طرابلس:  حتى الرقص أصبح ممكناً في ساحة النور

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ست ساعات المدة الزمنية بين بيروت وطرابلس في زمن الثورة. ست ساعات غيرت كل شيء، جعلت الرقص ممكناً حتى قرب تمثال قلعة المسلمين.

ست ساعات هي المدة الزمنية الفاصلة بين بيروت وطرابلس في زمن الثورة.

وصلنا بداية الليل وكان عربي عكاوي ينتظرنا بالقرب من قصر الحلو، ليس بعيداً من الساحة. تحت مطر خفيف، نمشي بخطى متسارعة على وقع كلماته الحماسية ولهجته الطرابلسية وشغب في عينيه لم أره منذ زمن.  

 “حقاً لا أستطيع التفسير. شيء ما حصل لا أستطيع تفسيره. معجزة ما. أعلم أن الأمر لا يقتصر علي، الشباب أيضاً لا يفهمون ما يحصل… أبسط الأمور تربكنا… نحن أنفسنا… نحن الذين لم نكن حياديين، نحن الذين كنا نسخر من كل شيء.. الذين كنا عندما نسمع النشيد الوطني، نستهزئ ونضحك ممن يتجرأ على الوقوف… الآن حصل شيء ما، مثل أفلام السينما تدمع أعيننا، ويغمرنا شعور غريب بالفخر والانتماء، أنا فعلاً لا افهم ما الذي حصل… ولا أستطيع التفسير”.

“أعتقد أن طرابلس تنتقم لنفسها”، يختم عربي إذ نصل إلى ساحة الثورة.

ساحة النور، أو ما كان يعرف سابقاً بساحة عبد الحميد كرامي، صار اسمها الآن ساحة الثورة.

وهل هكذا يكون الانتقام؟”، سألته ضاحكة من دون أن أنتظر منه جواباً.

تعرفت إلى عربي منذ أكثر من 10 سنوات، كنت في ذلك الوقت أعمل على فيلم قصير عن والده، خليل عكاوي.  

على رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على اغتياله من قبل المخابرات السورية، لا يزال أبو عربي واحداً من أكثر شخصيات المدينة شعبية في أحياء طرابلس الفقيرة، وراء نهر أبو علي. 

بسبب علاقته بمناطق طرابلس الداخلية، منطقة باب التبانة تحديداً، صار عربي من المصادر التي اعتمدت عليها خلال تغطياتي التلفزيونية لجولات القتال التي شهدتها المدينة بين عامي 2011 و2015.

أكثر من 20 جولة قتال بين العلويين والسنة اختصرت هوية المدينة واستقطعت حياة أهلها لأيام او أسابيع في بعض الأحيان. 

جولات العنف هذه قتل فيها من قتل، ازداد خلالها الفقراء فقراً والمدينة قهراً والمجتمع انقساماً ضمن سيناريو متكرر بالغ البساطة.  

تختلف الأطراف السياسية في بيروت، تنفجر في طرابلس، يستمر القتال إلى أن يصلوا الى تسوية. 

ما كان يميز عربي خلال الجولات بالنسبة إلي كانت قدرته على تقدير المدة التي ستستمر خلالها المعارك وبدقة عالية.  لم أجرؤ يوماً على تأكيد معلوماته على الهواء، مع أنه لم يخطئ ولا مرة. 

عربي كان يبني تقديراته وفقاً لما تم توزيعه من سلاح وذخيرة على الشباب المتقاتلين ما ان تحتدم الأمور. 

 هكذا كانت المعادلة. ما أن تنتهي الذخيرة، يبيع المقاتلون العاطلون من العمل من الطرفين سلاحهم مقابل مئة أو مئتي دولار، ويعودون للجلوس معاً على المقاهي على طول شارع سوريا أو في الشوارع المتداخلة بين التبانة وجبل محسن بانتظار الجولة التالية. 

عربي الذي كان يعرف كل شيء في ذلك الزمن، غير قادر على فهم ما حصل الآن، وأنا مثله. 

أقف في الساحة وسط ذهول تام. 

كنت أظن نفسي جاهزة وأن العودة الى طرابلس ستكون امتداداً لمزيج من المشاعر المتضاربة التي اجتاحتني اثناء متابعتي الصور والمشاهد الاتية من المدينة المنتفضة منذ اليوم الأول للحراك.   

