fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد رابعة - صحافي سوري

مقالات الكاتب

عاصفة تهاجم دمشق .. قد تحرمها الماء وتؤجل عودة النازحين

في نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر، شرع أبو محمود وأولاده يلملمون ما تبقّى من أثاث جاف لهم. حاولت أم محمود أن تعثر على ما تبقى من مؤن غذائية. سيول الليلة السابقة التي ضربت وادي بردى في ريف دمشق الغربي أدّت إلى خسائر لا طاقة للعائلة على تحمّلها. الوسائد والبطانيات والغسالة والفرن وأجهزة كهربائية وأدوات منزلية أخرى طفَت على ارتفاع أكثر من متر ونصف من الماء والوحل. لا ماء للشرب ولا كهرباء. بئر الماء التي تغطي نصف حاجة سكان القرية في الوادي قد تضررت.

حال عائلة أبي محمود ليست أفضل من حال 125 أسرة أخرى في قرى الوادي ممن هجّرتهم السيول. إذ لا يزال المنزل الذي تستأجره العائلة الفقيرة قائماً على رغم الخسائر، بينما تضرر 160 منزلاً في الوادي؛ منها 8 منهارة كلياً. إلا أن مصيبة عائلة أبي محمود هي أنها خسرت كل شيء حين هجرتها المعارك بين الجيش الحكومي وفصائل المعارضة المسلحة من قرية عين الفيجة أواخر عام 2016. ولا يبدو في الأفق أن هناك عودة قريبة إلى القرى المدمرة.

«نحن المهجّرون مرّتين، لحافنا السماء وفراشنا الأرض، وليس لنا إلا الله،» صاح أبو محمود، 63 سنة، بينما تغوص ساقاه في الوحل وهو يحاول أن ينظف المطبخ برفش قديم.

وعود فارغة

وتعرضت مدينة دمشق وريفها في 20 تشرين الأول لسيول، بلغت غزارتها 42 مللمتراً في الساعة. وأودت السيول في وادي بردى بحياة شاب وطفلتين. وأخلت شخصيات رسمية مسؤوليتها عن مقتل الضحايا. وبحسب صحيفة «تشرين» الحكومية، فإن معظم البيوت التي تضررت غير مرخّصة ومبنية في مجرى السيول أو في حرمها، والتي تعد من الأملاك العامة للدولة. وخلص نبيل الحسن، وزير الموارد المائية، إلى أنه لم يكن هناك تقصير من الجانب الحكومي بجميع مستوياته، واعداً بأن المقصّر «سيحاسب أمام القضاء أياً كان» من دون أن يشير إلى المسؤول عن السماح بالبناء في الأملاك العامة.

وتُركت القرى المنكوبة في وادي بردى أيام السبت والأحد (20- 21 تشرين الأول 2018)، لمواجهة السيل من دون أي مؤازرة من السلطات المركزية الحكومية. وزار مسؤولون حكوميون القرى المنكوبة لاحقاً وقدموا العزاء لأهالي الضحايا من دون أن يحملوا أحداً مسؤولية المأساة.

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، أشار علاء إبراهيم، محافظ ريف دمشق، إلى أن العمل جار على تنفيذ مخطط تنظيمي جديد لبلدة عين الفيجة بما يضمن الحفاظ على حرم النبع والأقنية الناقلة للمياه. وتعهد أن العودة ستتزامن مع إزالة الأنقاض وتأهيل البنى التحتية في شباط/ فبراير 2018. وأوضح إبراهيم أن المحافظة لن تظلم أحداً فمن سيهدم منزله لأنه واقع في حرم النبع، سيعوض بمنزل في منطقة قريبة، مؤكداً أن كل الحقوق محفوظة. وعاد المحافظ ليتعهد في آذار/ مارس الماضي بعودة الأهالي إلى قراهم خلال الصيف الماضي إلا أن ذلك لم يحدث.

وعلّق أبو محمود غاضباً بالقول إن المحاسبة يجب أن تطاول «من دمّر بيوت قريتي عين الفيجة وبَسِّيمة وجرفنا من أراضينا». وتابع بقوله أن المسؤولين الحكوميين «ما زالوا يبيعوننا وعوداً فارغة بالعودة، وهمّهم النبع فقط، أما الناس فلتذهب إلى الجحيم!».

