fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

عراقي في القدس

“… لك أن تقول آراء جنونية، ولكن لتكن آراؤك أنت… فذلك خير من ترديد حقيقة لقّنك إياها غيرك. أنت في الحالة الأولى إنسان، أما في الحالة الثانية فأنت ببّغاء لا أكثر”. هذه الكلمات للروائي الروسي دوستويفسكي في ملحمته “الجريمة والعقاب”، وهي التي ساعدتني على حسم تردّدي في الاختيار بين تحريم القرضاوي وحماس وغيرهما، زيارة القدس كون الزيارة تدعم اقتصاد المحتل، وبين نداء الرئيس الفلسطيني أبو مازن الذي وجّهه إلى العرب والمسلمين ودعاهم فيه إلى “زيارة القدس المحتلة دعماً لصمود شعبنا الفلسطيني”.

سأظل أقول بلا تردّد إن قراري بزيارة القدس ليس جنونياً، كما لم يكن اعتباطياً، بل عبّر عن رغبتي كصحافي عراقي في الاطلاع المباشر على ما يحدث على الأرض، فألمس بنفسي حقيقة الأشياء والأوضاع كما أراها أنا شخصياً، وليس كما يرويها أو ينقلها الآخرون، سواء أكانوا أناساً عاديين أم رجال دين أم سياسيين دأبوا على المتاجرة منذ عقود بالقضية، وما زالوا يغرفون من (مصنع الأوهام) ويسوقونها لنا، كترياق يجتاح عقول أجيالنا المتعاقبة.

بالتأكيد هناك من سينهال علي بسيوف التخوين والعمالة، ومن سيتهمني بالتطبيع مع العدو، على رغم أنني لست الشخص الذي سيغيّر مجرى الأحداث، ولكنني تعودت على مثل هذه الاتهامات والشتائم، مذ باركتُ إسقاط نظام السفاح صدام حسين على يد الأميركيين، وما زلت أعتقد، على رغم تصدّر قوى الإسلام السياسي السني والشيعي التي أكملت تدمير ما لم يتمكن الديكتاتور من تدميره، بأن التغيير كان ضرورياً والفشل لاحقاً سببه العراقيون أنفسهم لأنهم أضاعوا فرصة استعادة بلادهم، مفضّلين على ذلك الانسياق إلى الغرائز المذهبية والإثنية. هذا من دون نكران العامل الخارجي الذي نصب لنا الأفخاخ.

أمّة المجانين

لم أرتكب معصية بالسفر إلى القدس والدخول إلى فلسطين المحتلة عبر مطار بن غوريون، فالمعابر كلها تقع تحت سيطرة السلطات الإسرائيلية التي تنظّم عملية الدخول والخروج، ومنها يتنقّل قادة فتح وحماس والجبهات الفلسطينية المتعدّدة ومسؤولو السلطة وضيوفهم من كل أنحاء العالم. ربما سيقول البعض إنني أحاول التعكّز على هذه الإيضاحات لتبرير سفري إلى القدس! لا أبداً، لا أبحث عن تبريرات لأنني واثق من حقي كإنسان وكعراقي تربّى على حب القدس، في أن أزورها قبل أن أموت، ولأنني ومذ تفتّح عقلي وبدأت أفهم الأشياء ارتبطت روحياً وعقلياً، حالي كحال الملايين من العرب والمسلمين، بالقضية الفلسطينية وبمعاناة الشعب الفلسطيني.

أردت الآن أن أستفيد من كوني مواطناً أوروبياً يحق له دخول جميع دول العالم حتى (إسرائيل) من دون تأشيرات مرور، أن اقوم بمغامرة زيارة القدس، وشجعني على ذلك قيام الكثير من أصدقائي العرب والعراقيين حاملي الجنسيات الأوروبية بهذه الرحلة. الفرق بيني وبينهم هو أنهم ليسوا صحافيين أو وجوهاً قد تثير عواصف غوغائية. وفي الواقع، سمعت روايات كثيرة ومتباينة عن احتجاز لساعات طويلة بانتظار انتهاء التحقيق الذي تقوم به سلطات مطار الدولة العبرية، وهو إجراء قد لا ينجو منه أيضاً مواطنون أوروبيون وأميركيون، إذ روى لي أصدقاء بلغار بينهم صحافيون وباحثون وحتى سياسيون أنهم خضعوا لمثل هذه التحقيقات، ولهذا كنت مستعداً لمواجهة مرتقبة لم تحدث، ولا أدري لماذا قرّرت ضابطة الجوازات إنهاء الإجراء في ثلاث دقائق فقط، واكتفت بالسؤال عن الهدف من الزيارة، فأجابت زوجتي بأنه قضاء عيد رأس السنة في القدس.