اعتقدت أنني فهمت ما يحصل، ولكن ما أن وصلنا إلى الساحة علمت أن عمراً كاملاً لن يكون كافياً لتفسير أو حتى استيعاب ما فعلته هذه الثورة بالمدينة في أيام قليلة. 

لم يتغير شيء، كيف إذا تغير كل شيء؟ 

هذا المشهد الذي أراه بأم العين، لو أنه كان ممكناً، لماذا إذاً حصل كل ما حصل خلال كل تلك السنوات؟ 

أمشي بضع خطوات، أبتعد فيها من أصدقائي. أصل إلى الجهة المقابلة للساحة بين التمثال وبناية الغندور التي تحولت طبقتها السفلى مسرحاً يتنافس فيه شباب وصبايا على الميكروفون. 

 

من هم في الساحة، لا ينوون المغادرة. هنا أم تقف مع أطفالها، وهنا باعة الكعك والماء وعرانيس الذرة وغزل البنات… هنا بائعة قهوة تضحك ملء فمها إذ تكرر صيغاً مختلفة من نشيد الهيلا هيلا هو، وسط تشجيع جمهور صغير تجمع حولها

وهناك شباب يتحمسون لبائع أرغيلة الثورة، ينفخ النار كي لا تموت بحركة رشيقة، كما يفعل ساحر في سيرك. تماماً مثل أفلام السينما…

لا يمكن أن تكون الساحة هي ذاتها. 

أسأل نفسي هل هي الإضاءة التي تجعل التمثال أقل قباحة؟ 

بالنسبة إلي كما بالنسبة إلى كثر من أبناء جيلي الذين كبروا في المدينة، التمثال المؤلف من كلمة “الله” عملاقة وضعت تحتها عبارة قلعة المسلمين مرتبط بحقبة حركة التوحيد التي صعدت في مطلع ثمانينات القرن الماضي. 

مع بداية سنوات مراهقتي شهدت التحول الكبير الذي حصل في مدينتي

 التي صارت تزداد تزمتاً وحرماناً سنة بعد سنة بعد وصول التشدد الإسلامي اليها مع نجاح الثورة الإيرانية بداية وتمدد الحركة الوهابية في مرحلة لاحقة. 

انتهت الحرب وقزمت حركة التوحيد، وجاء زمن الوصاية السورية ومن بعده زمن جولات تصفية الحسابات السياسية عبر الاقتتال الطائفي وبقيت الساحة وغادرت أنا.

لسبب ما، شخصي على الأغلب ربطت مصير المدينة بمصير ساحتها. 

كنت أعتقد أن أحوال المدينة لا يمكن أن تتحسن طالما هي تحمل اسم قلعة المسلمين. 

أقف تحت كلمة “الله” التي طالما استفزتني. كأنها حجر على صدري. على صدر طفولتي وسنوات مراهقتي وذاكرة مدينتي ونسيجها وروائحها. صار التمثال حاجزاً يقف بين شوقي إلى مدينة أحببتها من جهة وحلمي بأخرى تستطيع ابنتاي أن تحباها وترياها بعيني من جهة أخرى.  

كيف باستطاعة ابنتيّ أن تفهما. 

حاولت ان أكره طرابلس وفي مرات عدة اعتقدت أنني نجحت. 

في البداية تجاهلتها وبعد ذلك سخرت منها وبعد ذلك كرهتها. لم يكن الأمر سهلاً لأن فيها الكثير ممن ومما أحب. ولكن كما هو الحال مع كل العلاقات المعقدة، كان لا بد أن أتجاوزها لأنها أشعرتني مرة بعد مرة كم هي ترفضني. 

ترفض شكلي، وترفض صوتي، وترفض عقلي وترفض احلامي. 

أنظر إليها، تحت أضواء ملونة اتية من كل مكان. دخان المفرقعات النارية يخلق نوعاً من هالة تتضارب مع نقاء الهواء المعبأ بمياه الأمطار… أفضل مخرجي الإضاءة لن يكون بإمكانهم أن يخلقوا لحظة تضاهي جمالية هذه اللحظة. 

