fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

صناعة السلفية الجهادية في ألمانيا: ديناميكية الهويات والتحول إلى الإسلام العنيف

اختيرت ألمانيا لتكون أحد مراكز الحركات السلفية الراديكالية في اوروبا حيث تكونت شبكات في جميع أنحاء ألمانيا تدير اتحادات مساجد ومراكز إسلامية تنشط في مجال نشر الدعوة والإسلام.  سرعان ما تحولت تلك الجماعات إلى حركة اجتماعية – دينية واسعة النطاق قوامها شباب مسلمون من مختلف الأصول و الأجناس، وقرابة 10 في المئة منهم مسلمون جدد أي متحولون إلى الإسلام. ووفقاً لتقديرات أجهزة الأمن الألمانية في تقرير أصدرته عام 2015 “إن هذه الجماعات ضمت أكثر من 8 آلاف من الاتباع، أي ما يشكل 0.2 في المئة من تعداد المسلمين في الفيدرالية”. وهو رقم ارتفع بشكل مضاعف في السنوات الثلاث الأخيرة بحسب تقارير الأمن الألماني.

في كتابها المعنون “حول صناعة سلفية ألمانية: النشأة، التطور، النشاط الدعوي للحركات السلفية في ألمانيا”، تشير الباحثة في قضايا الإسلام السياسي والشرق الأوسط نينا فيدل إلى “أن سلفيي ألمانيا أسسوا روابط قوية مع علماء ودعاة وحركات السلفيين في مصر، السعودية والمغرب وغيرها من الدول العربية وغيرها من البلدان العربية، الذين قدموا إلى ألمانيا لإلقاء محاضرات في المساجد مثل السعودي محمد العريفي، والمصري محمد شريف حجازي.

الداعية السلفي إبراهيم أبو ناجي

السلفية الألمانية

تأسست الحركة السلفية عام 2005 على يد الفلسطيني ابراهيم ابو ناجي الذي كان يقيم في كولونيا، حيث يقع المقر الرئيسي لمنظمته التي تسمى “جمعية الدين الحق”، وهدفها المعلن هو نشر الإسلام وتوزيع الملايين من نسخ القرآن. استخدم ابو ناجي وأنصاره مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب منابر لنشر أفكارهم وبث خطاباتهم وتسجيلات فيديو تدعو وتحث الألمان على اعتناق الإسلام.

وكان أبلغ ابو ناجي وكالة “دويتشه فيلله” الألمانية أن “حلمه هو أن يتحول كل ألماني إلى الإسلام”، مؤكداً أنه “سيأتي اليوم الذي ستنشأ فيه دولة إسلامية في ألمانيا”. وكان ابو ناجي أدار حملة حملت اسم “اقرأ” لتوزيع ملايين النسخ من القرآن المترجم في السعودية على الألمان، ما دفع دائرة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية)، إلى تصنيفه كأحد “القيادات السلفية الخطيرة في البلاد”.

وأشارت إلى أنه في محاضراته يروج للايديولوجية السلفية ويعبر عن تأييده الجهاد وسيلةً للدفاع عن العقيدة الإسلامية”. وبحسب الباحثة فيدل فإنه “سبقت ظهور الحركة السلفية في ألمانيا، حركتان أصوليتان ضخمتان عابرتان للقومية، هما (جماعة التبليغ) و(حزب التحرير)، وهاتان الحركان مثل السلفيين انخرطتا في دعوة غير المسلمين وجذبتا شباناً مسلمين من مختلف الخلفيات الاثنية والدينية”.

 

صنفت أجهزة الأمن الألمانية ما سمته المساعي السلفية، بأنه تهديد مباشر للأمن، ورأت أن “الدعاية السلفية تساهم في تشكيل تجمع تعبوي من المسلمين الذين يعتبرون أن واجبهم الديني هو تأسيس دولة إسلامية بالقوة إن لزم الأمر”

 

“رددي معي” هكذا دعا الألماني المتحول إلى الإسلام والسلفي بيير فوغل عبر الميكرفون امرأة اعتنقت الإسلام، بعدما قال “لا إله الا الله محمد رسول الله”. حدث ذلك عام 2010 أمام حشد من المسلمين تجمع وسط مدينة أوفنباخ”. فوغل المكنى بـ”أبو حمزة” و”صلاح الدين الايوبي”، كما يطلق عليه اتباعه اسم الفاتح الإسلامي، هو ملاكم سابق، اعتنق الإسلام عام 2001، وبدأ دراسة دينه في إحدى جامعات ألمانيا، ولكنه قطع دراسته وسافر إلى مكة ليلتحق هناك بالمؤسسة العربية لغير الناطقين بالعربية في جامعة أم القرى، عاد بعد ذلك إلى ألمانيا عام 2006 ليبدأ إلقاء محاضرات وإعطاء دروس في الإسلام. واعتبره تقرير صادر عن معهد “جيتستون” الأميركي بعنوان Radical Islam in Germany : The Convert as Missionary، “الألماني الأكثر نفوذاً في الأصولية السلفية في ألمانيا”.

