fbpx

هنا القصة الثالثة

كريم شفيق

كريم شفيق - صحفي مصري

مقالات الكاتب

“ضرب المرأة وتأديبها”… دوائر الخوف القاتلة

تحدث شيخ الأزهر، أحمد الطيب، عن إباحة ضرب الزوج امرأته، وأوضح في برنامجه التلفزيوني “مع شيخ الأزهر”، أن “ضرب الرجل زوجته له نظام وحدود، فمن شروطه ألا يكسر لها عظماً، أو يؤذي لها عضواً، فإذا تجاوز الحدود فهذا حرام، ويعاقب عليه. كما لا يجوز أن يضربها باليد. ولا يكون الضرب على الوجه ويمنع أن يخدش شيئاً أو يترك أثراً نفسياً على الزوجة، ومن هنا نرى أن المراد بالضرب هو الضرب الرمزي بالمسواك مثلاً أو فرشاة الأسنان في هذا الزمن”.

لم يمر هذا الكلام بصورة عادية وسهلة، وحاول الطيب أن يمرر “النص” بأقصى درجات المرونة الممكنة، ويتعامل مع الحديث القرآني الصريح، حول أنماط ما يمكن تسميته “تأديب المرأة”، على أنه حدث استثنائي واضطراري، موجّه ضد المرأة “الناشز”، وحاول اعتباره شيئاً رمزياً، لا يُقصد منه الأذى الجسدي أو النفسي.

بيد أن تلك التناقضات التي وقع فيها العقل المتحايل، الذي اعتمده الطيب في محاولته الالتفاف حول النص، وتقديم رؤية توفيقية مقبولة في المجتمع (وفق اعتقاده)، على ألا يخالف في الوقت ذاته أقواله الصريحة وتفسيراته الرائجة، تسببت في موجة هائلة من الهجوم والسخرية، تبعاً لهذه الرؤية التلفيقية التي يقع فيها كثيرون. فهؤلاء من مواقع فكرية مختلفة؛ ويعتمدون مركزية النص الديني، ويجعلون منه مرجعية مؤسسة للقيم والسلوكيات المعاصرة، التي تختلف في معاييرها وشروطها الزمنية والتاريخية، مع لحظة النص التأسيسية.

حاول الطيب أن يمرر “النص” بأقصى درجات المرونة الممكنة، ويتعامل مع الحديث القرآني الصريح، حول أنماط ما يمكن تسميته “تأديب المرأة”، على أنه حدث استثنائي واضطراري، موجّه ضد المرأة “الناشز”

لا تبدو الأزمة، في الواقع، في ما صرح به شيخ الأزهر؛ فليس من المتوقع أن يخالف رجل دين، يقبع على رأس المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، وبكل ما تحمله من رأسمال رمزي في العالم الإسلامي، نصوصاً صريحة في القرآن، ويتعامل معها بتأويل ينفي صلاحيتها، ويعطل التشريعات المترتبة عليها.

الشيخ أحمد الطيب

بيد أن المأساة الحقيقية تقع في دوائر الخوف، التي تهيمن بحدودها على المفكرين والحقوقيين، ممن ظلوا لعقود طويلة، يقعون تحت وطأة الابتزاز الديني، وسلطته، ويخشون المواجهة حتى نهايتها، فيلجأون إلى الطريقة الاحتيالية ذاتها، عند محاولة صوغ تشريعات جديدة في قانون الأحوال الشخصية، مثلاً، وتحديد موقع الشريعة ودورها، في ضبط آلياته، ووضع رؤيته وأفكاره الجديدة.

يؤول ذلك في النهاية إلى تقديم الدين، على مجمل الحقوق والمكتسبات الفردية، وإهدار قيمة الحرية مقابل تأبيد قيم الخضوع للجماعة، والطائفة، والأمة، والعشيرة، وحبس الفرد داخل مفاهيم منغلقة وقديمة، ضمن التراث الديني التقليدي، كالطاعة والقوامة والاتباع والولاء والبراء.

