fbpx

هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

حلا نصرالله - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

عاملات مهاجرات ونظام كفالة؟ إذاً ممنوع من النشر!

“أنا فخور بنقل قضايا العمّال المهاجرين والتحدث عمّا يتعرضون له، ولو كان الخيار لي، لما أزلتُ تحقيقي الصحافي عن ليليسا لينسا”، يقول الصحافي اللبناني تيمور أزهري لـ”درج” تعليقاً على مسار مقاضاته حالياً أمام محكمة المطبوعات في بعبدا.

في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أزالت صحيفة “دايلي ستار” اللبنانية بأمر قضائي، مقالاً صحافياً كان قد كتبه مراسلها تيمور أزهري تناول فيه قضية العاملة المهاجرة الإثيوبية ليليسا لينسا، التي انتشر لها في شهر آذار/ مارس من عام 2018 فيديو من داخل المستشفى تقول فيه إنها حاولت الانتحار بعد معاناتها لسنوات من سوء معاملة من قبل ألكسي وكريستال خليل، اللّذين تعمل في منزلهما.

بدأت قصة الصحافي تيمور أزهري مع محكمة المطبوعات، على ضوء مواكبته قضية العاملة الإثيوبية العشرينية، في مقالٍ لم يعد موجوداً على الصفحة الإلكترونية للصحيفة، ولكنه متوفر على أكثر من مدوّنة لمواقع رسمية لجمعيات حقوقية دولية تابعت القضية.

تناول تيمور في مقاله، فيديو العاملة الذي نشر على صفحة “This is Lebanon” على “فيسبوك”، وعن اختلاف شهادة عائلتها الإثيوبية حول أسباب دخولها المستشفى، مقابل ما صرّح به مستقدموها بعد سقوطها عن الشرفة.

من صفحة This is Lebanon على فايسبوك

بعد خروج لينسا من المستشفى، وعودتها إلى منزل آل خليل، ظهر فيديو جديد للعاملة الإثيوبية، تقول فيه إنها لم تتعرّض لسوء المعاملة وإنها تحب العائلة التي تعمل لديها.

ما كتبه تيمور، اعتبره القاضي في محكمة المطبوعات رامي عبدالله في 27 تشرين الثاني الماضي “تشهيراً” بحق ألكسي وكريستال بناء على شكوى تقدّم بها الطرفان ضد كل صحافي كتب عن القضية، واتّهمهما بسوء المعاملة، وضد الناشطين الذين شاركوا الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي.

المسار القضائي الحالي في محكمة المطبوعات في بعبدا، يستند إلى حجة أن الصحافي استبق نتائج التحقيق ولم ينتظر صدور التقرير النهائي للأمن العام اللبناني والنيابة العامة اللذين بدورهما أكّدا أن سقوط لينسا

من الشرفة ليس بدافع الانتحار، وأن العاملة لم تتعرّض لسوء معاملة.

وكان تيمور خضع في تموز/ يوليو الماضي إلى تحقيق استمر 8 ساعات من قبل مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية التابع لقوى الأمن الداخلي. تناول تيمور في المنشور ذاته، تعقّب المحققين في مكتب الجرائم المعلوماتية رسائله الخاصة، ويضيف لـ”درج” “أول سؤال وُجّه إلي في التحقيق: ما قصتك مع هذه العائلة؟ وهل هنالك جهة دفعت لك مبلغاً مالياً للتصويب عليها؟.”

يكشف تيمور في منشوره ما وصلت إليه حال الحريات الصحافية في لبنان والضغط الذي يتعرّض له الصحافيون اللبنانيون في حال تناولت تحقيقاتهم ملف العمال المهاجرين، فيقول: “جزء من وظيفتي الصحافية، أن أمنح صوتاً للذين لا صوت لهم. في لبنان، لا صوت لعاملات المنازل المهاجرات، كان من الممكن تجاهل مسؤوليتي، ولكنني قمت بعملي. تم استجوابي من قبل مكتب جرائم الإنترنت لأنني قمت بعملي. أنا أحاكم حالياً بتهمة التشهير لأنني قمت بعملي. ولكني سأستمر في القيام بعملي.”

حالياً ينتظر الصحافي صدور الحكم النهائي في شهر شباط/ فبراير 2019، ومتوقع أن يجرم القضاء تيمور ويجزيه بغرامة مالية بآلاف الدولارات.

وتقول المحامية في “المفكرة القانونية” غيدة فرنجية التي تولّت الدفاع عن تيمور لـ”درج”: “إن المدعين على تيمور يتذرعون بنتائج التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة والتي خلصت إلى أن لينسا سقطت عن الشرفة، أي أنها لم تقفز بدافع الهرب من سوء المعاملة، ونحن لدينا علامات استفهام كثيرة حول آلية حصول التحقيقات”.

منع الكتابة عن لينسا

في شهر حزيران/يونيو الماضي أرسل مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، كتاباً إلى المفكرة القانونية لإزالة مقالة بعنوان “نظاما الكفالة والعدالة في مرآة لينسا: هل يكفل نظام الكفالة للإفلات من العقاب؟”، كانت كتبتها الصحافية إلهام برجس. رفضت المفكرة إزالتها والخضوع إلى أحكام قضائية تتعارض مع حرية الرأي والتعبير التي يضمنها الدستور اللبناني، فنشرت مقالاً جديداً بعنوان “قضية لينسا، لا مكان لغير الرواية الرسمية: حين تصبح النيابة العامة كاتماً للصوت”.

