طرابلس ترقص “التكنو” حول كلمة “الله”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هذه الساحة في ليالي الثورة أشبه بمهرجان شعبي يرقص رواده على موسيقى "التكنو" قرب كلمة الله الحاضر- الدائم، في مشهد يشبه رقصة "صوفية" محدثة

أدهشنا مودي كريمة، مقيمين ومغتربين، بالكم الهائل من الفرح الذي بثته موسيقاه في نفوس المتظاهرين في قلب ساحة عبدالحميد كرامي في طرابلس. أعادنا إلى حب هذه المدينة، وجعلنا نكتشف من جديد هذا الحب المغيّب والمستور. هذا ما قرأته أيضاً في تدوينات صديقات طرابلسيات، مثل عليا ابراهيم وعليا كرامي ونيفين أفيوني، اللواتي لم يهدأن منذ الشرارة الأولى لهذا الحراك في نشر صور ومعلومات وشرائط فيديو. كلها من ساحة لها رمزية كبرى في تاريخ المدينة وحاضرها، وتعد إحدى أهم النقاط التي تربط المدينة بداخلها وخارجها، لا سيما بالنسبة إلى العابرين من عكار والضنية والمنية، والصاعدين إلى الكورة وزغرتا وبشري، والخارجين من حدودها نحو البترون وجبيل وبيروت. 

هذه الساحة في ليالي الثورة أشبه بمهرجان شعبي يرقص رواده على موسيقى “التكنو” قرب كلمة الله الحاضر- الدائم، في مشهد يشبه رقصة “صوفية” محدثة لمزاج طرابلسي رافض للقهر والظلم وللسلطة ليس عبر الحرق وإطلاق الرصاص وإغلاق الطرق. كما توحي الصورة النمطية التي كرسها الاعلام اللبناني لسنوات، أو كما جاهدت الأحزاب والتيارات السياسية والزعامات المفترضة فيها، لتجيير الناس واستخدامهم وقوداً لمصالحها. هذه المرة خرج الطرابلسيون بالرقص والزغاريد والتصفيق. كان غضبهم آت من فرح دفين بالأمل. غضبهم لن يسكت ولن يهدأ، لأنهم كما غيرهم في مناطق أخرى، عانوا الأمرّين من حكومات متعاقبة مارست كل أنواع التغييب والتهميش والحرمان بحقهم وبحق مرافق مدينتهم، وأظهرتهم وحوشاً عبر إعلام استغل التناقضات الحاصلة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري مروراً بظهور فتح الإسلام والحركات الأصولية، ووصولاً إلى حوادث الأسواق الداخلية وتوتر الخطوط بين جبل محسن وباب التبانة. كل هذه التشنجات ومفارقاتها ودلالاتها كانت مادة دسمة لسنوات طويلة لدى الإعلام اللبناني، ليحيط بأهل المدينة صورة مشوهة عنهم. باتوا في نظر كثيرين أشبه بأصوليين ينتمون إلى القاعدة وحركة طالبان. وهذا تشبيه كنا نقرأه مراراً في كبريات الصحف البيروتية، في وصف المدينة بـ”قندهار”. 

 

للساحة أسماء وأدوار. فهي عرفت أيضاً بـ”ساحة الله”، او كما خففها إسلاميو المدينة لاحقاً على مدى سنوات فصارت “ساحة النور”. إلا أن أهل طرابلس اعطوها اسماً آخر اليوم: ساحة الثورة.

جاء اليوم مودي كريمة، وحوله الهتافون من كل الأطياف والمذاهب والطوائف والانتماءات في مدينة العلم والعلماء، ليثبتوا العكس. هذه ليست مدينة متطرفة، وقاتلة. هذه مدينة منوعة تحب الحياة. وهنا ليس الكلام رومانسياً، بل هو واقع. ليس في نفوس الطرابلسيين، على رغم ظروفهم وإفقارهم ومعاناتهم، أي حقد سوى على الطبقية التي مورست ضدهم. لا يحقد أهل طرابلس على أحد. كانت المدينة مفتوحة للجميع في عز لهيبها واحتراقها. لم يتوان سكانها يوماً عن مناصرة الآخرين. بيوت الطرابلسيين فتحت لأهل الجنوب والضاحية في عز حرب تموز/ يوليو، فتحت أيضاً للسوريين الهاربين من الموت الأسدي. مدينة بأذرع كثيرة، كانت في الأمس في مشاهدها ملأى بالترحاب. 

يعيد هذا المشهد الطرابلسي منذ 18 تشرين الأول/ أكتوبر سكان المدينة (وهم أيضاً اولاد الأرياف المحيطة بها) انتماءهم الى ساحاتها. خصوصاً الساحة الأكثر شهرة وإثارة للجدل: ساحة عبدالحميد كرامي، او ساحة التمثال، الذي أسقطه شبان “حركة التوحيد الإسلامية” في عز حكمهم الشرعي إبان الحرب الأهلية، والتمثال كان لعبدالحميد كرامي ويعد رمزاً تسلطياً لزعامة آفلة اليوم. لم يعد من آثارها سوى القصر الأحمر المطل على الساحة من تلة كرم القلة. وللساحة أسماء وأدوار. فهي عرفت أيضاً بـ”ساحة الله”، او كما خففها إسلاميو المدينة لاحقاً على مدى سنوات فصارت “ساحة النور”. إلا أن أهل طرابلس اعطوها اسماً آخر اليوم: ساحة الثورة. وهي كانت كل كذلك في كل تاريخها. إذ شهدت تظاهرات الطلاب الشيوعيين واليسار وتظاهرات الأساتذة والعمال والمقهورين والفقراء. تظاهر فيها أيضاً اخوتنا السوريون والفلسطينيون في مراحل مختلفة، حين لم يجدوا لهم ساحة في هذا البلد العنصري. وتظاهر أيضاً فيها أهالي الموقوفين الإسلاميين، الذين أمضى أولادهم أحكاماً مجحفة في سجون الذل اللبنانية. ساحة وقف فيها الكل من أجل مطالب عدة. واليوم هي اختصار لكل هذا وذاك. ساحة لكل الناس، محجبات، سافرات الشعر، علمانيين، متدينين، فقراء، أغنياء. متعلمين، أميين، عمال، مياومين، موظفين. ساحة الثورة، لمدينة أكبر من وطن، وستبقى.

الثورة التي أعادتنا شعباً واحداً

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
نخطو ونحن نحسب خطواتنا بإيقاع نبضنا. لم نكن على قناعة بأن المعركة تستحق كل هذا الدم.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
المزاج السيئ الذي أعانيه في بداية كل شتاء، ليس قدري وحدي
زهير جزائري – كاتب عراقي
صيادو القنابل الغازية يتحركون وسط الساحة بحيوية، كل خبرات كرة القدم في الأزقة الضيقة تستخدم هنا لاعادة الكرة بركلة واحدة إلى مرمى الخصم
ميزر كمال- صحافي عراقي
عشرات الضحايا سقطوا في احتجاجات العراق. هذا التحقيق يوثق كيف تعمدت قوى الأمن العراقي استهداف المحتجين بقنابل الغاز المسيل للدموع …
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
لا يستقيم الحديث عن “مقاومة” لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك “المقاومة” سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب
دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.