fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

طهاة برامج الطبخ باتت أيامهم معدودة

في غالب الأحيان، طالما تواجدت شاشاتُ التلفزيون تواجد الطهاةُ عليها، منذ الكاتب فيليب هاربن في حقبة أربعينيّات القرن الماضي إلى سانت ديليا، ولكن في عام 1999 تقريباً اتّخذت المنتجة التلفزيونيّة باتريشيا ليولين قراراً في قمة الذكاء بإقحام كلٍّ من جيمي أوليفر وغوردون رامزي إلى الحياة عبر شاشاتِنا، في ثيابٍ بيضاء مبلَّلة بقطرات العرق وقباقيب خشبية، ولكنها صنّفت فيما بعد على أنّها مثيرة.

هذان النجمان لم يكونا من مقدّمي البرامج أصحاب الباع الطويل في مجال الطهي وتأليف كتب الطعام، بل كانا طاهيين حقيقيّين، وكنا نشارك معهما حياتهما ونحبُّهما مثل نجوم موسيقى الروكّ.

لقد أصبح مشاهيرُ الطهاة، المنقسمين بين المطبخ واستوديوهات التلفزيون، الظاهرةَ المهيمنةَ على الإعلام البريطانيّ لمدّة عِقدَين من الزمان، حيث كان الطموح الغامر للعديد من شباب الطهاة هو اقتحام الشاشات، بينما أصبحت صورة الطاهي ماركو بيير وايت -والذي عُدَّ المثل الزئبقيّ، عاقد العزم، الراسخ، وناشد الكمال، والذي يرى الكثيرون أن رامزي وريثه في المهنة- مَثلاً مُحتذىً. وبالرغم من كلّ ذلك، تغيَّر كلُّ شيءٍ بصورةٍ مفاجِئة. إذ نشهَد تغيُّراً في العلاقة المُميَّزَة بين الطهاة والشهرة.

كان لِوفاة الشخصية التلفزيونية الشهيرة أنتوني بوردين -الذي جعل حياة الطبّاخ تبدو بصورة أفضل، وخلَق إمكانيّة أنْ تبدوَ شيّقة- تأثيرٌ كبير. وكما أكّدت ناقدة المطعم -تعبير يُستخدَم لوصف الكاتب الذي يقوم بتحليل ونقد الطعام أو المطاعم- مارينا أولولين في أحدث ظهورٍ لها في برنامج The Master Chef Problem، وهو التأثير الرجعيّ الذي يظهر من حينٍ لآخر والذى يمتلكه البرنامج على عالم مطاعم المملكة المتّحدة.

وخارج نطاق الرموز البريديّة الأنيقة في لندن، يلقى برنامج “ماستر شيف” MasterChef وبرنامج “ذا جريت بريتش مينو” The Great British Menu صدىً واسعاً. اعتاد تعريف تناول الطعام ذي الجودة الرفيعة أن يعني وجود ساقٍ أو نادل ساخر يُفسِد طبق الحلوى في جانب عربة الطعام؛ ولكن بالنسبة للجمهور المفتون بحماسة غريغ والاس وجون تورود أصبح هذا التعريف بمثابة زَبَد وبقع وقائمة تذوّق وطاهٍ يمكن سماعه يصيح بصوته في وجه فريق العمل من داخل غرفة إعداد الطعام.

الشيف غوردون رامزي

يتنافس الطهاة في خلْقِ صناعة طعام راقية، من خلال وصفِ أسلوبٍ منزليّ ومِن ثَمّ الإعلان عنه لاحقاً في وقت ذروة مشاهدة التلفزيون أسبوعيّاً.

ولكن يتوجّب الآن على الطهاة أن يتساءلوا عن مدى إمكانيّة استمرار ذلك، إذ أنّ قوائم الطعام المُفتقرة للخيارات ومجهولة المذاقات لم تَعُد مُثيرة للاهتمام بالنسبة لمُنفقي الأموال الطائلة والسيّدات المنتميات للطبقة الراقية والقاعدة المتوهّجة من المستهلكين، وهذا يرجع لوجهة نظر خاصة ببعض الطهاة المحلّيّين الذين لا يظهرون على الشاشة ولا يبدو أنهم سوف يحققوا هذا. لذا يتوجَّب عليهم إعادة تقييم ما يجذب انتباه السكّان؛ ولا بدّ أنهم يشعرون بالانزعاج الشديد.

الوعد المغري المبتكَر كان عبارة عن أطباق طعام شهية وصَغيرة مصنوعة خصيصاً للمستهلك، للارتقاء به فوق ضجيج شرائح اللحم والرقائق وحفلات شواء يوم الأحد إلى الوجبات المحلّيّة البارزة، لكن الآن هناك جماعة كاملة من النجوم يشترون الحانات للقيام بهذا الأمر تحديداً.

والمشكلة تكمُن في أنّ التلفزيون، الوسيلة التي قدَّمَت طاهي الطعام في صورة نجم، لم يعد يجلب موهبة جديدة إلى الشاشة. وشهدت دورات تكليف العمل القليلة الماضية بالقنوات الكبيرة صناعة برامج مع شخصيّات كانت رائدة في بداية كلّ هذا. وقد أصبح ريك ستاين وجيمس مارتن بل وحتّى رامزي، مقدّمو البرامج الذين أصبحوا يمتلكون أيدي أمينة، بعيدِين تماماً الآن عن تلويث أيديهم في أعمال الطهي.