أردت أن أسأل أحدهم كيف يريد فلسطيني الحرية ويدافع بشراسة عن ديكتاتوريين؟ أردت أن أقول لهؤلاء لماذا تتجاهلون ما فعله بشار بإخوتكم الفلسطينيين في اليرموك؟ 

غير أنه وعند العودة وبعد إنهاء جميع الإجراءات، طلبت مني الضابطة التوجّه نحو جهاز خاص بفحص جوازات السفر. الجهاز امتنع عن قبول جوازي ومنحي بطاقة الخروج ووجدت نفسي محاطاً بثلاثة من عناصر الأمن، وهما رجل وامرأتان، ثم قدمت شرطية اصطحبتني إلى غرفة خاصة وسلمتني إلى أخرى، حضرت خصيصاً لاستجوابي، سألتني إذا كنت أملك جوازاً آخر عراقياً أو غيره، وعن فترة إقامتي في بلغاريا. وبعد دقائق من الانتظار أمام مكتبها خرجت، وأبلغتني بأنني أستطيع التوجه إلى الطائرة.

في زيارة لي مع عائلتي إلى دمشق في فترة الأسد الأب، احتجزني الأمن ساعات للتحقيق وطلب من زوجتي وأطفالي الصغار انتظاري في باحة المطار، وبعد أكثر من ساعتين من الاستجواب أطلقوا سراحي وأبلغوني بضرورة القدوم إلى الفرع 297 للمخابرات لاستحصال الموافقة على الخروج من البلاد! أما في مطار القاهرة فكنت الوحيد من بين كل المسافرين، وكلهم كانوا أجانب، الذي تم استجوابه على رغم وجود تأشيرة مرور، وعندما سألت عن السبب، أجابني الضابط إن “اسمك عربي ومكان مولدك العراق”!

عوالم افتراضية في الطريق إلى القدس

في طريقي مشياً على قدميّ من تل أبيب إلى محطة حافلات النقل العام بين المدن لكي استقل الحافلة التي ستنقلني إلى القدس، شعرت وكأنني أعيش في عالم افتراضي. تناهى إلى سمعي صوت الأذان المنبعث من مكبّر للصوت في المسجد الواقع بالقرب من البحر. وتضاعفت دهشتي عندما شاهدت مجموعة من النساء العربيات المحجّبات يمشين على الكورنيش، تنفّست بعمق والتفت يمنياً ويساراً ونظرت إلى الخلف لأتأكد ما إذا كنت فعلاً في إسرائيل، ولا أخفي أن هواجس ومخاوف كانت تنتابني بين الحين والآخر، بسبب مطبّات ومشكلات لا أتوقعها في الحافلة التي وقفت في طابور من المسافرين، كان بينهم جنود ومجندات يحملون الأسلحة الأوتوماتيكية بينما الحقائب الثقيلة تتدلّى على ظهورهم، وكأنهم يعودون إلى ثكناتهم من إجازات.

كانت اللوحة الإلكترونية في الحافلة تعلن وبلغات ثلاث هي العبرية والعربية والإنجليزية أسماء القرى والبلدات الواقعة على الطريق وهي في غالبيتها كتل استيطانية ضخمة وحديثة، لم تكن غريبة بالنسبة إلي، إذ شاهدتها في الصور التي تنشرها الصحافة العربية وعلى القنوات الفضائية. للحظة واحدة فقط عدت مرة أخرى إلى العالم الافتراضي وربما السوريالي وتخيلت غزة التي تركها شارون وشهدت بعد ذلك حروباً واجتياحات؟ حضرتني غزة بمشهد اكتظاظها ودمارها في مقابل هذه الكتل الاستيطانية الشديدة التنظيم.