حتى التمثال، يبدو أقل بشاعة. وعبارة قلعة المسلمين، بالكاد ظاهرة، كما أنها غير مزعجة… غير مهمة. إذا كان بإمكان القلعة أن تفتح ذراعيها “لابنتها” ساندرين الراسي، يقدمها شاب من شباب التبانة فليكن! 

فلتكن قلعة المسلمين عروس ثورة لبنان… 

جميل أن تعود صبية من عائلة الراسي المسيحية الى المدينة والأجمل أن تسمي نفسها ابنة طرابلس، والأكثر جمالاً أن تقف بين أبناء التبانة على المسرح المعلق تحتها شعارات كتب عليها من اهل طرابلس، ثورتنا لكل لبنان وأخرى كتب عليها نطالب بدولة مدنية ذات عدالة اجتماعية. 

هل هو حلم؟  هل هي كل احلامي تتحقق مرة واحدة؟  

لا بد أنني أحلم. ساندرين تغني بغنج للجيش اللبناني، ومن حولها الشباب يرقصون ويغنون ويكررون “الجيش حامي الوطن”… 

الشباب ذاتهم. بعضهم كبر قليلاً ولكن لمعظمهم إخوان أصغر يشبهونهم. ها هم يرقصون تحت الشتاء، بفانيلاتهم البيضاء وعضلاتهم المشدودة ووشومهم الملونة ذات الخطوط الرفيعة. 

“زعران التبانة”، كما كان يعرف عنهم من لم يهتم يوماً لأن يعرفهم ها هم يهللون لساندرين تغني للجيش. 

والجيش كم مرة تلاسنت معهم، كم مرة وقفت في هذه الساحة ذاتها أحاول التذاك لالتقاط صورة وأجراء مقابلة. 

كم مرة سمعت أهل المنطقة يكفرون بهم وبقمعهم وبارتهانهم وبدولتهم. 

من أين أتى هذا الحب كله.

كيف يمكن لهذا أن يحصل؟ وإذا كان كل هذا ممكناً، فلماذا إذاً حصل كل ما حصل؟ لماذا قتل من قتل؟ 

هل حقاً هكذا تنتقم طرابلس لنفسها؟ 

أستوقف امرأة مع ابنتها. الأم في الخامسة والثلاثين وابنتها في العشرين. عيون كبيرة ضاحكة على بشرة بيضاء يلفها حجاب كاكي اللون فوق عباية من اللون نفسه.

أسألهما عن العلاقة بالجيش فتجيب الابنة بسرعة ومن لنا غير الجيش. أذكرهما بماض قريب لتقول لي الأم إن الناس كانوا يشعرون بالظلم ولذلك كانوا يهاجمون الجيش ولكن الناس كانوا يحلمون بهذه اللحظة والناس طيبيون والناس فرحون كما لم يفرحوا في حياتهم. 

“هل تعتقدين أن الناس قبضوا لكي يأتوا إلى هنا؟” تسألني بعفوية قبل أن تضيف “ليس هذه المرة… ما ترينه هنا هو الحقيقة، ما سبق لم يكن كذلك… ما سبق كان بسبب من أرادوا تفرقتنا. الجيش أبناؤنا، ألا تعرفين ذلك؟”. 

أسأل المرأة إن كان بإمكاني تصويرها، تسأل عن السبب. أقول لها أحب ما تلبسان لترد “عقبالك”… أضحك وأقول لها انا أحب ما البس ايضاً ولن اغيره. 

تقول لي “بإمكانك ان تصوري ثيابنا من دون وجوهنا لأن زوجي في البيت كارثة إذا وصلته الصورة يجن جنونه…”. 

لا بد من ثورة تضيف ضاحكة”. “ثوري” أقول لها ممازحة. 

يا إلهي. ما الذي يحصل.

الناس سعداء ويشعرون بأن شيئاً ما تغير وأن هذه بداية جديدة… هل يمكن أن تكون الأمور بهذه البساطة؟ 

هل هكذا يكون الانتقام؟

هل بضعة أيام وحتى أسابيع أو أشهر من الثورة كافية لمحو آثار أكثر من 40 عاماً من الحرمان والظلم والجهل والتجهيل؟

هل باستطاعة الساحة التي أقف فيها أن تسرع عقارب الساعة إلى مستقبل أفضل؟  هل الأفضل أن تعيدها إلى الوراء؟ إن كان ذلك فإلى أي زمن نعود؟ 

ساحة الثورة…هل نحافظ على اسمها أو نعيدها إلى زمن ساحة عبد الحميد كرامي؟ 

كم هي جميلة رواية هذه المدينة. بقدر ما هي قاسية هي جميلة. 