يتناول المقال محاولة النيابة العامة فرض رواية الدولة على الوسائل الإعلامية ومنع أي مسعى صحافي إلى التشكيك. ويشير إلى أن النيابة استندت إلى تراجع لينسا عن روايتها التي أخبرتها في الفيديو الأول ونشر فيديو ثانياً لها، يظهرها مادحة العائلة التي تعيش بينها، بمثابة دليل كافٍ أن ما قالته لينسا كذبٌ وافتراء.

وتزامن البلاغ الذي أرسله مكتب الجرائم المعلوماتية إلى “المفكرة” مع استدعاء الصحافية في صحيفة “لوريان لوجور” آن ماري الحاج، للتحقيق معها حول ما كتبته عن لينسا، كما طلب المكتب من صفحة “This is lebanon” حذف الفيديو الذي نشرته للينسا وهي في المستشفى.

انتهاك حقوق العمّال المهاجرين

في السنوات العشر الماضية باتت الحركات الحقوقية التي تطالب بحماية العمّال المهاجرين أكثر تنظيماً وتأثيراً في الرأي العام، ومواكبةً للتحركات المطلبية. وساهم في تسليط الضوء على هذه القضية مجموعة من الصحافيين الذين أخذوا على عاتقهم متابعة قضايا العمّال المهاجرين بصفتهم الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمع لما يتعرّضون له من سوء معاملة، ونتيجة الصعوبات القانونية التي يواجهونها أمام القضاء اللبناني.

وتزايدت التظاهرات التي ينفّذها حقوقيون في المجتمع المدني للمطالبة بإلغاء نظام الكفالة المتوائم بفصوله كافة مع نظام العبودية، وكان لافتاً حجم المشاركة الشعبية في تظاهرتين شهدتهما بيروت عام 2018 لدعم العمّال الأجانب، الأولى بمناسبة “عيد العمال” والثانية بمناسبة “اليوم العالمي لعاملات المنازل”.

تبرز الضغوطات التي يفرضها القضاء اللبناني على عمل الصحافيين من ملاحقتهم بتهمة التشهير من جهة وتراجع الحريات الصحافية من جهة أخرى

ودائماً ما تدعو منظمات دولية إلى إسقاط نظام الكفالة الذي يسمح من خلاله لرب المنزل أو العمل بأن يستحوذ على جواز سفر العاملة الأجنبية وتقييد حركتها وفرض شروط عمل قاسية جداً عليها.

وكان ملف الكفالة وسوء المعاملة التي يلقاها العاملون، مطروحين عام 2017 تحت قبة الأمم المتحدة التي دعت المشرّعين في لبنان إلى تطوير القوانين بما يتحدّى نظام الكفالة ويحفظ حقوق العمّال المهاجرين من دولهم الفقيرة للعمل في المنازل والمحال التجارية اللبنانية.

في تموز الماضي شهد لبنان اعتداءً عنيفاً على العاملة الكينية كاميلا نابوايو، التي تعرّضت للضرب على أيدي مجموعة من اللبنانيين في الشارع، وحينها تم توقيفها هي على خلفية عدم تجديدها إقامتها على الأراضي اللبنانية. حاول حقوقيون منع الترحيل وحشد حملات مناصرة لها إلا أن مسعاهم واجه فشلاً نتيجة إصرار الأمن العام على قراره بالترحيل.

حالياً يعيش في لبنان أكثر من 300 ألف عامل/ة مهاجر/ة من كينيا، وبنغلادش، وإثيوبيا وسيريلنكا، والصومال، والفيليبين، والسودان، وقد لا يمر شهر في لبنان من دون بروز قصة مأساوية عن حياة هؤلاء العمّال والتي تنتهي في أحيان كثيرة بانتحارهم وموتهم ..

في ظل هذا الوضع، تبرز الضغوطات التي يفرضها القضاء اللبناني على عمل الصحافيين، من ملاحقتهم بتهمة التشهير من جهة وتراجع الحريات الصحافية من جهة أخرى. هذه وقائع سلّط الضوء عليها تقرير صدر حديثاً لـ”هيومن رايتس وتش”، عنوانه “حان الوقت ليصلح لبنان قوانين التشهير التعسفية”، وأشار التقرير الذي كتبته مديرة قسم بيروت في “هيومن رايتس وتش” لمى فقيه عن سوء استخدام لبنان لقوانين التشهير والقدح.

ويشرح المحامي حسن بزي أن دعاوى التشهير تحصل عبر المادة 489 من أصول الأحكام المدنية، وتمنح هذه المادة القاضي صلاحية اتخاذ إجراءات احترازية في حال توجّه شخص للادعاء على شخص آخر بتهمة التشهير به. في هذه الحال فإن القاضي يصدر قراراً بمنع نشر شيء معين بحق شخص آخر، وهذا القرار قابل للاعتراض، فينظر به القاضي مجدداً. وفي حال رأى الأخير أن القرار فيه تشهير، يحكم نهائياً بعدم نشر أي شيء عن الشخص المُدّعي.

إقرأ أيضاً:

“لستُ خروفاً ولا مكنسة”: الشعر المتجعد وصراع تاريخي حول الجمال

إقرأ أيضاً