fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم محمد

كريم محمد

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

ضابط تحقيق لمثلي مصري: “إحنا دكاترة وحنعالجك”

“قصتنا بدأت حين تقابلنا وحبينا بعض من أول يوم”. لم تكن قصة الفتاتين المصريتين اللتين أعلنتا عن حبهما وارتباطهما، في منشور عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، بتلك السهولة واليسر، كما عبرت عنها إحداهما في جملتها المقتضبة، نهاية العام الماضي.

حالة من الصخب والجدل والهياج شملت النخبة الدينية والإعلامية المصرية، ضد ما وصفوه بـ”الفسق” و”الفجور” و”المرض”. وتصدوا عبر المنصات الإعلامية المختلفة بخطاب تحريضي، طائفي، عدواني، ضد تلك الشريحة التي اعتبروا أن ثمة ضرورة لاستئصالها من “المجتمع العربي المسلم والمحافظ”، والتي تعد مخالفة للسائد فيه من قيم وسلوكيات، والتي لا ينبغي الخروج عليها.

“كان من أسوأ الأيام في حياتي، وضعوني في غرفة الحجز، وصرخ أمين الشرطة بوجهي وهو يدفعني في كتفي قائلاً إنني مومس”، هكذا تخبر أميرة (اسم مستعار)، ما حصل لها أثناء حبسها، قبل عامين، على خلفية اتهامها بـ”المثلية الجنسية”، إذ قبض عليها في شقة صغيرة، على أطراف القاهرة، كانت تسكن فيها بمفردها.

الفتاة العشرينية التي تمكنت من السفر إلى الخارج، تضيف في حديثها لـ”درج”، أن “أمين الشرطة الذي رافقها، وقف خارج الحجز، ومن نافذته الحديدية برز وجهه بين القضبان الحديدية، فيما كانت تلمع منه ابتسامة على الأطراف المعدنية الصدئة، ونادى على سيدة أربعينية، عرفت بعد ذلك أنها من أقدم السجينات في الحجز، وتعتبر صاحبة الكلمة الآمرة والناهية فيه، ومسؤولة عن تنظيم أوضاع المحبوسين، وتسريب الطعام والزيارات والسجائر من خارج السجن إلى الزنزانة، فقال لها بصوت مسموع: “العروسة دي معاكم الليلة وهتتعرض على النيابة بكرا… عاوزها تتبسط”.

كانت تلك الشيفرة التي تبادلها الطرفان لإيقاع الفتاة في قبضة التحرش من السجينات، والاعتداء الجنسي، والانتهاك الجسدي، إذ امتدت الأصابع تعبث في زوايا جسدها، طيلة تلك الليلة التي وصفتها بـ”المهينة”.

بتهمة “الترويج للشذوذ الجنسي والتحريض على الفجور”، بحسب مذكرة الاتهام، قُبضَ على ناجي (اسم مستعار)، وهو في العقد الثالث من عمره. اعتبر الشاب أن القبض عليه مخالفة للقانون، لعدم وجود نص صريح يحرم المثلية الجنسية، لكنه، حين بادر بذلك أمام جهات التحقيق، سبه قاضي التحقيق بعبارات جنسية، تشير إليه بضعف في رجولته، وتشكك في قدراته الجنسية وذكوريته.

تعرض ناجي للضرب المبرح من العناصر الجنائية في الحجز، كما يصرح لـ”درج”، فضلاً عن إهانته بأساليب متفاوتة. وحاول عبر محاميه أن يثبت الخدوش التي كانت في جسده، وأن يوثق الفحوص الشرجية التي تعرض لها أثناء التحقيق معه، لإثبات ممارسته المثلية الجنسية، وهو إجراء متبع أثناء التحقيق، والذي يتم بغرض الإهانة والتنكيل، من ناحية، ومضاعفة الآلام الجسدية والنفسية، من ناحية أخرى. لكن فشلت محاولات محاميه، وحفظت التحقيقات من دون أن يستجيب له أحد.

يظل موضوع الجسد هاجساً لدى السلطة، التي تعمد إلى قمعه وتقويض حريته، وفرض السيطرة عليه، من جهة، وإنتاج قيمها الخاصة التي تقوم بتمريرها للأفراد التابعين لها، وتعمل على مراقبتهم وتشكيلهم من خلال أدواتها ووسائلها، فتحبسهم داخل دائرتهم المرئية ومناطق نفوذهم، وتكبح أي حركة منفلتة، فيعيش الأفراد وذواتهم تحت ضغوط، بما لا يسمح إلا بالرضوخ.

وكما يشير ميشال فوكو في الجزء الأول من كتابه: “تاريخ الهوية الجنسية”: “يجب تحليل السلطة كشيء يتم تداوله، أو شيء لا تؤدى وظيفته إلا في شكل سلسلة… الأفراد وسائل تنقل السلطة، وليسوا مواقع تنفيذها”.

