fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

طارق رمضان من الدفاع إلى الهجوم

كتاب جديد، مقابلة إعلامية مباشرة على الهواء، مؤتمر صحافي، حلقة إذاعية ولقاءات مكثّفة في الكواليس. يقف طارق رمضان وهو متهم بأكثر من قضية اغتصاب وتحرّش، اليوم، في أوّل ظهور علني له، بعد إخلاء سبيله لقاء كفالة مالية وصلت إلى 3000 يورو وسحب جواز سفره، أمام طيف واسع من المسلمين وغير المسلمين الذين باتوا ينظرون إلى الرجل، مهما اختلفت وتنوّعت أفكارهم ومواقفهم الأولية، بشيء من الغرابة والدهشة. تلك النظرة ستلاحق الداعية الإسلامي الأشهر في أوروبا والبروفيسور السابق للدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أوكسفورد العريقة، لأنّها تستند إلى فعل “الصدمة” وتبعاتها، تلك التي تولّدت في زخم حملة “مي تو” النسويّة المناهضة للتحرش.

الداعية الإسلامي طارق رمضان

وحده، الرجل الخارج إلى معركةٍ إعلامية لن تكون الأخيرة، يعرف كارثية نتائج المسلسل الطويل الذي بدأ منذ نحو العام ونصف العام، بتهم الاغتصاب والعنف الجسدي وصولاً إلى استغلال طالبات قاصرات، نفاها رمضان، واعتبرها “فصلاً من فصول المؤامرة عليه” في مقابلته الأخيرة مع جان – جاك بوردان على قناة “بي أف أم تي في”. في المقابلة التي شهدت متابعة قياسية من الفرنسيين، فنّد رمضان الاتهامات التي وجّهت إليه، ورفضها بشكل قاطع، مع اعترافه الصريح بإقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج مع سيّدات، كانت له لقاءات دوريّة معهنّ أو تعرّفن إليه في صفوف ومحاضرات جامعية ولقاءات فكريّة.

رمضان الذي بدا متعباً جسدياً بسبب معاناته من التصلّب اللويحي، ظهر أكثر تماسكاً على الصعيد النفسي، وخاطب جمهوره قبل خصومه في مسعى واضح إلى استقطاب الفئة المترنّحة “التي شكّت في لحظة ضعف بصدقيّة قائدها”. واستعاد الرجل بحنكة خطاب العنصرية والإسلاموفوبيا في فرنسا، موظّفاً إياه لخدمة الدفاع عن “صوت الإسلام المعتدل الذي لا يريده الغرب”.

في المقابلة التي شهدت متابعة قياسية من الفرنسيين، فنّد رمضان الاتهامات التي وجّهت إليه، ورفضها بشكل قاطع، مع اعترافه الصريح بإقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج مع سيّدات

في ردّه على أسئلة بوردان، لم يغيّر رمضان في استراتيجيته المعتادة القائمة على مبدأ المظلومية (victimisation) الإسلامية والمؤامرة الغربية على المسلمين، لكنّه وجد نفسه هذه المرة الضحية التي تستأهل دفاع المسلمين كلهم. شيء ما يذكّرنا بطروحات المنظّر الإسلامي وشكوكيته بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، لكنّه يحيلنا أكثر إلى قراءته التحليلية للانتفاضات العربية مطلع عام 2011، في كتابه “الإسلام واليقظة العربية” حين تساءل عن مصدر تلك الهبّات الشعبية المفاجأة (Des soulèvements sous influence).

غلاف كتاب “واجب الحقيقة” للداعية الإسلامي طارق رمضان

ولأنّ طارق رمضان يؤمن، إيماناً مطلقاً، بنظريات المؤامرة، كان من الطبيعي أن يرى نفسه هدفاً لمؤامرة كبيرة تحاك ضده. لكنّه لم ينتبه إلى أنّ المؤامرة إذا صحّ وجودها وتأكّدت أهدافها، لا تنطوي على استهداف جماعي كما حاول أن يصوّرها، وأنّ التماهي مع “المسلمين” – من منطلق أنّهم في خندقه – كضحايا حتميين، لن يمرّ مرور الكرام هذه المرة.

