fbpx

هنا القصة الثالثة

ساندي الحايك - صحافية لبنانية

ساندي الحايك - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

طرابلس على السطوح… الحياة من فوق

هل سبق أن رأيت طرابلس من فوق؟ هل راقبت سطوحها ذات مرّة؟ تلك المساحات المشرّعة نحو السماء تعجّ بحياة تختلف عن تلك التي اعتاد عليها السكان “تحت”، بين شوارعها وأحيائها وأزقتها وخاناتها الضيقة.

يوم أخبرتني صديقتي ريان أن أمها تبرع في صناعة “المكدوس” (الباذنجان المكبوس) بكميات كبيرة، مؤونة لها ولبناتها الثلاث المتزوجات، استغربت، فسبق أن زرتها مراراً في منزلها الكائن في شارع بور سعيد في الميناء، وأعرف تماماً أنه أصغر من علبة الكبريت، فأين تصنع أمها المؤونة؟ أجابتني: “ليس في المنزل، بل على السطح!” اكتشفت للمرة الأولى أن للطرابلسيين حياة أخرى. لديهم مساحة حرّة يصنعون فيها ما يعجزون عنه في بيوتهم محدودة الأمتار. “الحاجة أمّ الاختراع” أردفت ريان. زرت سطح بنايتهم حيث تلاصقت خزانات المياه والصحون اللاقطة (الدشّ) وعُلب الانترنت. راقبت أمها وهي تحشر حبّات الباذنجان في أقفاص ثم ترفع فوقها حجارة ثقيلة. تُثبتها بدرايةٍ بحيث تضغط على الحبات كلها من دون أن تُفسدها، وتتركها يومين لكي تُصفى من المياه. قبل أن تنزل السُلم عائدة إلى بيتها، “قن الدجاج” كما تُسميه، تدور السيّدة الأربعينية حول السطح، تجول بعينيها حول الأفق البعيد وتراقب البحر. لا تستطيع دائماً أن تراه مكشوفاً أمامها من دون أن تحول بينها وبينه هياكل الباطون. تتنفس رائحة الموج وتستسلم للريح تعبث في وشاحها وثيابها. تراقب هي أيضاً سطوح الجيران لترى من يصنع ما تصنع، ومن يلجأ إليه هرباً من ضيق المساحات في المنازل.

فوق السطوح حكايات كثيرة تطلب “السترة”. والدة ريان شهدت على عناق حميم بين عاشقين يوم صعدت إلى السطح ساعة بعد الغروب لتُعاين الخزان الذي نقصت مياهه. “انقطاع المياه مشكلة لا حلّ لها” أردفت، قبل أن تعترف أمامي وابنتها أنها أطالت النظر إلى الحبيبين بفضول طفولي، ثم استعوذت الله من هذا الجيل الوقح وعادت أدراجها.

حربُ السطوح

من الميناء صعوداً نحو ساحة النور في طرابلس يبدو المشهد العام على السطوح متشابهاً. سطح أحد المباني في شارع الجميزات تحوّل إلى مشتل وُزعت عليه باعتناء واضح شتول خضراء وورود تعددت ألوانها. قبالته على سطح مبنى ملك الطاووق، أُضيفت حجرة صغيرة مهجورة استخدمها عناصر الجيش اللبناني أثناء أحداث طرابلس الدموية، التي عُرفت بحرب جبل محسن وباب التبانة، بهدف حماية مركز الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يقع في المبنى المقابل، والذي تعرض لهجمات متتالية من مسلحين في حينه.

يُبدد هدوء السطوح نهاراً صخب المدينة. يبدو زعيق السيارات بعيداً وأصوات الباعة المتجولين مخنوقة. توفّر السطوح خصائص المساحات المفتوحة حيث المناظر طليقة، لا إسمنت هنا يحجب الهواء والضوء. من سطح أحد المباني في شارع المصارف تظهر طرابلس على امتدادها بكل تناقضاتها، من شوارعها المكتظة إلى أحيائها الفخمة والمباني الزجاجية الحديثة، وتتجسد بوضوح قبب المساجد والكنائس التي لا تفصل بينها سوى عمارات معدودة. فجأة يخرق السكون صوت آتٍ من مبنى مجاور. شاب منهمك في تنظيف السجاد على السطح. يرفع السجادات الثقيلة على الحافة ويباشر بنفضها، ثم يحمل عصا غليظة بين يديه ويضرب عليها بقوة بينما يتساقط الغبار على دفعات كالأمطار على شرفات الطبقات السُفلى.  

“زمن الفرارية”

من التلّ توغلاّ إلى العمق في الأسواق الداخلية للمدينة تتجلى السطوح شواهدَ على “زمن الفرارية”. يحكي الشاب محمد الأيوبي، ابن محلّة التل، كيف كان شباب المنطقة يحتمون بالسطوح للفرار من الملاحقات العسكرية.

