fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

علي سالم المعبقي

مقالات الكاتب

صناعة العبيد.. هكذا تحشد إسطوانة الغاز جماهير الحوثيين

أربع سنوات لا هي من الحرب ولا هي من السلم، لكنها سحقت فقراء اليمن ومنحت الأحزاب السياسية وميليشياتها فرصة لتكديس ثروات من أبواب فساد واسع بات يشكل ركيزة اقتصاد فيه عبودية جديدة، تتمثل  بانتشار ظاهرة شراء الولاءات وتحشيد الجماهير ورفد الجبهات بمقاتلين من ذوي الحاجة.

هكذا وجد أحمد (42 سنة) نفسه مجبراً على الرد على اتصال أحد عقلاء حارة معين في صنعاء وتلبية دعوته للحضور إلى ساحة السبعين للمشاركة في المولد النبوي. “كانت جرة الغاز هي ما ورد على خاطري فعلى رغم أنني لم أعد أطيقهم، لكنني حضرت”، يقول أحمد شارحا لـ”درج” أيام حماسته للحوثيين “قبل أن يغدروا بالزعيم”، ويقصد الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي تحالف مع الحوثيين الذين قتلوه مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

يمنيون كثر يوقعهم القمع والتجويع الممنهج، في عبودية جديدة يقدر تقرير دولي ضحاياها بأكثر من 40 مليون شخص منهم 85ألفاً في اليمن ويعتقد أن هذا الرقم يقل كثيراً مماهو عليه فعلياً منذ اندلاع الصراع.

وينتمي أحمد (اسم مستعار) إلى المذهب الزيدي، لكن صلته المذهبية ليست من نوع التدين المنغلق ناهيك بالتشيع، فهو وإن أدى الشعائر لكنه لم يكن ليشارك في مهرجان مصبوغ بصبغة الأيديولوجيا الخمينية، لولا الخوف من أن يحرمه عاقل الحارة من حصته من الغاز المنزلي وفق ما يقول.

ورث الحوثيون أجهزة نظام الرئيس السابق، ومنها موقع عاقل الحارة (المختار)، فإضافة إلى وظيفته القديمة المتمثلة بمساعدة الأجهزة الأمنية والترويج للحاكم صار العاقل جزءاً من شبكة رسمية، تثرى من خلال التلاعب بالسلع والخدمات مثل غاز الطبخ الذي وصل سعر الأسطوانة الواحدة منه إلى 12000 ريال مقارنة بـ1200 ريال قبل اندلاع الصراع.

وقياساً بالسنوات الأولى من الحرب الأهلية التي يشهدها اليمن على خلفية انقلاب مسلح نفذته ميليشيات الحوثيين والقوات الموالية للنظام السابق، انحسرت الأعمال القتالية والهجمات الجوية كثيراً، بيد أن ذلك لم يحد من عمليات قمع المدنيين وتجويعهم، بل زاد من وتيرتها. فأكثر من 80 في المئة من اليمنيين مثقلون بالديون بحسب البنك الدولي، ويعد الدين من أسباب العبودية الجديدة.

سوق الأيديولوجيا

وفي وقت بات يمنيون كثر يعتبرون ماحصل لبلدهم “لعبة دولية “يراد منها إعادة هيكلة الدولة اليمنية بما يتواءم مع متطلبات تمدد السوق الرأسمالية وصياغة الشرق الأوسط الجديد، بيد أن كارثية هذه اللعبة على الصعيد الإنساني هي الأسوأ. سواء لجهة الجياع الذين تصل نسبتهم إلى أكثر من 80 في المئة من السكان، أم لجهة هتك حرية الإنسان وعقله.

ويقدم عبد الرقيب (اسم مستعار) نفسه بأنه علماني، لكنه يحرص على الحضور صباح كل أربعاء إلى مبنى هيئة الآثار والمتاحف في صنعاء حيث يجتمع هنا مع زملائه من موظفي وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها للاستماع إلى محاضرة مسجلة للسيد عبدالملك الحوثي زعيم جماعة الحوثيين. وهي خطب يصفها بعض الذين تحدث إليهم “درج” بالسطحية والمذهبية، لكنهم يواظبون على حضورها خوفاً من حرمانهم مما تبقى من مصدر رزقهم وهو نصف راتب شهر يصرف بمعدل 4 مرات في السنة أي ما يساوي راتبين خلال 12 شهراً.

وتزعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والتي تتخذ من مدينة عدن عاصمة موقتة لها، أنها تمثل جميع اليمنيين وتسعى إلى القضاء على الانقلاب لكنها شاركت الانقلابيين وبقية الجماعات المسلحة في إذلال المواطن وهتك كرامته وفق ما يرى أحمد وآخرون.

