عربٌ وحرّيّات ثقافيّة: أين التناقض؟

جاد شحرور – صحافي لبناني
نوفمبر 14, 2018
من لبنان الى مصر وليبيا ومناطق عربية مختلفة، يروي مجموعة من الناشطين والمثقفين تجاربهم مع الرقابة والمنع..

تلقيتُ دعوة من مركز المورد الثقافي في بيروت، للمشاركة في جلسات حوارية حول “فنون حقوق العدالة”، على أن أقدم تجربة لبنان في هذا المجال على صعيد الانتهاكات الثقافية وطرائق المناصرة لتسليط الضوء على هذه القضايا.

ولبنان ليس وحده في معركة الحريات الثقافية، فقد التقيت أكثر من شخصية عربية تعرضوا للقمع في دولهم، منهم من تم اعتقالهم ومنهم من تم منع عمله من النشر ومنهم من غادر وطنه.

بحكم عملي في رصد الانتهاكات المتعلقة بالحريات عرضت لما يحصل في لبنان على هذا الصعيد حيث تخطى عدد التجاوزات الـ 40 انتهاكاً خلال السنتين الأخيرتين، وهي أعلى نسبة في الـ 10 سنوات الأخيرة. شرحتُ للمشاركين في اللقاء أن هذه الانتهاكات لم تكن موجودة بهذه الكثافة حتى في حقبة الوصاية السورية أي ما قبل عام 2005.

تعذيبٌ مستمرّ وتم زجّي في خزّان حديديّ لا يتجاوز 2 متر مربع

ليبيا… حكم الميليشيات

خلال الجلسات التي امتدت على يومين، قابلت الكاتب الليبي، المكي المستجير، الذي تعرض عام 2016 للاعتقال من قبل ميليشيات مسلحة في ليبيا، بسبب نشره مقالاً عن العلمانية بعدما تمت مناقشته في أحد النوادي الجامعية، “سُجِنتُ أيّاماً، تخلّلها تعذيبٌ مستمرّ وتم زجّي في خزّان حديديّ لا يتجاوز 2م2. كانت التهمة غريبة جدّاً، وهي تغريب الشباب عن دينهم والانضمام لمنظمات علمانية”.

حال خروجي من السجن هربت إلى تونس، واخترتها منفى اختيارياً

اعتقال المكي تم بشكل خارج عن القانون، فالميلشيات خارجة عن سيطرة الدولة.. ويشرح المكي أن ما نجاه من محنته هو دعم المحيطين به، “دعم العائلة والأصدقاء، الذين استخدموا كلّ ما يستطيعون من نفوذ ووسائل ضغط، ورشاوٍ أيضاً؛ كان عاملاً حاسماً ساهم في خروجي ونجاتي بكامل قواي العقليّة”.

تجربة أخرى يرويها المكي، تتعلق بكتاب هو قصّة كتاب (شمسٌ على نوافذ مغلقة)، وهو عبارة عن أنثولوجيا مختارات أدبية لـ 25 كاتباً وكاتبة، من الشباب، وكان المكي أحدهم، “ثار النّاس حول الكِتاب والكتّاب والمُحرّريْن واتهموهم بنشر الانحلال وتشويه صورة المجتمع الليبيّ المحافظ والدعوة إلى الإلحاد. وتمّ نشر أسماء وصور المشاركين، والتنكيل بهم وتشويه صورتهم، والتحريض على اعتقالهم، أمّا الهيئة العامة للثقافة فقد تبرّأت من الكِتاب، وأصدرت قراراً بمصادرته، ومتابعة المشاركين فيه!”.

وأوضح المكي، أن هذه الحملة وجد فيها السلفيّون فرصة للتحذير من العلمانيّة بوصفها “كُفراً”. وقام أحد أكبر رموزهم بنشر فتوى محرّضاً ضدّ الكُتّاب “الفسقة المارقين المجرمين”! وخصت الفتوى المكي، واصفاً إياه، “المكّي المستجير المارق من الدين العلمانيّ الخبيث”… ما أدى إلى اعتقاله في اليوم التالي، من مقهى قرب منزله، واقتياده لأقرب ميليشيات، وتعرّض للضرب المبرح.