لذا، فإن الجسد يجب رؤيته “كسطح للأحداث مسطور عليه”، بحسب تعبير صاحب “المراقبة والعقاب”، أي مسطور عليه الأحداث التاريخية، والقرارات السياسية، التي شكلته وراكمت عليه خطاباتها المعرفية.    

إبان الحفل الغنائي الذي دشنه الفريق اللبناني “مشروع ليلى”، قبل عامين، في مصر، وظهور علم قوس قزح “رينبو”، قامت حملة إعلامية وأمنية، وقبضت على كثر من المشاركين في الحفل، حوالى 50 شخصاً.

وصدر قرار من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يقر بمنع ظهور المثليين في وسائل الإعلام، إلا لإعلان “التوبة” عما فعلوا. ووصف المجلس المثلية بأنها “مرض وعار يحسن التستر عليه لا الترويج لإشاعته”، وذلك بغية حماية الأخلاق العامة.

وأعلن الأزهر أنه سيتصدى للمثليين بالطريقة نفسها التي يتصدى بها للإسلاميين المتطرفين. وبالمثل، عقدت إحدى الكنائس مؤتمراً ضد المثلية، لدعم الموقف الرسمي للدولة.

“تعتقل الشرطة في مصر بشكل روتيني الرجال المثليين، ومزدوجي التفضيل الجنسي، والنساء المتحولات. فهي تبحث عنهم عبر تطبيقات المواعدة ووسائل الإعلام الاجتماعي”. هذا ما استخلصته نتائج بحث أجرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني، مقرها القاهرة.

وثقت المنظمة محاكمة 34 شخصاً على الأقل بسبب السلوك الجنسي المثلي بالتراضي، على مدار عام كامل، وهو العام الأول في فترة تولي عبد الفتاح السيسي السلطة، حين سجن مئات الأشخاص بتهم السلوك الجنسي المثلي.

وتشير المنظمة إلى أن “مصلحة الطب الشرعي” المصرية، تُجري للأشخاص فحوصاً شرجية، بصورة قسرية، وذلك بشكل روتيني، على رغم أن خبراء الطب الشرعي في جميع أنحاء العالم أدانوا هذه الممارسة لافتقارها إلى أي صحة علمية، وانتهاكها أخلاقيات مهنة الطب. وتعد الفحوص الشرجية إحدى التقينات القديمة التي طورت لكشف المثليين جنسياً، في القرن التاسع عشر.

 

لفتت تجارب المثليين الذين وقعوا في قبضة الأمن، إلى أن تحويلهم إلى مصلحة الطب الشرعي لإجراء الفحوص الشرجية، يكون بصفة تعمدية، للإهانة والتعذيب

 

ووصف تقرير أصدره المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، تلك الفحوص بأنها شكل من أشكال التعذيب أو سوء المعاملة التي يحظرها القانون الدولي.

وفي مقابلة أجراها باحثو المبادرة في آب/ أغسطس 2016، مع أحد المقبوض عليهم، أوضح الشاب أنه تم القبض عليه من ميدان التحرير، وسط القاهرة، وتم اصطحابه إلى مقر شرطة الآداب، وطالبه الضابط بأن يعترف بحدوث واقعة اعتداء جنسي وهو طفل، أدت إلى اعتياده على ممارسة الفجور، وأثرت في سلوكه المثلي.

بيد أن الشاب الذي أدلى بشهادته إلى فريق المنظمة الحقوقية، رفض هذا الكلام، والضغوط التي تعرض لها، إذ عُرض على ضابط آخر، أعلى رتبةً، بدأ يقول له، بحسب ما جاء في البحث المنشور: “احنا دكاترة وهنعالجك، وحاول إقناعي، بينما كان يشير إلى شهادات معلقة على الحائط خلفه، وأنه يملك خبرة في علاج الحالات الشاذة، لكنني لم أرضخ لكل تلك المحاولات، وباءت بالفشل، وتمسكت بموقفي”.

لفتت تجارب المثليين الذين وقعوا في قبضة الأمن، إلى أن تحويلهم إلى مصلحة الطب الشرعي لإجراء الفحوص الشرجية، يكون بصفة تعمدية، للإهانة والتعذيب، إذ إن تقارير الفحص الشرجي كلها تقريباً، تذيلها ملحوظة تفيد بأن ممارسة الجنس الشرجي ممكنة، من دون أن تخلف علامات ملحوظة، وهذا يؤكد أن الذين يجرونها يبدو أنهم يعرفون أنها لا تكشف عن أدلة.

وإلى ذلك، فإن الغرض الوحيد الذي تحققه الفحوص الشرجية، هو عقاب المتهمين في هذه القضايا وإهانتهم، بحسب المبادرة المصرية.

 

إقرأ أيضاً:

هيثم محمدين في السجون المصرية: كيف تحلم بوطن فتصبح خلف القضبان

مصر: ذهول مابعد الإعدام

إقرأ أيضاً