حاول الطيب أن يخفف من وطأة العنف في الخطاب القرآني، الذي يجعل القوامة للرجل على حساب المرأة، ويشير إلى ضربها، فقط، بهدف الإصلاح، وبوسائل غير مبرحة، إلى جانب وسائل أخرى، يتحرى الاستعانة بها، كهجرانها في الفراش، وحرمانها من الجنس، وفي الأخيرة، يعكس الخطاب الديني رؤية نفعية وذكورية، ليس بمقدور أحد أن يفلت من واقعيتها وحقيقتها.

فقد جعل من المرأة وسيلة للمتعة، وكأن تلك العقوبة “الجنسية”، لا تشمل الرجل، الذي قد يكون متزوجاً من غيرها. وفي كل الأحول، لا تستطيع المرأة أن ترد الصاع صاعين، عليها أن تتصبّر وحسب.

ثمة أمر يحتاج إلى مراجعة جادة وذاتية، سواء من جانب شيخ الأزهر أو غيره من الفقهاء، وهو الاطلاع على واقع المجتمع، بشكل كاف، ومعرفة حالة أفراده النفسية والمجتمعية، بخاصة، أنهم يعيشون في ظل أزمات اقتصادية وطبقية، تؤدي إلى حالات انفلات وأشكال عنف كثيرة، توثقها جهات حكومية رسمية، وتصدر بها أرقاماً موثقة. ناهيك بواقع ما يدور في القضاء ومحاكم الأسرة المصرية، التي تكشف عن وقائع وحالات الطلاق. وفحص تفاصيل أي قضية أو حالة، يضع أصحاب “العمائم” أمام ضرورة ملحة، للكف عن أي حديث يضع إغراءات شرعية، لمزيد من العنف والاضطهاد.

وبحسب الدكتورة فاتن عبد اللطيف، عضو المجلس القومي للمرأة، وهي جهة حكومية مصرية، فإن حوالى 1.5 مليون امرأة مصرية، يتعرضن للعنف الأسري سنوياً، كما أن قرابة 70 في المئة من حالات الاعتداء على الزوجات سببها أزواجهن، و43 في المئة من النساء المتزوجات يتعرضن لعنف نفسي، و32 في المئة تعرضن لعنف بدني، و12 في المئة تعرضن لعنف جنسي.

حوالى 1.5 مليون امرأة مصرية، يتعرضن للعنف الأسري سنوياً

وتوضح عبد اللطيف، في تقرير رسمي، أن 29 في المئة من الزوجات المصريات يتعرضن للعنف الجنسي من أزواجهن، واختيار أوقات غير ملائمة للمعاشرة الزوجية، ما يسبب لهن أذى نفسياً وبدنياً، إذ تشكو كثيرات من أزواجهن الذين يتحولون إلى وحوش أثناء ممارسة الجنس.

وتضيف: “نحاول في المجلس التصدي للعنف والأذى اللاحق بالمرأة، لكن في الواقع المشكلة تكمن في ثقافة المجتمع المغلوطة، والتي تقوم على تقبل المجتمع العنف الذكوري ضد الإناث، لذلك نحتاج إلى تغيير ثقافة المجتمع، عموماً، وتوعية الفتيات بحقوقهن منذ الطفولة، وتعليمهن رفضن العنف، بكافة أشكاله”.

إذاً، لم يكن ما قاله شيخ الأزهر، حول جواز ضرب المرأة الرمزي، أو الهادف إلى جرج كبريائها، إلا نقطة تضيء على أزمة تأويل الآيات القرآنية ومكانتها، ليس فقط في الاجتهاد الفقهي وإنما في التشريعات المعاصرة، كما تشير الباحثة المصرية، رباب كمال.

 29 في المئة من الزوجات المصريات يتعرضن للعنف الجنسي من أزواجهن، واختيار أوقات غير ملائمة للمعاشرة الزوجية، ما يسبب لهن أذى نفسياً وبدنياً، إذ تشكو كثيرات من أزواجهن الذين يتحولون إلى وحوش أثناء ممارسة الجنس

وتوضح أنه في قضية ضرب الزوجات، مثلاً، احتدم الخلاف بين السلفيين، من جهة، والأشاعرة، في الأزهر، من جهة أخرى، إلى جانب جيل الحداثيين الجدد الذين حاولوا إعادة التأويل بهدف نفي الضرب، واستخدام نظريات لغوية ولسانية، تعتبر أن الضرب ليس المقصود به معناه الحرفي، إنما يعني الابتعاد والفصل.