وأضاف: “حال خروجي من السجن هربت إلى تونس، واخترتها منفى اختيارياً، لأشهر. حتى خفّ سُعار الحملة التحريضيّة التشويهيّة”.

لم يتراجع المكي عن نشاطاته الثقافية رغم كل ما تعرض له، وهو يسخر من الوضع الحالي في بلده، إنّ وضع حريّة التعبير في ليبيا مُزرٍ جدّاً حدّ الضحك. المهرجانات الفنيّة والحفلات الموسيقيّة تقتحمها الميليشيات وتعتقل من فيها. التظاهرات الثقافية ونوادي الكِتاب تُمنَع بقوّة السلاح؛ بحجّة الاختلاط. الكتب تُصادر وتحرق، والأمرّ من ذلك كله أنّ وزارة الثقافة التي يفترض بها أن ترعى الكُتّاب وتنشر الثقافة، تقوم أيضاً بمُصادرة الكتب، ووصل الأمر بها إلى المطالة بالتحقيق مع بعض الكتّاب!”.

اقرأ أيضاً:  لبنان: “العهد” يُصَعّد حملته على الصحافيين وجديده فداء عيتاني

شباب المغرب يكسب المعركة…

وخلال المناقشات في الجلسة الحوارية، سرد المدير الفني في جمعية “غورارا للفن والثقافة”في المغرب، حسني المخلص قصته مع الرقابة والمنع، “كنت أعمل مديراً فنياً لجولة عرض مسرح الشارع الذي يتحدث عن مشكلات المهاجرين الأفريقيين المنحدرين من جنوب الصحراء، ومنع هذا العرض في مدن عدة، على رغم احترامنا جميع القوانين المنظمة للتظاهرات الفنية في الفضاء العام، أمام هذا المنع المتكرر غير المبرر قانونياً، قمنا بحملة مناصرة واسعة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووزعنا بياناً توضيحياً للصحافة، ثم راسلنا الوزارة المكلفة بالمهاجرين في المغرب، وبعد تدخل الوزارة عبر وثيقة مساندة رسمية، تم السماح لنا مرة أخرى بعرض عملنا في الشارع”.

واعتبر حسني، أن الثقافة القانونية للفنان، ضرورية إذ يمكن أن تحل له الكثير من المشكلات أو على الأقل أن يحمي نفسه من أي انتهاك قد يتعرض له. وأوضح حسني، “السنة الأخيرة تميزت بمحدودية الانتهاكات الثقافية في المغرب، وذلك نتيجة مواجهة الناشطين الثقافيين والفنانين الدولة في حراك الريف، الذي نتجت عنه اعتقالات تعسفية… في ظل هذه الأزمة سعت الدولة للتخفيف من الضغط بعدم المواجهة، لذا فالسنة الأخيرة لم تكن عنواناً واضحاً لخرق الحريات الثقافية، إلا لناحية بعض المناوشات وحالات منع لفناني الشارع في مدينة الدار البيضاء”.

مصر… القمع مستمر

أيمن حلمي ملحن موسيقي مصري، يعتبر أن الوضع في مصر مقلق جداً نظراً لحجم التضييق على مساحات التعبير، فيقول:”أصبحت كلفة ممارسة الفنون أو حرية التعبير عالية جداً. كلفة عالية ليس فقط من ناحية الإنتاج المادي ولكن الثمن الذي عليك أن تدفعه أو تقرر أنك مستعد لأن تدفعه، من حياتك أو سلامتك الشخصية. أيضاً، تزداد القيود والتضييق على الأنشطة الفنية في مصر بهدف منعها تماماً أو إنزال سقفها حتى أرض النظام، وآخرها قانون تنظيم المهرجانات الذي صدر في تموز/ يوليو الماضي، وتقريباً يكاد يمنع المهرجانات”.