الداعية الألماني بيير فوغل

شكل فوغل مع ستة سلفيين من اتباعه ما سمي “شرطة الشريعة”، في مدينة فوبرتال، قامت بدوريات في أرجاء المدينة لفرض أحكام الشريعة الإسلامية على المسلمين وغير المسلمين، ومنعهم من ارتياد الحانات وحفلات الموسيقى والمراقص، كما أعلنت إنشاء منطقة خاضعة لأحكام الشريعة في حي ألبرفلد في المدنية، إضافة إلى إقامة محاكم شرعية لفض النزاعات وعقد قران القاصرات وغيرها من الأحكام الشرعية الأخرى.

ونقلت مجلة Spiegel Online، مقتطفات من تقرير للشرطة يتحدث “عن إقامة السلفيين هياكل قضائية موازية في ألمانيا”. وكانت السلطات الأمنية اعترضت رسائل متبادلة بين المنظمات السلفية (الدين الحقيقي) في كولونيا مع جماعة سلفيي ميلانو، ومنظمة “الدعوة إلى الجنة”، وغيرها، تبحث في عقد قمة سلفية في كولونيا يحضرها ألف سلفي من دول أوروبا كلها.

ووفقاً لما ذكرته الباحثة في شؤون التنظيمات الإسلامية في برلين كلاوديا دانتشكة فإن “هذه التنظيمات السلفية كانت تسعى من خلال هذا التجمع إلى إعادة ترتيب صفوف تنظيماتها للإفلات من الرقابة الأمنية”، إلا أنها اضطرت بعد أن كُشفت تحركاتها للأمن، إلى الانتقال من برلين إلى ولاية الراين الشمالي ويستفاليا”.

تشير التقديرات الرسمية التي نشرت عام 2009 إلى أن عدد المسلمين في ألمانيا يصل إلى 4 ملايين شخص، أي ما يمثل 5 في المئة من إجمالي السكان، فيما يقدر عدد المتحولين إلى الإسلام ما بين 10 آلاف إلى 100 ألف شخص. وينتمي مسلمو ألمانيا بغالبيتهم إلى الطائفة السنية ( 72 في المئة)، ويوجد علويون (14 في المئة)، وشيعة ( 7 في المئة) وأتباع الأحمدية (2 في المئة). كما أن معظم المسلمين الألمان مهاجرون او نسل مهاجرين سابقين من تركيا (63 في المئة) يليهم مسلمو جنوب شرقي أوروبا (10 في المئة) ومسلمو الشرق الأوسط (8 في المئة) والمغرب (7 في المئة)، ويحمل اقل من نصفهم (45 في المئة) الجنسية الألمانية. ويتضح من استطلاع للرأي أن المسلمين بغالبيتهم (60 في المئة) يتبنون فكرة الفصل بين الدين والدولة، وفي الوقت نفسه يعتبر (86 في المئة) أنفسهم متديينين جداً”.

تعزو فيدل أسباب البحث عن هوية إسلامية عالمية جديدة، يزعم السلفيون أنهم يقدمونها، إلى أن معظم الشبان المسلمين قد عاشوا بأنفسهم صوراً من الاضطهاد والاقصاء والتهميش، وأن أكثر من 50 في المئة من الجيل الثاني والثالث من المهاجرين الألمان لا يعرّفون أنفسهم كألمان، ولا كأبناء بلدانهم الأصلية”.

توصلت دراسة كمية أجرتها سوزانه فوريس وفريدريش هيكمان إلى استنتاج مفاده أن أغلبية طفيفة 2.01 في المئة من ابناء الجيل الثاني والثالث للمسلمين في ألمانيا ممن طلب منهم أن ينسبوا أنفسهم إلى مجتمع أو بلد معين، قالوا إنهم يعتبرون أنفسهم ذا انتماء عالمي، أو أنهم بشر أو أنهم متعددو الهويات، فيما اعتبر 3.2 في المئة فقط أنهم ألمان، وقال 1.34 في المئة إنهم يعدون أنفسهم منتسبين إلى بلاد آبائهم الاصلية”.