محطة الحافلات المركزية في القدس لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في أوروبا من ناحية اكتظاظها بالمسافرين والمخازن والمقاهي والمطاعم التي كان بعضها مغربياً وعربياً، إلا أن أكثر ما لفت انتباهي هو أن إجراءات الأمن والتفتيش لا تختلف كثيراً عن تلك التي تعودنا عليها في بلدان أخرى، فحقائب السفر واليد وحدها تمر عبر جهاز لفحص الحقائب، يشرف عليها عناصر أمن من اليهود الفلاشا من أصول إثيوبية، وهؤلاء في غالبيتهم يقومون بأعمال الخدمات (النظافة) والبناء وآخرون يعملون باعة في الأسواق (السوبر ماركت).

خارج المحطة الحياة عادية، تجولت بنظري في أرجاء المنطقة المحيطة، حيث كان يقف بعض عناصر الشرطة ينظرون ببلاهة إلى حركة الناس. بحثت عن موقف التراموي الذي عرفت من العم (غوغل) أنه يتعين علي أن استقله لكي أصل إلى المدينة، اتخذت مكاني في الطابور أمام جهاز الكتروني لشراء التذكرة، وما هي الا لحظات حتى وصل التراموي الذي كان مكتظًّا باليهود وبينهم الحريديم الذين تتدلّى على آذانهم خصلات من الشعر المقصوع والعرب والفلاشا. اندهشت عندما شاهدت محجّبات يجلسن بجانب الحريديم في المقاعد. وصل التراموي إلى محطته الأخيرة، نزلت وفي رأسي استقرت كلمات عمانوئيل كانط “الحرب سيئة لأنها تخلق من الأشرار أكثر ممّا تزيل!”.

بوّابة سليمان القانوني

بدت لي من بعيد بوابة القدس القديمة وهي محاطة بسور سليمان القانوني السلطان العثماني الذي كان بناه بين عامي 1535 و1542 وكان يتدفّق عبرها مئات السياح تغمرهم رائحة التاريخ وتنسيهم آلام الحاضر. في هذه اللحظة، حاولت ترتيب أفكاري ونظرت في خارطة المدينة باللغة الإنكليزية التي يوزعها المكتب السياحي الذي يستقبلك عند البوابة، ووجدت أنها ترسم قصصاً توارثها اليهود عن الأجداد وتلذّذوا بسماعها منذ طفولتهم عن أرض الميعاد ( إرتس يسرائيل) الأرض التي وعد بها الله وفقاً للرواية التوراتية. لم أستطع أن أكبح رغبتي في مشاكسة موظفة المكتب بسؤالها عما إذا كانت لديهم خريطة للقدس باللغة العربية ما دامت هناك خرائط بلغات متعددة، عندها نظرت إلي مستغربة استفساري، ومع ذلك جاهدت لتكتم غيظها، وأجابتني بلا مبالاة (No) وأشاحت بوجهها عني.

تتضمّن خطة إسرائيل إقامة شبكة معقدة جدّاً من الأنفاق والشوارع والجسور، تبدأ من محيط البلدة القديمة وتنتشر على مساحة واسعة حول القدس، بما يحقق ربطاً تاماً بين البلدة القديمة وما يجاورها من مدن، خصوصاً تل أبيب

لم أعثر في الجزء العربي من القدس القديمة على مكتب سياحي مماثل، ربما لأن الاحتلال لا يسمح به، وتساءلت لم لا يقوم مالكو أصحاب المتاجر والمطاعم العربية التي كانت تزدحم بالزبائن الأجانب بتوزيع خريطة باللغة الإنكليزية تحمل الأسماء العربية للمناطق والشوارع المقدسية تنقض الرواية الإسرائيلية؟ شعرت بصدمة وتملّكتني أوجاع سرت في كل جسدي حينما تحدثت مع بعض مالكي هذه المخازن والمطاعم، الذين ما أن عرفوا بأنني من العراق حتى غيروا مجرى حديثنا عن أوضاعهم في ظل الاحتلال وتعالت بينهم صرخات الإشادة بصدام حسين، الذي وصفوه بالرمز المقدّس حامي الأمة العربية، وخرجت من حناجرهم تأوهات وتشنجات وحنيناً إلى عراق صدام الذي “بعده ضاعت البلاد” وطبعاً البركة في بشار المقاوم وإيران التي ستزيل إسرائيل من الوجود. أردت أن أسأل أحدهم كيف يريد فلسطيني الحرية ويدافع بشراسة عن ديكتاتوريين؟ أردت ان أقول لهؤلاء لماذا تتجاهلون ما فعله بشار بأخوتكم الفلسطينيين في اليرموك؟ لم أفعل واخترت الصمت ومغادرة المكان. شعرت عندها و للمرّة الأولى بأن القدس كئيبة وحزينة.