عقوبة الغناء من دون عضوية النقابة تتضمن السجن من شهر إلى 3 أشهر

عمد أيمن للقيام بما يصفه بخطوة استباقية للحد من القمع في مصر، “قمت برفع دعوى أمام المحكمة الإدارية ضد قرار الضبطية القضائية الذي منحه وزير العدل في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2015 لنقابة المهن الموسيقية. القرار الذي بموجبه أصبح للنقابة الحق في التفتيش ومداهمة المسارح والقبض على من يغني أو يعزف موسيقى وليس عضواً بالنقابة. وهذا القرار يستند إلى قانون غير دستوري ومحال حالياً للمحكمة الدستورية”. وتابع قائلاً، “قمت برفع الدعوى لإيقاف القرار وبالتالي عدم السماح لهذا الوضع بأن يحدث، ويكون على رقابنا سيف مسلط في كل مرّة نقيم حفلاً أو نغني. عقوبة الغناء من دون عضوية النقابة تتضمن السجن من شهر إلى 3 أشهر، مع دفع غرامة مالية. وبالطبع هذا القانون ضد الحرية النقابية ويتعارض مع المادتين 65 و67 في الدستور المصري، اللتين تتيحان لأي شخص حرية التعبير من دون قيد أو شرط. وفزنا بالحكم لصالحنا، وأبطلت المحكمة القرار في شهر نيسان/ أبريل 2016”.

في نهاية الجلسات الحوارية ومع الاستماع لقصص من دول عربية مختلفة حول هذا الصراع اليومي بشأن توسيع هامش الحريات الثقافية والسياسية وضغط الأنظمة باتجاه تقويضها، شعرنا بأن المسار باتجاه تحقيق هذا المطلب لا يزال طويل وشائك لكنه ضروري. قد يقتصر دورنا في هذه المرحلة على الرصد لكن هذا أمر حيوي في مواجهة الاستبداد وتأريخ المسار نحو الحرية…

اقرأ أيضاً: المخدّرات في لبنان (1): بضاعة الفقراء ومقبرة شبابهم

مقتطفات من دليل غرافيكي للعاملين في المجال الثقافي في المغرب – حسني المخلص

[article_gallery]

 

إقرأ أيضاً

ديانا سمعان – باحثة في شؤون سوريا بمنظمة العفو الدولية
قد لا يُدرك ضابط الأمن اللبناني الذي هدد المتظاهرين بـ “ما لا يمكن تصوره” ببساطة عمق القسوة وانعدام الإنسانية الكامنة في صميم تهديده.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
80 مدرسة في محافظة كرمنشاه الكردية، أبنيتها مساوية للأرض، على أثر الزلزال الذي ضرب المنطقة في العام 2017، أما المدارس التي تستقبل الطلاب، فهي غير آمنة أولاً. ومحرومة من أي نوع من وسائل التدفئة ثانياً.
وائل السواح- كاتب سوري
يتحدّث الكاتب السوري وائل السوّاح في هذه المادّة عن انقسام مواقف اليسار السوري من أحداث مطلع الثمانينات في سوريا، وكيف عدّلت رابطة العمل الشيوعي استراتيجيتها في إسقاط النظام…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
نحن أولاد الأطراف نجيء إلى المدينة لأن مناطقنا فارغة تماماً. نأتي لنعمل أو نتعلّم أو نشعر بشيء من الحياة وأحياناً نأتي إليها لنعتصم ونتظاهر ونطالب بأن نصبح مرئيين.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ثورة الصدر التي يريدها “عراقية لا شرقية ولا غربية” لم تحظ باهتمام المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، بقدر ما تثير مخاوفهم من استغلالها من قبل مليشيات السلطة لزيادة القمع وعمليات القتل والاختطاف
سمر فيصل – صحافية سعودية
يعيش سعوديون كثيرون هاجساً جديداً في السنوات الأخيرة، هو هاجس هواتفهم المحمولة التي ترافقهم أينما حلوا، هاجس أن تكون مخترقة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email