عادل عبد المهدي… غَادِر القصر فوراً

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
نوفمبر 29, 2019
التقيت بعادل عبد المهدي في السليمانية وفي بغداد، ولم أخل أن الرجل بإمكانه أن يكون على رأس سلطة قتلت هذا العدد من العراقيين. لو كنت مكانه لغادرت القصر فوراً.

ثمة تقاليد وأصول تتبعها الأنظمة الديكتاتورية خلال عمليات القمع الدموي لحركات الاحتجاج. قطع الانترنت ربما كان أحد التقاليد المستجدة، ذاك أن إخفاء وجه الضحية هو شرط ضروري لـ”إخماد الفتنة”. النظام في إيران يجيد هذه التقنية. عدد القتلى في إيران هو رقم تسعى السلطة إلى إخفاء وجوه أصحابه. لكن المحنة الكبرى التي تصيب السلطة في العراق تتمثل في عجزها عن إخفاء وجوه قتلاها. العدد الهائل من الفيديوات الذي يصلنا كل يوم والتي يوثق فيها الناشطون العراقيون جرائم الحرب التي ترتكبها حكومتهم لا تحصى. فكيف لرجل مثل عادل عبد المهدي أن يشيح بوجهه عن هذه الحقيقة؟ كيف له قول أن ما يجري في العراق مؤامرة؟ ها هو رجل الأمن يطلق الرصاص على المتظاهرين أمام أعين العالم كله. مئات، بل آلاف الفيديوات، صارت بمتناول كل الناس، والرجل ما زال مقيماً في القصر الذي بناه صدام حسين! مؤامرة مَن على مَن، في ظل انتشار هذا الفيديو؟ 

بالأمس لم تقتصر الفيديوات القادمة من مدينة الناصرية في جنوب العراق على مشاهد الجنود يقتلون المتظاهرين، فالفيديو الأكثر وضوحاً وحسماً كان لجنازات الضحايا عابرة في شوارع الناصرية. الجنازات اخترقت شرعية الحكومة وألفت مشهداً مضاعفاً لشقائها ودمويتها. عشرات التوابيت يحملها أهل الناصرية بداخلها شبان قتلتهم الحكومة، من دون أن يرف جفن لساكن القصر في “المنطقة السوداء” على ضفة دجلة في بغداد! بماذا يشعر الحاكم عندما تعبر التوابيت من أمام جنوده؟

ما يجري في العراق أكثر فظاعة من ذلك الذي شهدته إيران في الأسبوعين الفائتين، على رغم أم مصدر العنف واحد، ذاك أن النظام في طهران نجح في منع الرقم من أن يتحول وجوهاً ومشهداً وجنازات. الأرجح أنه يعتقل جثث المتظاهرين ثم يعود ليسلمها لأهلها على فترات زمنية متباعدة ليمنع تحول الجنازة إلى طقس دفن جماعي. السلطة في العراق جديدة نعمة في مجال الاضطهاد والقتل ساكن القصر كان ساكناً للسجن قبل أقل من عقدين، أو هو قدم إلى العراق بعد الإطاحة بأهله. لكن يبدو أن أثر الإقامة في معابد صدام حسين البشعة في المنطقة الخضراء تخلف بالمقيمين الجدد قدرة على القتل. الجدران الإسمنتية العملاقة في هذه القصور تُشعر سكانها ربما بضآلة الناس وبسهولة قتلهم. 

ما يجري في العراق أكثر فظاعة من ذلك الذي شهدته إيران في الأسبوعين الفائتين، على رغم أم مصدر العنف واحد. 

أربعون جنازة عبرت في شوارع الناصرية صباح الجمعة. شاهدها أهل العراق، ومن بينهم الحجاج بن يوسف الثقفي. وهو ربما كرر وراء صاحبه الجديد عبارة الديكتاتور الأول: “… وإني لصاحبها”. لكن لم يعد ممكناً للقاتل أن يخفي وجهه. أربعون جنازة، من أصل ٤٠٠ جنازة حملها العراقيون في الأسابيع الأخيرة إلى مقابرهم الممتدة على مساحة مدنهم.

ثمة ما يدفع إلى الاستغراب فعلاً. كيف يتحول الحاكم إلى قاتل في طرفة عين. كيف تحول عادل عبد المهدي إلى هذا الرجل الذي يقف وراء كل هذا الموت! كيف لم يغادر القصر، وكيف لم يُذهل من كل هذا القتل!

ثمة أجوبة عراقية كثيرة عن سؤال من هو القاتل اليوم. ونعني هنا القاتل الذي يضغط على الزناد؟ من هم هؤلاء الجنود الذين ظهروا في الفيديو وهم يطلقون الرصاص بكثافة على متظاهري الناصرية؟ هذا الفارق صنعه الفيديو. القاتل السابق لم تلتقطه الكاميرا. بقي قصة في حكاية غير مصورة. المقابر الجماعية التي خلفها نظام البعث صارت حكايات متخيلة بعد أن تم الكشف عن أماكنها، أما قتلى الناصرية الأربعون فقصتهم موثقة منذ لحظة تظاهرهم إلى مشهد قتلهم إلى يوم تشييعهم في شوارع المدينة وصولاً إلى مقابرها. فكيف للحاكم أن يهرب من وجه قتيله، فهو جزء من القصة. ويبدو أن درس البعث لم يجد نفعاً هنا. صدام حسين صار جزءاً من قصة كل عراقي قتله النظام في حينها. 

أربعون جنازة عبرت في شوارع الناصرية صباح الجمعة. شاهدها أهل العراق، ومن بينهم الحجاج بن يوسف الثقفي.

ذات يوم روى أحد الناجين من حملة الأنفال التي نفذها نظام البعث ضد الأكراد كيف دفن النظام الأسرى الأحياء في حفر بالصحراء، وتولت آليات يقودها جنود دفع التراب إلى الحفر. يومها رحنا نتخيل وجه الجندي وهو يلقي بالتراب فوق رجال أحياء. اليوم لم نعد بحاجة إلى الخيال لكي نستعيد المشهد. مشهد الجنود يطلقون الرصاص على المتظاهرين في الناصرية متوفر على “يوتيوب”. لم يعد ممكناً للحاكم أن يخفي وجهه. لكن يبدو أن ثمة من يتوهم العكس. وهذا ما يُمدد عمر المجزرة ويضاعف من أعداد أهلها.

التقيت بعادل عبد المهدي في السليمانية وفي بغداد، ولم أخل أن الرجل بإمكانه أن يكون على رأس سلطة قتلت هذا العدد من العراقيين. لو كنت مكانه لغادرت القصر فوراً.  

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email