ذهلت عندما طرحت أمام بعضهم ضرورة المصالحة والحوار المنفتح لحل الخلافات الفلسطينية، إذ وجدت أن حالة من الاستقطاب تهيمن وتبتلع الجميع، نقاشات لا تعثر فيها على أي أثر للمحتل. الفتحاوي يكره الحمساوي، والجدران بين الاثنين سميكة، تتشابك ككتلة حيطان معقدة ومتداخلة في ماضيها وحاضرها، والخشية أن تبقى كذلك في مستقبلها.

من شوارع القدس القديمة

بعد الأسوار بدت لي المدينة باكية ومتجهّمة، زوّارها الذين من أديان متعددة يتسابقون بحثاً عن الله في بيوته المتعددة، تسود وجوههم ملامح الاغتراب المتبادل. حاولت التحدث مع بعضهم ولكنني لم أتمكّن. وجدت نفسي وقد قبلت بالهزيمة حتى قبل أن تبدأ المعركة، وسقطت في عتمة الإحساس بالوحدة وسط آلاف المتضرّعين أمام الأيقونات والرسوم في الكنائس، ووسط عشرات اليهود الحريديم أمام حائط المبكي. لم أقاوم رغبة عارمة في اجتياح مبنى جنب الحائط، أبوابه مفتوحة يدخل ويخرج منه أصحاب الضفائر والقبعات الواسعة، تجرّأت على رغم يقيني من عدم قدرتي على العراك في حال اكتشفوا هويتي العربية. تجوّلت عيناي في المكان الذي احتوى مقاعد مدرسية ورفوفاً تراكمت عليها نسخ التوراة والكتب الدينية، تناولت الهاتف وبدأت أصور مستغلاً انهماك الجميع في طقوس الصلاة.

انسللت بخفة وخرجت وعند الباب قابلني أحدهم بقبعته الواسعة، وبادرني متحدثاً بالعبرية، وعندما لم أرد، كلمني بالعربية وسألني إذا كنت يهودياً. هززت رأسي نافياً، قال مسلم؟ أجبته بالانكليزية بأنني من بلغاريا، عندها قال: لا أنت عربي، وأضاف: أنا مغربي واسمي ابراهيم ثم صحح قائلاً: ابراهام. تجاذبنا الحديث لدقائق وقبل أن يدخل المدرسة قال لي: “لا نريد غير السلام”. رمقته بنظرة تفهّم وعدت أدراجي إلى ساحة البراق (حائط المبكى) التي كانت تعج بالجنود والمصلين. الحائط تم تقسيمه إلى قسمين، بحيث يصلي الرجال في أحدهما والاخر للنساء في تحد منهن للحريديم بعد أن كسبن دعوة ضدهم في المحكمة. الحريديم يعتبرون صلاة النساء استفزازاً وتكفيراً، وأحياناً كثيرة يلقون الحجارة على المصلّيات.

