يسكت طويلاً كلّما سألوه عن الوقت أو عن طعمه.

لم يخرج الريف مني ولم يبقَ فيّ صافياً. ما زلت أصارع، وأدور في الشوارع سائلة: إلى أين أنتمي؟

في البداية، كانت بيروت مدينة ملاهٍ تفوق طفولتي بأشواط. عجزت عن اللعب في معظم الأحيان. شغلت نفسي بجدية الأشياء، حتى صرتُ ساخرةً صغيرة تحاول إقناع الناس بقراءة ميلان كونديرا وبوكوفسكي المجنون.

في مدينة الملاهي تلك، قرأت هيفاء بيطار وهي قاصّة سورية شجاعة. قرأت لها بدايةً “نساء بأقفال”، وهي رواية تتحدّث عن آلام النساء “العانسات” مع العذرية وصراع التحرر والمحافظة. يومها أغلقت شبابيك جبران خليل جبران ونزار قباني ومارون عبود والقصص الرومانسية العظيمة. وصرتُ أتفرّج على الأقفال التي يعيش خلفها الناس، لا النساء فقط. وانتهت روحانيات باولو كويللو في رأسي وقاطعته تماماً. شعرت بشرخ مؤلم مع كتّاب وشعراء كثيرين، كنتُ أجمّع النقود في مراهقتي لأشتري كتبهم. مع هيفاء بيطار، انتهت مراهقتي.

في بيروت، تعتاد القهوة وقد لا تعتاد ناسها. تصبح القهوة بمرارتها أقرب من الناس.

بعدها تحوّلت مدينة الملاهي تلك إلى حانة صاخبة من المتعبين وغير الراغبين في شيء. حانة من الرجال الباحثين عن علاقات سريعة والنساء الباحثات عن الحب. ثم التقيت رجالاً راغبين في نساء يشبهن أمهاتهم في الخضوع والمراوحة، ونساء يحاولن بناء مصالحات مع أجسادهنّ المأكول حقها، وأخريات متعبات من كثرة المحاولة، وقابلت رجالاً غير قادرين على تصديق أن للنساء أدمغة تعمل. وقلت لجميع الرجال الذين عرفتهم، إنّ النساء يعشقن من الأحشاء، لا من القلب. معظمهم أكّدوا أنني مجنونة، ورحلوا برشاقة الهاربين.

قبل أن تتحول بيروت باحة للسجناء، قرأت كونديرا كثيراً ثم دوستويفسكي وماياكوفسكي، وقرأت محمد الماغوط من جديد، كمن يعيد ترتيب غرفة لائقة لرجل كتب قصيدة قال فيها “أنا حزين”. وسكت.

عملت في صحف ومؤسسات عدة، وعملت بائعة شراشف وأغطية طاولات. هجرتني الكتابة في أيام كثيرة، غالباً حين كنت بأمس الحاجة إليها. الكتابة غادرة ومزاجية، وتتحكّم بأقدار هؤلاء الذين لا يتنفّسون سواها. لكنها بعد كل هجران، كانت تعود إليّ بزيّ جديد، لتقول إنني كبرت أكثر بعد. أصدرت رواية وديواني شعر. مع الوقت شعرت برغبة في الخروج من السباق، لأعود بقفازين قويّين.

تركت نفسي تماماً لبيروت، لسنا متشابهتين طبعاً. صعب أن تترك نفسك لمدينة لا تشبهك، لكنّ خيارات معظم النازحين من أريافهم الهادئة ليست كثيرة. بيروت أو النهاية.

تمنحك بيروت القدرة على التأقلم مع المطر المفاجئ والشمس الحارقة.

عشر سنوات وأنا أحاول. دخلت إلى حانات كثيرة، حتى رسوت على مشروب مفضّل، “المارغريتا”، ثم النبيذ. كنت أدخل الحانات بثياب توحي بالجدية والرصانة، ثمّ تعلّمت أن أدخلها بثياب المتاهة.

قاتلت قلبي كثيراً وأنا أبحث عن حبٍّ يشبه يد أمي وبركاتها بين الحقائب. لكنني أيقنت أنّ للحب أيادي أخرى، وقد لا يكون مباركاً أبداً.

مع الوقت، تصالح أبي مع ذوقي في الثياب وخفّت أسئلته. لكنّه ما زال يحبّ أن ألغي مواعيدي مساءً وأختار حضنه.

قبل أيام سألته إن كان يذكر أنني كنت طوال طفولتي ملتصقة به، وأنني لم أتعلّق بأحد كتعلّقي به. وسألته إن كان منتبهاً إلى كم أشبهه في شكلي وطباعي. أخبرني بصراحة أنه لا يحبّ انفصالي عنه في عطلة نهاية الأسبوع، حين أنظّم مشاريع مع أصدقائي أو أغرق في العمل. وقال إنه يحبّ أن يراني أكثر. ثم ذهب إلى كيس دوائه الكبير وعاد إلى نكتته الأبدية: “بدّك شي حبة؟”.

تركت نفسي تماماً لبيروت، لسنا متشابهتين طبعاً. صعب أن تترك نفسك لمدينة لا تشبهك، لكنّ خيارات معظم النازحين من أريافهم الهادئة ليست كثيرة.

في كل أسبوع، أعود إلى أمي وأبي وأجد أنهما كبرا في غيابي، وزادت أوجاعهما قليلاً وزادت التجاعيد على وجهيهما. لكنهما يزدادان براءةً وحباً وسلاماً وصلاةً.

أمي تتابع تحرّكاتي وما أكتبه في “فايسبوك” وتنتظر زيارتي حتى تناقشني وتقول إنني كاتبة رائعة، لكن عليّ تخفيف حدّتي في السياسة.

بيروت زادتني حدّةً وتطرفاً. صرت كائناً يعاني للجلوس في الاعتدال والمنتصف.

أكره العودة إلى الشقة ليلاً، مرعب أن تعود كل مرة إلى مكان لا ينتظرك فيه أحد. أمضي وقتاً كثيراً في المقاهي وعلى الطرقات.

سيارتي مستودع كبير. أحمل حياةً كاملة في هذه السيارة، ثياباً، أحذية، أوراقاً، كتباً، علباً فارغة، أكياساً، بقايا… حتى أنني سمّيتها “بيبو” لأننا أصبحنا صديقتين نترافق إلى كل شيء، أو ربما كانت غير مزيفة وسط زيف يتراكم بلا هوادة؟

قليلون جداً من حملتهم معي حتى الآن بعد عشر سنوات في بيروت. كثيرون تساقطوا على الطريق أو أسقطتُهم عمداً، أو أودت بهم الظروف إلى أمكنة أخرى. المراحل كثيرة والمرحليون أيضاً.

في بيروت، قد تعيش عشر سنوات أو أكثر، وتنتهي كائناً موقتاً، لا يعرف أيهما طريق العودة إلى الديار… طريق بيروت أو طريق الأشجار الهانئة التي تزورها في آخر الأسابيع الطويلة، محمّلاً بغسيلك المتّسخ و”التوبرويرات” الفارغة وقلبك المتعب.

منتحر كل 40 ثانية… ماذا نفعل؟

إقرأ أيضاً