في عهد الوصاية السورية اشتدت القبضة الأمنية على المدينة وبات كل معارض مهدداً بالاعتقال والملاحقة من جهاز المخابرات، فتحولت السطوح إلى ملاجئ. يتنقل “المطلوبون” من سطح إلى آخر لحين بلوغهم نقطة معينة تُمكّنهم من الهرب خارج المدينة من دون أي أثر. تركيبة طرابلس الداخلية عمرانياً والعائدة إلى الحقبة المملوكية تُساعد على تحقيق ذلك، فأسواقها متداخلة وشوارعها ضيقة تتلاصق فيها السطوح، كما تتلاصق الجدران والأبواب والنوافذ المزخرفة، إذ يُمكن أن يدخل المرء من حمام العبد مثلاً، فإذا انعطف في دهليز ضيق يساراً بلغ خان الصابون، وإذا انعطف يميناً بلغ سوق الذهب ما يجعلها أشبه بالمتاهة لكل غريب عنها.

مجرّد أن يُشاع خبر استعداد القوات السورية لمداهمة الأسواق تسود حالة من الهرج والمرج. ينسحب “المطلوبون” من الخانات والحارات والمقاهي. يركضون في اتجاهات مختلفة ويتسلقون أدراج المباني صعوداً نحو سطوحها، ثم يبدؤون القفز من سطح إلى آخر، غير ابهين بالارتفاعات أو احتمالات السقوط. يقفزون ثم يركضون. يركضون ثم يقفزون من جديد. مع كل قفزة ترتفع خيالاتهم في السماء ثم تهبط كالطيور المهاجرة إلى أن تختفي آثارهم. وحدهم عناصر المخابرات السورية يتوهون في الأرض من زقاق إلى آخر بحثاً عن طرف خيط أو رأس مطلوب.

في جولة السطوح يتكشف بوضوح حجم الخسائر التي تتكبدها طرابلس تراثياً. الهدم يطاول أجزاءً كبيرة من المرافق الأثرية، مثل قصر شاهين وقصر العلامة عبد المجيد المغربي ومدرسة الشعراني. أحد أسطح المنازل في زقاق الرمانة في السوق العريض يطل على المدرسة الشاهدة على الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكان الدرك في عهد السلطنة العثمانية يستخدمونها، قبل تحويلها إلى مدرسة عُرفت بدايةً بالتوجيهية المصرية ثم بالتوجيهية السورية. يظهر الدمار في قرميدها وتآكل أجزائها وتداعي سقفها. لا شيء ينبض فيها حتى رواد السطوح الذين يمرون عليها يومياً لا يعرفون أي قسط من تاريخها.

في أعقاب أحداث التبانة وجبل محسن مطلع عام 2009 برزت خاصية جديدة لسطوح الأسواق، إذ جعل منها القنّاصون منصات لإطلاق رصاصاتهم على المناطق المكشوفة أمامهم، وأبرزها القبة وطلعة الرفاعية والمنكوبين والتبانة وبعل محسن وسواها. يستذكر حسن فتّال، القاطن في أحد المباني في ساحة التل بالقرب من السراي العتيقة، يوم دبّ الذعر في المبنى إثر اكتشاف وجود قناصين على سطحه. يقول: “كان الوقت تجاوز الـ12 بعد منتصف الليل حين رنّ هاتف منزلي، كان أخي على الجانب الآخر، وهو يقطن في الطبقة السفلى من البناية نفسها. همس في أذن الهاتف وكأنه خائف من حيطان منزله: “في مقاتلين على السطح”. وصف لي هندامهم بدقة مشيراً إلى أنه رآهم يلوجون إلى داخل العمارة. وصف الرشاشات بين أيديهم ومماشط الرصاص. لم يكن أمامنا الكثير من الوقت للتفكير بما يجب فعله. اتفقنا على إيقاظ كل الجيران. اجتمعنا وصعدنا إلى السطح وأمرناهم بالمغادرة فلم يستجيبوا إلا بعد تهديدهم بإبلاغ القوى الأمنية. جمعوا عتادهم وخرجوا. وبعد ليلتين، ما لبثوا أن عادوا مجدداً. كانت الفوضى قد دبت في المدينة. الأجهزة المعنية تنصلت من مسؤوليتها. استوطن القناصون السطح ونزحنا نحن خارج المدينة”.