فعقب نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن قبل أكثر من 3 سنوات، تعهدت حكومة الرئيس هادي بصرف رواتب جميع الموظفين بمن فيهم العاملون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون لكنها لم تف بتعهدها ونهجت نهجاً لا يختلف عن نهج الحوثيين اذ قصرت صرف الرواتب على من يتمكن من مغادرة مناطق الحوثيين، وتعاملت معهم بصفتهم نازحين حيث خصصت لهم فرعاً وحيداً لمصرف تجاري يقع في مديرية الشيخ عثمان في عدن.

وعلاوة على مخالفة هذه الطريقة للقوانين ومواثيق حقوق الإنسان، فإنها فتحت باباً إضافياً للفساد. ويقول موظفون يعملون في صنعاء إنهم دفعوا رشى لا تقل عن راتب شهر لسماسرة في عدن ينجزون المعاملات عن بعد، مستفيدين من منع نقاط أمنية تابعة للحراك الجنوبي المدعوم من الامارات، أبناء الشمال من الوصول إلى عدن.

لكن هذه القيود تسري غالباً على غير المنتمين إلى أحزاب. وتحقق “درج” من 20 حالة لموظفين يقيمون في صنعاء ودول عربية وأجنبية حصلوا على رواتبهم من الحكومة الشرعية عبر المحسوبيات الحزبية، من دون أن يضطروا إلى السفر إلى عدن .

تحالف العصابات

شاركت الأمم المتحدة أطراف الصراع في مفاقمة معاناة المدنيين. فبدلاً من أن تركز على ما هو ممكن مثل إلزام أطراف الصراع بصرف الرواتب والتوقف عن نهب الموارد، ظل الممثل الأممي يخوض في قضايا يعلم عدم تحققها على المدى القريب، مثل إيقاف إطلاق النار، وابرام اتفاق سلام دائم.

كما ساهم التحالف لعربي بقيادة السعودية والإمارات في تحويل معظم اليمنيين إلى عبيد حاجاتهم الأساسية توازياً مع تحول القوى السياسية إلى وكلاء محليين لإيران ودول الخليج. فعند ‘طلاق عاصفة الحزم في آذار/ مارس 2015 حدد التحالف مدة 6 أشهر لما سمّاه تحرير الشعب اليمني من انقلاب الحوثيين ثم أعقبها بعملية ثانية أطلق عليها إعادة الأمل، لكن ما فعله أنه عزز من قوة الحوثيين وقضى على ما تبقى من أمل لدى المواطنين.

ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن يوسف سعيد أحمد، لـ”درج” إن الأموال التي تدفعها الإمارات والسعودية للجماعات اليمنية الموالية لها، كان يمكن أن تنقذ العملة اليمنية من الانهيار في حال مرت عبر البنك المركزي لكن تلك الأموال بقيت تنقل جواً ما حرم المصرف من غطاء مالي، وتسبب في انهيار الريال الذي وصلت قيمته الشهر الماضي إلى 800 ريال للدولار الواحد .

وصارت المضاربة بالعملات الأجنبية والتلاعب بأسعارها من الأدوات السياسية للجماعات اليمنية المرتبطة بدول إقليمية وقوى دولية.

ويربط مراقبون بين الهبوط الحاد لقيمة الريال عشية إقالة أحمد بن دغر من رئاسة الحكومة وبين الاستعادة المفاجئة والمتسارعة لقيمته غداة تعيين عبد الملك الوحش.

ولم تستبعد مصادر سياسية تحدث إليها “درج” فرضية أن التعافي المتسارع للريال هدف إلى تلميع رئيس الوزراء الجديد المنتمي إلى الشمال وإقناع الشارع الجنوبي المتجه إلى الانفصال، بأن ثمة شماليبن اكفاء ونزيهين قادرين على بناء الدولة.

ومنذ الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي ترادفت سوق الأيديولوجيا مع الاقتصاد وتوازى التلاعب بالعقول مع التحكم بالأفواه والبطون .

في أيلول/ سبتمبر 2014، برر الحوثيون اجتياحهم صنعاء بإسقاط الجرعة (التسمية الشعبية لقرار رفع أسعار الوقود) ثم ما لبثوا أن حولو اليمنيين إلى السخرة بنصف راتب على ما يقول الموظف عبد الرقيب. لكنهم، أي الحوثيين، يمنحون مناصريهم من الموظفين ما لا يقل عن 1000 ريال يومياً تحت مسمى بدل مواصلات وفق مصادر متطابقة.

ويشكل الفقر والنزاعات أبرز أسباب تفشي العبودية الجديدة، وجاء اليمن في المرتبة الثالثة بعد سوريا والعراق في معدل انتشار العبودية الحديثة في المنطقة العربية بحسب مؤشر العبودية الحديثة.

 

 

إقرأ أيضاً