القدس السفلى وأسطورة هيكل سليمان

الحفريات التي كانت بدأتها إسرائيل قبل نحو 20 سنة تحت المسجد الاقصى وفي بلدة سلوان، جنوب المسجد أنتجت الآن مدينة أخرى هي القدس السفلى التي تحوّلت إلى أحد المعالم السياحية التي تستند إليها الدعاية الإسرائيلية حول يهودية القدس. قبل أشهر لجأت إلى العم (غوغل) ليدلني على الطريق الذي يفتح أمامي زيارة القدس السفلى، اشتريت التذكرة ودخلت إلى الموقع بعد المرور بالإجراءات الأمنية، ووجدت نفسي مع مجموعة من السياح نسير في نفق ضخم في باطن الأرض أسفل المسجد الأقصى، ويمتد حتى منطقة عين سلوان الأثرية، بطول يزيد عن 600 متر وبعمق ثلاث طبقات، ويتفرّع باتجاهات مختلفة في باطن الأرض، حيث تظهر أرضيات قديمة وبعض الآثار الرومانية. أبلغنا الدليل السياحي الذي كان يضع القلنسوة على رأسه بأن “هذه الحفريات والموجودات الأثرية هي عمل تأريخي غير مسبوق”، وأضاف: “الفلسطنيون يرفضون وينكرون وجود هيكل سليمان، ولكن ما ترونه ليس حالة افتراضية، بل أمر واقعي”. وهذه الأنفاق بدأ حفرها منذ عام 1967، وأشهرها (النفق اليبوسي)- نفق حائط البراق الذي افتتحته سلطات الاحتلال عام 1996، وتسبّب في اندلاع ما عرف في حينه انتفاضة النفق، التي قتل خلالها 88 فلسطينياً. يمتد هذا النفق على طول الجدار الغربي للمسجد الاقصى بطول 488 متراً، ويطلق عليه الاحتلال نفق (هحشمونئيم) الذي بات واحداً من الأنفاق السياحية التي ينتقل خلالها السياح إلى البلدة القديمة قرب باب الغوانمة، أحد أبواب المسجد الأقصى وأسفل المدرسة العمرية الشهيرة.

مجموعة من رجال الحريديم اليهود

وتتضمّن خطة إسرائيل إقامة شبكة متطوّرة ومعقدة جدّاً من الأنفاق والشوارع والجسور، تبدأ من محيط البلدة القديمة وتنتشر على مساحة واسعة حول القدس، بما يحقق ربطاً تاماً بين البلدة القديمة، النواة الرئيسية للقدس وما يجاورها من مدن، خصوصاً تل أبيب. ولترويج الرواية اليهوديّة الخاصة بهيكل سليمان بين السياح الأجانب تدير جمعية (العاد) الاستيطانية المتطرّفة شبكة من المرشدين السياحيين اليهود، وكان مرشدنا أحدهم ويتحدث الإنكليزية بطلاقة، هو الذي قادنا لرؤية الكنيست اليهودي الذي تم إنشاؤه تحت الأرض قرب الحائط. ومن ثم قادنا عبر نفق طويل وضيق جداً ينتهي ببوابة تنفتح على الجزء العربي من البلدة القديمة وحذّرنا من مخاطر، في حال لم نرافقه لأن الفلسطينيين يهاجمون السياح وادّعى أن معه حماية أمنية لم أرها، لاحظت أن لا أحد منهم أخذ كلامه على محمل الجد وتركوه وحيداً، وراحوا يصورون الأزقة القديمة ويبتاعون من مخازن التحف العربية. في الواقع هذه الحفريات الأركيولوجية تكشف عن جزء من الحائط الغربي (حائط البراق) تحت الأرض، وهذا الجزء يعتبر الأول الذي يتم الكشف عنه منذ 1970.

المسجد الاقصى أمامي وفي داخله حكايات ملموسة تصيغ قصة فلسطين والقدس، ومع ذلك فإنه وكما كتب فرويد في رسالة بعثها إلى صديقه اينشتاين ” إن الحرب هي أفضل بيئة لصنع العدو، وهي التربة الخصبة لتحويل البشر العاديين والأسوياء إلى أعداء وأشرار وأوغاد على نحو يكون من الصعب جداً تجنبه والفرار منه”. في النهاية، الحصيلة كانت مجموعة أسئلة نبتت في رأسي كشوك في حقل واسع تخيّلت فيه نفسي دودة تقاتل نسراً في بحثي عن الحقيقة التي لا تدحض.

إقرأ أيضاً:
“عصابات” لبنانية في ألمانيا
فنون الشرّ الذكوريّ: كيف نعذّب النساء؟

إقرأ أيضاً