“غط حمام.. طار حمام”

على سطوح زقاق الرمانة وسوق النحاسين مروراً بباب الحديد ووادي الكنائس يتنافس الشبان في تربية الحمام والاعتناء بها. تاريخياً وجد الحمام لإيصال الرسائل من دار إلى أخرى، لكن تربيته تحوّلت إلى موهبة وسلوى لدى بعض شباب المدينة. يتنافس هؤلاء في ما بينهم على بناء الأقفاص. من يصنع القفص الأعلى. من يجعله فسيحاً. من يقوى على ترويض الحمامات أسرع. من يطوّر مهاراته القيادية. يجتمعون على التحدي  وغالباً لا يجدون من يفصل بينهم.

تنتشر على السطوح أيادٍ تلوّح بأعلام ملونة للأسراب المحلقة في السماء. ونظراً لكثرة الهواة، وخوفاً من تداخل الأسراب أو سرقة الطيور بعضها من بعض، سنّ الشبان قانوناً لـ”كشّ الحمام” يُمنع خرقه. إذ بات لكل واحد منهم موعد معين ليُطلق سربه في الفضاء. يُفتح باب أول قفص في تمام الثالثة ظهراً، وغالباً يكون الشاب محمد جنيد أول من يُحرر طيوره، فتنفض الحمامات أجنحتها وتُحلق بعيداً. مدة التحليق لكل سرب لا تتعدى الـ30 دقيقة، فكل نصف ساعة ينطلق سرب جديد. عند انتهاء الدورة كاملة، يُنظف الشباب الريش المتطاير وحبّات القنبز. بعدها يجتمع “الكشّاشون” على أحد السطوح لتدخين النرجيلة، حيث تشتعل المنافسة في ما بينهم من جديد.

نرجيلة ومشاوي وشباب

على سطوح طرابلس تنشأ عوالم أخرى منفصلة تماماً عن الشوارع والطبقات السفلى، إذ تُشكل السطوح متنفساً حراً ومفتوحاً تتجلى فيه متعة الفضول بأبهى أشكالها. مُتعةُ الإحساس من هنا بالساحات والأرصفة والطرقات المتعرّجة والناس يتنزهون أمام واجهات الدكاكين والأحاديث المبعثرة بينهم. من يختبر جلسات السطوح ليلاً يستحيل أن تستهويه من بعدها جلسات المقاهي، يقول الشاب ميشال عبود.

يسهر ميشال ورفاقه كل ليلة سبت على سطح منزلهم الكائن في محلة الزاهرية. يشعلون منقل الفحم ويستعدون لحفلة شواء. شباب المدينة محرومون بمعظمهم من المشاوي العربية على الفحم، لعدم توافر أماكن للشواء على شرفات البيوت الضيقة. يفرش الشبان مائدة شهية. يحضرون رؤوس النراجيل العجمية والتنباك المعسل وطاولة النرد وورق اللعب وفناجين القهوة والشاي. يهيؤون الأجواء المناسبة لسهرة السطح التي تمتد حتى ساعات الصباح الأولى.   

خطوبة على السطح!

بعث الشاب محمد عبد الله، أحد سكان سوق النحاسين، رسالة لأصدقائه عبر تطبيق واتس آب، يدعوهم فيها لحضور حفل خطبته. أبلغهم بالتاريخ والساعة وختم الدعوة بذكر المكان: “سطح منزلي”. بحث الشاب عن المكان الأفضل للاحتفال، قائلاً: “بيوتنا صغيرة ولا تتسع لعدد كبير من الأصدقاء والمقربين، وعندما فكرت في استئجار قاعة للأفراح تبيّن أنني مضطر إلى دفع مبالغ كبيرة، فعرضت على خطيبتي فكرة إقامة الحفلة على السطح”، مضيفاً: “كان الاقتراح صادماً بالنسبة إلى كثيرين ولكننا في النهاية فعلناها… على السطح”.

غُرف زجاجية… غُرف إضافية

بعض الأسطح أُضيفت إليها غرف اسمنتية صغيرة، وهي ظاهرة ملفتة للنظر تضاعف انتشارها في السنوات الخمس الأخيرة. إذ يسعى الناس إلى ضمّ مساحات إضافية إلى بيوتهم لتُلبي احتياجاتهم، ما يزيد المُدن إنغلاقاً، خصوصاً مع انتشار ظاهرة إغلاق الشرفات وجعلها حُجراً مقفلة،في تحريف واضح للغاية الأساسية من وجودها. كل ذلك يؤسس إلى مزيد من الانعزال، وهو ما لم يعد مقتصراً على الواقع العمراني فحسب، بل بات يُلقي بظلاله على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للناس. تدريجياً، تتحول المساكن إلى أقفاص وسجون، بينما تُمثل السطوح ملاذاً ومتنفساً حراً لكثيرين.  

سينما طرابلس: أيام صباح وأم كلثوم وصالات ساحة التل

 

إقرأ أيضاً