عبد الحميد كرامي، كان واحداً من رجالات الاستقلال وابناً لواحدة من العائلات الإقطاعية. على يساري، إلى جانب بناية الغندور، قصر آل كرامي المعروف بكرم القلة، يطل على الساحة بإضاءة خفيفة لا تقلل من جماليته. الأبنية المحيطة بالقصر القائم على تراجع طفيف، أنشئت بطريقة تترك المجال مفتوحاً لكي يرى أهل القصر تمثال الزعامة. 

بقي القصر ولكن التمثال تغير والزعامة ذابت أمام صعود نفوذ المال والسلطة بأشخاص نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وأشرف ريفي وتيار “المستقبل”…

الزعماء الجدد، صارت لهم قواعدهم الشعبية. ولأن طرابلس “وفية” حافظت العائلات التقليدية على زعامتها، ولأن الدولة غائبة صارت العلاقة بين الطرفين علاقة مريضة تدور بحلقة مفرغة. 

 كلاهما يحتاج الأخر، ويعرف ان وجوده مرهون بعلاقته بالأخر. 

الفقراء يحتاجون الزعماء ليأكلوا ويعيشوا، والزعماء يحتاجون إلى الفقراء لإعادة إنتاج سلطتهم.

الفقراء يساهمون بزيادة ثروة الزعماء عبر إعادة انتخابهم، والزعماء يساهمون بإفقار خزاناتهم الانتخابية لأنهم يعرفون أن في ذلك الضمانة الوحيدة للحفاظ على السلطة. 

الثورة تعد ببداية جديدة. هل يمكن أن يحصل هذا؟ ها هو يحصل… “أبناء العائلات” كانوا أول من حضر إلى الساحة. حضورهم أعطى الضمانة لأهل المناطق الداخلية بأن الوضع آمن، والساحة لن تكون مخروقة بأجهزة المخابرات… 

هل يكفي ذلك؟

هل فعلاً يأتي يوم يكون وقوف أغنياء طرابلس الى جانب فقرائها أمراً طبيعياً خارج إطار الثورة. هل باستطاعة الميسورين والأغنياء في المدينة أن يتخلصوا من شعورهم بالمسؤولية المباشرة تجاه الفقراء مقابل أن يعتبروهم مواطنين متساوين؟ وهل باستطاعة الفقراء أن يجيروا ولاءهم من عائلات تؤمن الخدمات لهم إلى دولة هي المسؤولة عن حقوقهم؟ 

على الجانب المقابل من الساحة، خيمة نصبت ووضع عليها شعار #انتخب مطلبك. تحتها تجلس نور الهدى غريب وراء طاولة عليها صندوق شفاف يشبه الصناديق المستخدمة خلال الانتخابات وإلى جانبها يجلس خالد حماد، شاب في الثامنة والعشرين من عمره. 

ليست هناك معرفة سابقة بينهما ولكنهما يعرفان قصة بعضهما جيداً ويكملانها.  

هدى معلمة مدرسة قررت منذ بضع سنوات ان تقوم بمبادرة فردية وتجمع مبالغ صغيرة من أصدقاء لها في المدينة ومن المغتربين لسد حاجات عائلات محرومة: قسط مدرسة من هنا، فاتورة مستشفى من هناك، إيجار بيت أو مونة شهرية.  

طرابلس وهي ربما من أغنى مدن لبنان، فيها أيضاً نسبة الفقر الأعلى، ونسبة التسيب المدرسي الأعلى ونسبة البطالة الأعلى. 

الطبقة السياسية لا يظهر كرمها إلا في مواسم الانتخابات، ولكن في طرابلس الناس لبعضها كما يقول أهل المدينة. 

خطة هدى هي تجميع الأصوات ثم فرزها ثم توزيع نتائجها… يدخل خالد بخجل على خط النقاش… “هل تعرفين ما معنى أن تنتخبي بقلم ومن دون حبر الدم يسألني؟”.