والفيجة وبَسِّيمة المتجاورتان مقصدان سياحيان. وبلغ عدد سكان ناحية عين الفيجة 19584 عام 2004. فيما بلغ عدد سكان بَسِّيمة في العام ذاته 2812 نسمة وهي تتبع لناحية قدسيا. ويقع وادي بردى شمال غربي دمشق وتتوزع قراه وبلداته على ضفتي نهر بردى ومنها بلدة عين الفيجة، حيث يقع نبع الفيجة، على بعد 18 كيلومتراً شمال غربي دمشق. ويقع نبع بردى في سهل الزبداني، 40 كيلومتراً شمال غرب دمشق، وينبع منه نهر بردى الذي يجري في الوادي ويدخل دمشق ويصب شرقها في غوطتها بعد أن يقطع نحو 84 كيلومتراً.

تحذير وإهمال وهدر

وكانت وزارة الإدارة المحلية قد أوصت المحافظات والوحدات الإدارية منذ أشهر بأخذ الاحتياطات لمثل تلك الظروف الجوية، لا سيما أن ثلاثة أشخاص على الأقل أصيبوا بجروح في أواخر نيسان، نتيجة سيول في دمشق وريفها.

ويبدو أن الجهات الحكومية في وادي بردى، خصوصاً في عين الفيجة، لم تأخذ بالتوصيات. وقال الوزير الحسن إن العاصفة أدت إلى أضرار «غير مسبوقة» في ينابيع عين الفيجة و بردى وحاروش، مؤكّداً أن العاصفة «دمّرت كل محطاتنا في عين الفيجة». وأوضح أن مياه عين الفيجة «جفت لأول مرة منذ عام 1969»، وأنه لولا 118 بئراً حفرتها الوزارة في دمشق وريفها، «لكننا قد تعرضنا لأزمة مياه كبيرة». وأضاف الوزير أن الظروف كانت غير مسبوقة منذ عام 1961، لكنها «ربما لن تتكرر في عشر سنوات أخرى على الأقل».

وتزوّد منظومة مياه عين الفيجة، إضافة إلى نبع بردى، مدينة دمشقَ بنحو 80 في المئة من حاجتها من مياه الشرب، حيث تشكّل طاقة نبع الفيجة لوحدها 65 في المئة من تغذية العاصمة.

وقالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في شأن سوريا في 14 آذار 2017 إن القوات الجوية السورية قصفت عن عمدٍ مصادر المياه في عين الفيجة بضربتين جويتين على الأقل في كانون الأول 2016. واعتبرت اللجنة ذلك جريمة حرب أدّت إلى قطع المياه عن 5.5 ملايين شخص في العاصمة ومحيطها. وكشف تقرير لمحافظة ريف دمشق أن قيمة الأضرار التي لحقت بمنظومة عين الفيجة نتيجة معارك وادي بردى بلغت 6 مليارات ليرة سورية (12765957 دولار أميركي- «الدولار الأميركي حينها بنحو 470 ليرة سورية»).

وتشير أرقام رسمية إلى ازدياد كلفة إعادة تأهيل نبع الفيجة التي بلغت نحو 3 مليارات ليرة سورية (6880733 دولار أميركي — «الدولار الأميركي بـ436 ليرة سورية») حتى  كانون الثاني الماضي.  وأشار الوزير الحسن حينها إلى أن تكلفة إعادة تأهيل النبع «قد تصل إلى حدود 5.5 مليار ليرة سورية (12614678 دولار أميركي)». وكان الحسن قد وعد في 29 كانون الثاني الماضي أن «حرم نبع الفيجة وتجهيزاته ستكون بحلة متطورة وحديثة قبل نهاية هذا العام».

وتساءل سكان محليون عن «رغبة» الحكومة في محاسبة المسؤولين عن الهدر ومضاعفة تكاليف إعادة تأهيل النبع وتأخير عودتهم إلى قراهم. وبادّعاءات الوزير تلك، يعتقد الأهالي أن كلفة إعادة تأهيل النبع ستتضاعف، ولن يعودوا إلى قراهم في المدى المنظور.