أصوات قديمة من الحرس القديم وأصوات حديثة رافقت طارق رمضان لسنوات، خرجت لتعبّر عن غضبها ممّا جاء في مقابلة الرجل، كالكلام الصادر عن الباحث الإسلامي عبد العزيز الشعمبي، الذي قال في صريح العبارة في لقاء في مدينة ليون “لا أعرف أي رباطة جأش وأي قوة يمتلك رمضان لمحاولة العودة إلى الساحة مجدّداً. ليختفِ بشكل سريع”. أما الأوساط الإسلامية في الضواحي الباريسية فعبّرت عن تململها من اعترافات رمضان ومحاولته التغطية على حجم الفضيحة.

وفي السياق ذاته، نقل فانسان جيسير، الباحث في إسلام فرنسا، على لسان “اتحاد مسلمي فرنسا” مطالبتهم رمضان بالصمت وعدم تبرير أخطائه. وكان الاتحاد أصدر بياناً قال فيه إنّه “يشعر بالخيانة الكبيرة من رجل ادّعى لسنوات طويلة أنه يؤمن بمبادئ الإسلام وقيمه”. أما في مرسيليا، فلم يوفّر الداعية سليم لاعيبي رمضان من انتقاداته، وقال “إنّه بممارساته تجاوز القيم والأخلاقيات التي يقوم عليها الدين الإسلامي”.

اختار طارق رمضان يوم 11 أيلول لإصدار كتابه الجديد الصادر عن Presses du Châtelet. الكتاب الذي يحمل عنوان “واجب الحقيقة” devoir de vérité، يأتي ليرسم بيوغرافيا ذاتية للرجل وللحديث عن معاركه الأخيرة، التي تحتّم عليه “إصلاح ما يمكن إصلاحه بعد تشويه صورته”، على حدّ تعبيره في معرض تقديمه للكتاب على أثير إذاعة فرانس-مغرب 2.

وإذا كان رمضان يعرف جيّداً أنّ الدفاع عن النفس ومحاولة استعادة صورته التي تحظى باحترام واسع في الأوساط الإسلامية في أوروبا، مسألة غير سهلة من خلال مقابلة إعلامية قصيرة أو تقديم إذاعي لكتابه، فإنه يعتمد بشكل كبير على الندوات التي سيعقدها مباشرة على الهواء- إذ يستحيل انتقاله إلى خارج فرنسا، بسبب سحب جواز سفره وإلزامه الحضور أسبوعياً إلى مركز للتحقيق- كتلك التي عرضت على قناته في “يوتيوب” وفيها تحدّث عن إصداره الأخير.

في 293 صفحة، يعرض الداعية الإسلامي مسيرته الأكاديمية ومواقفه النظريّة، ويتطرّق إلى تهم الاغتصاب التي ينفيها، ويصرّ على أنّ العلاقات الجنسية التي أقامها كانت بالتراضي مع الطرف الآخر. ويستعيد ذكريات السجن، تحديداً اليوم الأول، إذ “لم يغب ذكر الله عن لسانه” و”حضرت زوجته وأطفاله بشكل دوري”.

لا يبدو أنّ الرجل الذي استطاع في فترة زمنية قصيرة أن يصبح رمزاً لأجيال من أبناء الضواحي – الذين كانوا يشيرون إليه كصورة مثالية ناصعة في واقع اجتماعي مأزوم – سيتراجع في معركته التي بدأ فصلاً جديداً منها. وهو بانتقاله من الدفاع، الذي حصّنه بقرار قاضي التحقيق بإخلاء سبيله، إلى الهجوم الذي افتتحه بدعاوى قدح وذم وتشهير في شباط/ فبراير الماضي، يستكمله اليوم في “واجب الحقيقة”، الذي يسعى إلى تحقيقه مشبّهاً نفسه بالضابط اليهودي ألفرد درايفوس الذي شكّلت قضيته صراعاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً، انقسم فيه الفرنسيون إلى مؤيد ومعارض في نهاية القرن التاسع عشر في عهد الجمهورية الثالثة.

سهى بشارة في زنزانة العهد!

إقرأ أيضاً