أنتظر تفسيراً ليضيف، “هذا الوعاء الصغير الذي كان علينا أن نغطس اصبعنا فيه لانتخاب من يعطينا مئة دولار ثمن صوتنا، هذا الوعاء كان يحتوي دمنا”…

لكن خالد ليس غاضباً على أحد وليس ناقماً. 

مثل عربي، هو لا يفهم ما الذي يحصل ولكنه يشعر بأن هناك بداية جديدة. “للمرة الأولى في حياتي أشعر بما هو معنى كلمة امل…”.

بعض هذا الأمل كما يقول هو ما طرأ على المدينة، وكيف تغيرت النظرة إليها من خارجها. “أستطيع الآن أن أبحث عن عمل خارج المدينة. إذا ذهبت إلى المدن المجاورة، أعتقد أن الناس لن ينفروا من لهجتي أو من اسمي. ربما لا، ولكن أعتقد أن الأمور تتغير…”.  

عمر خالد (28 سنة) لم يعمل منذ 8 سنوات. ترك المدرسة في الصف الرابع … قتل والده في واحدة من جولات العنف وهو يحاول نقل بعض الحاجيات الضرورية من المنزل…

بعد مقتل والده، حمل السلاح لأنه كان يرغب في أن يحصل على البدل المالي، ولكنه يجزم بأنه لم يطلق طلقة واحدة. 

منذ ذلك الوقت عمل في فرن وفي محل هواتف نقالة وفي السوق، ولكن أياً من هذه الوظائف لم يستمر. اختار أن يجلس الى جانب هدى تطوعياً لأنه أحس أن بإمكانه أن يكون مفيداً، فهو يساعد على تنظيم المكان إذا ازداد عدد الناخبين ويشجع المارة على الانتخاب عندما يتقاعسون.

على يميني، عليا كرامي تتناقش هي وواحد من الناخبين، عن الانتخابات، التفت لأستمع الى الجواب فيعيدني خالد الى الحديث معه. 

“هل تعرفين ما معنى ان يكون عمرك 28 سنة وأنت عاطلة من العمل؟ 

يعني ذلك أننى محروم من الحب… أنا لا أستطيع أن أحب امرأة، لا أستطيع أن أؤمن بيتاً أو أنشئ عائلة”. 

مرتين أحب خالد، وفي المرتين تزوجت من أحبها من آخر استطاع تأمين سقف ولقمة عيش. 

في الساحة، على بعد أمتار من تمثال قلعة المسلمين، يحدثني خالد عن الحب.

 

أشكك بالكثير من تفاصيل قصته ولكن عندما يتحدث عن الحب أصدقه. 

أصدقه لأنني أعرف هذه المدينة ولأنني على رغم من محاولاتي كلها لم أستطع أن أكرهها. 

نجحت بتجاهلها وبالسخرية منها، ولكنني لم أجد مدينة أخرى تأخذ مكانها. تشغلني كما شغلتني. تهزمني مثلما هزمتني.  

قد يكون عربي على حق، إن طرابلس تنتقم لنفسها. لصورتها. لمكانتها في قلب من أحبوها ومن حاولوا كرهها.  

إنها المدينة الثائرة تنتفض على أبنائها وهي تفتح لهم ذراعيها وقلبها. 

تنتفض على شعاراتهم التي أرهقتها على مدى عقود من قلب العروبة إلى قلعة المسلمين و عاصمة السنة. 

تعيدهم إلى الحاضر وإلى حضن دولة يؤمنون بها، يساهمون ببنائها ويكونون فيها مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات.

تعيد لهم ذكرياتهم وأحلامهم.

وتأخذ بالقوة ما هو لها.

“هل رقصت معك؟”، يعيدني صوت شاب يشبه عمرو دياب في شبابه. 

“قطعت على نفسي وعداً بأن أرقص مع كل شخص موجود في الساحة اليوم، فهل رقصت معك؟”.

ست ساعات المدة الزمنية بين بيروت وطرابلس في زمن الثورة. 

ست ساعات غيرت كل شيء، جعلت الرقص ممكناً حتى قرب تمثال قلعة المسلمين.      

تأمّلات في الانتفاضة اللّبنانية

 

 

 

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400