لكن كمال ترى أن تلك النظريات يمكن نسفها إن تم الاستشهاد بآيات قرآنية، وردت فيها كلمة الضرب بالمعنى الحرفي، كما توضح لـ”درج”، وهو ما ورد في الآية التي تقول: “اضرب بعصاك الحجر”. وورد بمعنى الصفع على الوجه، في الآية التي تقول: “ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم”.

وترى صاحبة “في عرين الأصولية الإسلامية”، أن “أصحاب التفسير الماضوي مثل الطبري وابن كثير، يحاولون انتقاء ألفاظ معسولة لتفسير آية الضرب، وهو ما أدى بنا إلى فتوى الضرب اليسير ومشتقاته العصرية، كما الضرب بـ”فرشاة الأسنان”، لكن هذه الفتاوى احتكمت للقياس، على رغم أن لا قياس في وجود نص، بحسب القاعدة الفقهية الشهيرة”.

إقرأ أيضاً: مصر: سندٌ قانوني لممارسة عنف ضد الأقباط

وترى كمال، أن تعطيل العمل بآيات قرآنية، قد يكون التوجه الأمثل، إذ لا يمكننا، اليوم، مثلاً، التمسك بآية الجزية، أو آيات تحديد اتخاذ ملك اليمين وتنظيمه.

وفي الوقت ذاته، لا يعني ذلك حذف النصوص، لكنها ستبقى بكل تأكيد، ومن دون تحريفها، لأنها دالة على سياقها المكاني والزماني. لكن لا يتم إسقاطها على الظروف المعاصرة، حتى لا تؤدي إلى تكدير السلم المجتمعي وتتحول إلى أداة للعنف والتمييز في ظل الظروف الراهنة.

من جهة أخرى، يرى الدكتور أشرف منصور، أستاذ الفلسفة، في جامعة الإسكندرية، أن “مشكلة الأديان الإبراهيمية أنها تنقل ثقافة مجتمعاتها إلى المجال الديني، وتعتبر الممارسات الاجتماعية ثوابت دينية، كمحاولة لإضفاء شرعية دينية عليها، وقضية المرأة جزء من ثقافة هذه المجتمعات التي يتم نقلها إلى المجال الديني. ودائماً ما يستخدم الدين، بغية تثبيت أوضاع اجتماعية معينة”.

“النص الديني، يأتي في لحظة تاريخية معينة، تبدو مناسبة لمجتمع النزول، لكن التاريخ يتطور والمجتمعات تتغير وتتطور”

ويقول لـ”درج”: “ثقافة الصحراء الفظة الغليظة القاسية هي التي انتصرت، وشكلت درجة من القسوة في رؤيتها تجاه المرأة. كانت المرأة في الحضارات النهرية القديمة؛ مثل، مصر وبابل والهند والصين، ذات مكانة عالية، لكن عندما انتصر أهل الصحراء وثقافة الصحراء، على أهل النهر وثقافة النهر، عانت المرأة وتم اضطهادها ونبذها”.

ويردف: “النصوص الدينية تحتوي على ما هو عقائدي ثابت، وعلى ما هو تاريخي اجتماعي متغير. إذا لم نفصل بين الجانبين فسوف نأخذ ما هو تاريخي اجتماعي على أنه مطلق وثابت وأبدي. الحدود القرآنية لم تعد تصلح الآن، هي واردة صراحة في القرآن، لكن التطور الاجتماعي تجاوزها. وهناك الكثير تجاوزه التطور الاجتماعي. النص الديني، يأتي في لحظة تاريخية معينة، تبدو مناسبة لمجتمع النزول، لكن التاريخ يتطور والمجتمعات تتغير وتتطور”.

عن اعتذار “عايض القرني” وما فعلته فتاوى التشدد بألبوم صورنا العائلية

إقرأ أيضاً