fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

مقالات الكاتب

عاصفة تركية محتملة تثير هلع الإيزيديين في سنجار العراقية

لم يمر أيام على إعلان الرئيس التركي أردوغان، عزم بلاده شن عملية عسكرية في بلدة سنجار الواقعة في شمال العراق بمحاذاة الحدود السورية ضد مقاتلي “حزب العمال الكردستاني”، حتى توالت صيحات التحذير وتصريحات من معنيين بشأن حدوث هجرة جماعية في مناطق الإيزيديين خوفاً من تكرار مآسي 2014 حينما استباحها “داعش” وسبا الآلآف من نسائها ووهبهن لأمرائه ومقاتليه كغنائم بمساندة عناصر من العشائر المحيطة بالمدينة.
هذه المدينة النائية التي تسببت بخروج الإيزيديين المحتمين بجبل سنجار منذ مئات السنين إلى الأضواء من بوابة الإبادة الجماعية والمأساة، تختصر واقع معاناة أبناء هذه الطائفة الذين ما زالوا يعانون من صدمة وهول ما فعل بهم “داعش” من جهة، ومن تداعيات النزوح والتشرد وتعقيدات الاختلافات السياسية والمرجعية من جهة أخرى.
جذور الصراع على سنجار وتحولها إلى هدف ثمين لتركيا الأردوغانية تعود إلى الـ 3 من أغسطس/ آب لعام 2014، ففي هذا اليوم انسحبت “قوات البشمركة” الكردية والأجهزة الأمنية التابعة لـ”حزب الديمقراطي الكُردستاني” أمام زحف مقاتلي “داعش” باتجاه المدينة، وفور وصول عناصر التنظيم إلى سنجار وضواحيها ارتكبوا جرائم إبادة جماعية بحق الإيزيديين، ما فتح المجال لدخول وحدات مقاتلة تابعة لحزب العمال PKK إلى أطراف المدينة وفتحوا ممرات آمنة للفارّين والناجين من بطش “داعش” باتجاه الجبل الذي تحول لمأوى للإيزيدية كالعادة وإلى الأراضي السورية “روج افا” التي كانت تقع تحت سلطة و”حدات حماية الشعب الكردية”، وأثار هذا التمدد لخصم أنقرة اللدود حفيظة السلطات التركية التي تعتبر PKK وأجنحتها والمقربين منها إرهابيين وتصر على استهدافهم بلا هوادة.
“قوات البيشمركة الكردية”، التي تركت سنجار عادت اليها تحت غطاء جوي من التحالف الدولي وبمشاركة فصائل إيزيدية مسلحة موالية لـ PKK في معركة استعادة المدينة في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2015، لكن خلافاً سريعاً طفا على السطح بين المحررين على تقاسم السلطة والنفوذ في هذه المدينة المتنازعة عليها أساساً بي وأربيل وبغداد، حيث سيطر الموالون لـ PKK على دوائر رسمية وأبنية عامة، فيما أصر حزب بارزاني على انسحابهم من البلدة، لانتفاء الحاجة إلى دورهم بعد التحرير، لكن القوات العراقية والحشد الشعبي دخلا على خط الصراع حينما أبعدا سلطة وقوات حزب بارزاني من المدينة بعد الـ 16 من أكتوبر 2017 إثر تداعيات الاستفتاء الذي تسبب بإضعاف الموقف حكومة الإقليم وفقدان عدد من المكتسبات التي حصلت عليها بعد 2003 بينها إدارة سنجار.
المدينة تخضع في الوقت الحالي لسلطة القوات العراقية أمنياً، لكن حزبا بارزاني وأوجلان يتقاسمان النفوذ بين نسبة كبيرة من أهلها، فرغم رفد السنجاريين حزب بارزاني بعدد كبير من الأصوات في كل الانتخابات التي جرت بعد 2003 عبر الآف من المؤيدين والمعينين من قبل الإدارة السابقة التي كانت تخضع للحزب سياسياً، يدين الكثير من إيزيدييها بالإمتنان والولاء لغريم حزب بارزاني المتثمل بموالي ومسلحي حزب اوجلان نظراً لدورهم في انقاذ الالاف من الايزيديين ودفاعهم عما تبقى من اطراف المدينة اثناء زحف “داعش” إليها، وبجانب الخصمين الكرديين انضم عدد من أبناء المدينة إلى الوحدات المقاتلة التابعة للحشد الشعبي العراقي الموالين للحكومة المركزية، فيما ظهر طرف إيزيدي ثالث يتمثل بقوات إيزيدخان التي يقودها قيادي إيزيدي كردي محلي يُدعى ”حيدر ششو“.
وبعد تهديدات أردوغان وامهال الحكومة المحلية في نينوى مقاتلي الـ PKK عشرة أيام للخروج من سنجار، أعلن حزب العمال بمختلف مسمياته الإنسحاب منها في محاولة من الحزب لقطع الطريق أمام تكرار ما حدث لعفرين السورية، ومن أجل الحيلولة دون توغل تركي قد يمنع خطوط تواصل الحزب بين معقله في جبال قنديل العراقية ومناطق سيطرة اجنحته في سوريا، لكن أردوغان عاد وكرر تهديداته بشن العملية بعد مرور يومين على إعلان الانسحاب ما فتح الباب أمام تفسيرات وتكهنات للإلحاح التركي على العملية تمحورت حول النوايا التوسعية لتركيا المنبثقة من الإرث العثماني، وبين رغبة أنقرة الملحة على إيجاد تماس بري مع مدينة تلعفر ذات الاغلبية التركمانية شمال غرب الموصل، إضافة إلى نوايا أنقرة لتأمين معبر حدودي ثانٍ تعتزم فتحها مع العراق لإيجاد بديل عن معبر ”ابراهيم الخليل“ التابعة لدهوك ولسلطة اقليم كردستان في أقصى الشمال.
ورغم استقتال نحو 60 مرشحاً إيزيديا من ثلاثة أحزاب مختلفة للحصول على مقعد كوتا المخصص للمكون في الانتخابات العراقية المرتقبة في مايو/ أيار المقبل، إلا أن ناشطين إيزيديين ونواب وسياسيين من أبناء الطائفة يتأهبون منذ أيام لما يعتبرونه “عاصفة تركية محتملة” ضد سنجار تجنباً لوقوع الفأس في رأس الإيزيدية مجدداً، حيث لا يحتمل الرأس فجاً جديداً بعد ما حصل له من القتل والسبي والتشرد والهجرة والدمار الكبير الذي لحق بالقرى والمناطق الإيزيدية، وسط صمت للحكومة المركزية في بغداد شببه بعض بـ ”صمت أهل القبور“ وتشتت الخطاب الإيزيدي بين نقاط القوى المسيطرة والمعنية بالمدينة في ظل توسيع رقعة صراعات الزعامة بين الامير الإيزيدية النافذ مير تحسين وابناء عمومة له يرفضون الاعتراف بسلطته، وخلافات على الهوية تتمثل في رؤية إيزيدية تتبنى خطاباً كردياً، وأطراف أخرى ترى في الطائفة ديناً مستقلاً وقومية قائمة بذاتها.

إقرأ أيضاً