تحدثت مع ميلاني جابي -التي أنتجَت برامجَ رِفقة العديد من الطهاة أمثال هيستون بلومنثال وهيو فيرنلي-ويتينستال، بالإضافة إلى ريمون بلان قبل إطلاق البرنامج التلفزيوني “ذا واين شو”- وسألتُها كيف نظرَت للمشهد.

تقول “على الرغم من أنّه كان هناك تخمة على الأرجح في مرحلةٍ ما، إلّا أنّ السوق ضَعُف بشكلٍ كبير، تاركاً كبار الشخصيّات بذلك الوسط”. وأردفت “السبب الحقيقيّ في بقاء هؤلاء الأشخاص هو أنّهم يتواصلون على أصعدةٍ متعدّدة مع نطاقٍ واسعٍ جدّاً من الناس، فالاتّصال هو ما نبحث عنه في مقدّمي البرامج الكبار، وتصدير شعور بأنّهم يتحدّثون معي فقط، لا مع أيّ شخصٍ آخر”.

الأمر يبدو كما لو أنه هذا النوع من الحماسة الحقيقيّة والقدرة على المشاركة والتواصل، هذا المستوى من الذكاء العاطفيّ، هو المضادّ تماماً للنموذج الاستحواذيّ الذي خلَقته المنابرُ الإعلاميّة لِطُهاتِها.

في عشرات الأماكن التي قمتُ بتقييمها بشكلٍ نقديّ، إذا قمتَ بعرض نافذة تليفزيونيّة على “طاهٍ بارع صغير السنّ”، فسوف يسخر منك. هل يمكنك تخيل طهاة بمطاعِم مثل Sabor أو Bright أو Lyle’s يقدّمون سلسلة حلقات حول إعداد عشاء عائليّ لمدة 15 دقيقة؟ مَن يريد أن يكون لمدة ثلاثة أشهر عُرضةً للصراخ من قِبَل شخصٍ ما مُمسِكٍ بلوحة خشبية في يده داخل استوديو حارّ استعداداً للعرض؟ يبدو الأمر كما لو أنّ الجيل الجديد بات مُهتماً بالمفاهيم القديمة – الطعام المتميز، وحسن الضيافة، وربّما -فقط ربّما- بناء شركة مطاعم لائقة ومستدامة، من خلال ما قد يجود به الاقتصاد علينا.

الصورة الأكبر تشير إلى أنّ هذه الصناعة تمرّ بمرحلة انتقاليّة. منذ سنواتٍ عديدة، كانت أفضل مرحلة في عامِ الطاهي هي جوائز “أفضل خمسين مطعماً”، المعروفة بسجّادتها الحمراء وتواجد مصوّرو المشاهير، واكتساب شهرة عالمية؛ لكنّ العام الماضي كان هناك ردّ فعل عنيف ضد غياب المرأة، في مطابخ بكاملها، بالإضافة إلى قائمة “الحضور المعتادين”.

حذّر المعلّقون هذا العام مِن أنّ الجوائز سوف تفقد أهمّيتَها في ظلّ الفشل في جذب جيل #MeToo #أنا_أيضاً. في ذات الوقت، يخسر دليل ميشلان نفسُه -والذي يعدّ معيار الذهب الأصليّ لجودة الطعام دوليّاً- جاذبيته، بعد أن نبذه روادُ المطاعم بشكلٍ متزايد لكونه مكتظّاً وغيرَ قادرٍ على عكس واقع مشهد الطعام الذي يعبّر عن الثقافات بسلاسة.

لذا أشعر بالثقة عند التنبؤ بأنّ كلّاً من عالَمَي الطهي بالمطاعم وعالم الشهرة التلفزيونية

-اللذين تمّ دمجُهما في وظيفةٍ واحدة لمدة عِقدَين من الزمان- ينفصلان عن بعضهما البعض مُجدَّداً؛ فـ”المسابقات” من نوع “قِف وحرّك” (إذ يقف الطاهي ويقوم بتقليب الطعام) وتلك زائفة الخطورة، صارت تتلاشى الآن، مع تحوّل جمهور المشاهدين إلى أنواع أخرى من برامج تليفزيون الواقع. في ذات الوقت، يتحوّل محبّو الطعام بشدة إلى برامج مثل Ugly Delicious وSamurai Gourmet، على شبكة “نتفليكس” وموقع “يوتيوب”. سيكون هناك دائماً طهاة على شاشات التلفزيون، وسيكون هناك دائماً طهاة بارعون يعملون في صمت، ولكن باتت معدودةً أيامُ الطاهي المشهور الذي ينتمي للطراز القديم، الذي يجمع بين العالَمَين كشخصٍ عملاقٍ مُتخَم.

هذا المقال مترجم عن موقع صحيفة theguardian.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً:

في مديح السندويش

 ماهي أفضل 10 مدن في العالم لجهة جودة الطعام ؟

 

إقرأ أيضاً