وطالب الأهالي المسؤولين الحكوميين بوضع كشوف مالية لحساباتهم المصرفية وممتلكاتهم وتعاملاتهم المالية قبل تسلمهم مناصبهم أمام الرأي العام وبعد ذلك أيضاً.

انتخابات ودفاتر قديمة

وتفاقمت الآثار السلبية للسياسات الحكومية في الوادي فزادته جفافاً وفقراً. وتأثر الوادي سلباً بالاستملاك الحكومي للأراضي في السبعينات والثمانينات. وانخفض الإنتاج الزراعي وزادت البطالة ولجأ الفلاحون إلى وظائف القطاع العام والتهريب. وزاد الأمور سوءاً مشروع «نقل بردى» إلى دمشق منتصف التسعينات نتيجة التزايد السكاني للعاصمة كما تلاحقت موجات الجفاف. وحُرِمَت 8 قرى يسكنها 60 ألف نسمة، من مصدر مياه الشرب والري كما مُنِع حفر الآبار في الوادي بعد عام 1989.

ويوضح سكان محليون أن المشكلة الأساسية هي أن مسؤولي المنطقة الرسميين لا يمثلون الأهالي وهم «معيّنون» من قبل حزب البعث الحاكم.

وشهدت انتخابات الإدارة المحلية أخيراً في قرى وادي بردى منافسات اتسمت بالفساد بحسب بعثيين مطلعين. وقد «دفع معظمهم ملايين الليرات لمسؤولين متنفذين» في الدولة ليضمنوا نجاحهم في الانتخابات.

وقد وجّه منير أبو كحلا، أمين شعبة قدسيا لحزب البعث الحاكم، «أمراً شفهياً» في 14 تشرين الأول للمجالس البلدية التابعة لشعبة قدسيا بـ«انتخاب أسماء محددة لرئاسة البلديات». وقال أبو كحلا، وفقاً لبعثيين، إن «من يرفض الأوامر، يُعتبر متمرداً على الحزب».

 

يوضح سكان محليون أن المشكلة الأساسية هي أن مسؤولي المنطقة الرسميين لا يمثلون الأهالي وهم «معيّنون» من قبل حزب البعث الحاكم.

 

وأجريت انتخابات الإدارة المحلية في سوريا في 16 أيلول / سبتمبر، للمرة الأولى منذ كانون الأول 2011. وكان من المفترض أن تجرى مطلع عام 2016، بحسب قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، بعد انتهاء ولاية المجالس المحلية في أنحاء البلاد. وقررت الحكومة حينها تمديد فترة عمل المجالس المحلية، بسبب تعذر إجراء انتخابات.

وقال مقاتل سابق في «جيش الإسلام» المعارض، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن مسلحين من المعارضة قبضوا مبالغ مالية من رؤساء بلديات ليمنعوا ناخبي الوادي من المشاركة في انتخابات الإدارة المحلية في كانون الأول 2011 ليحافظوا على مناصبهم. وأكد من قابلناهم من الأهالي أنهم لم يُدلوا بأصواتهم في معظم قرى الوادي في ذلك الحين.

وخضعت معظم قرى منطقة وادي بردى لسيطرة فصائل معارضة مسلحة؛ وحصار الجيش الحكومي منذ مطلع عام 2012. وفي شباط 2016، قام تحالف «جبهة النصرة»- «هيئة تحرير الشام» حالياً- و«أحرار الشام» و«الجيش السوري الحر» بطرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الوادي. واعتقل التحالف عناصر من “داعش”، فيما انضم بعضهم لاحقاً إلى الجيش الحكومي. وبعد معركة استمرت 38 يوماً، سيطر الجيش الحكومي في 29 كانون الثاني 2017 على المنطقة بموجب اتفاق قضى بإخراج مقاتلي المعارضة مع عائلاتهم إلى إدلب.

وبينما يتابع أبو محمود وأولاده تنظيف ما خلّفه السيل، يحلم الرجل بمنزله في عين الفيجة. ويؤكد أن قضية عودة المهجّرين إلى قراهم ضرورة ملحّة. وقال إنه مستعد ليعود إلى الفيجة ويجلس على ركام منزله. «تعبنا من حياة التشرد. صندوق المساعدات الذي يقدمونه لا يكفي،» ختم أبو محمود لاهثاً.

 

إقرأ أيضاً