وصنفت أجهزة الأمن الألمانية ما سمته المساعي السلفية، بأنه تهديد مباشر للأمن، ورأت أن “الدعاية السلفية تساهم في تشكيل تجمع تعبوي من المسلمين الذين يعتبرون أن واجبهم الديني هو تأسيس دولة إسلامية بالقوة إن لزم الأمر”. وأشارت إلى “وجود صلة واضحة بين السلفية والتحول الراديكالي”، فيما وصف المكتب الاتحادي لحماية الدستور في تقريره السنوي الحركة السلفية بأنَّها “الحركة الإسلامية الأكثر ديناميكية في ألمانيا”. واوضحت أنَّ “الطبيعة الاستبدادية التي تميِّز الحركة السلفية تتعارض مع أجزاء كبيرة من النظام الدستوري الألماني، فهي ترفض المبادئ التي يقوم عليها النظام الديموقراطي مثل الفصل بين الدولة والدين، والسيادة الشعبية، وحق الفرد في تقرير اختياراته على صعيدي الدين والعلاقات الجنسية، والمساواة بين الجنسين”.

بون: عاصمة السلفية الألمانية

بون عاصمة ألمانيا السابقة ومسقط رأس بتهوفن تحولت خلال العشرين عاماً الأخيرة، بؤرة للسلفية الجهادية ومركزاً لنشر التطرف والعنف الديني بعد قيام الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز بتمويل تشييد مدرسة دينية ومسجد في المدينة بقيمة 20 مليون دولار عام 1994.

أصبحت بون في ما بعد محطة لنشر الفكر الوهابي السلفي، لدرجة أن وكالة حماية الدستور الألمانية قررت عام 2003 وضعها تحت الرقابة الدائمة، بعد أن رصدت أحد المدرسين ينادي أمام التلاميذ بالحرب المقدسة ضد الكفار، واكتشفت أن المناهج الدراسية تمجد الجهاد وتدعو إلى العنف الديني.

اضطرت الرياض إلى إغلاق المدرسة استجابة لضغوط شديدة مارستها الحكومة الألمانية، استمرت لسنوات طويلة، وأوقفت تنفيذ مشروع بإقامة مركز مماثل في برلين، في محاولة منها لإظهار حدوث تبدل في تبنيها الفكر الوهابي والسلفي في ألمانيا وأوروبا ككل. وأوضح الباحث في شؤون الإسلام في معهد هامبورغ لدراسات الشرق الاوسط ( GIGA) هينرفيورتيغ أن “قرار إغلاق هذا المجمع الديني اتخذه ولي العهد محمد بن سلمان في اطار ما وصفه بإجراءاته الاصلاحية في المملكة، ولتلميع صورة السعودية في ألمانيا”. إلا أن الخبير في شؤون الإسلام رالف غادبان رأى في حديث مع “دويتشه فيلله” أن إغلاق المدرسة لن يضع حداً لنشر الأفكار السلفية الجهادية في ألمانيا، ذلك أن جزءاً كبيراً من المسلمين الألمان سيرسلون أطفالهم للدراسة في المدارس الإسلامية في بريطانيا”، ورأى أن “برلين يجب ان تحظر التمويلات السعودية والخليجية للجمعيات والمساجد والمراكز الإسلامية في الفيدرالية وتمنعها”.

جند الله… دمى سلفية

“جند الله” في ألمانيا ليست كما اعتقد كثيرون في بداية ظهور هذا الاسم على الانترنت، أي منظمة إرهابية جديدة في ألمانيا، إنما هي “دمى سلفية” تنتج في كولونيا وتباع على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف “تعليم أشبالنا وشبلاتنا الحشمة” كما كتبت المنتجة على “فيسبوك”. وكان تحقيق استقصائي أجرته هيئة الاذاعة والتلفزيون في ولاية ويستفاليا كشف عن تصنيع هذه الدمى بهدف تلقين الأطفال وجذبهم إلى الإسلام المتطرف. وهذه الدمى كما يتضح من التحقيق هي على شكل امرأة منقبة بالكامل، فيما الرجل على شكل دمية ملثمة”.

على رغم حساسية حكومات الدول الأوروبية وأجهزتها الأمنية التي فرضت رقابة قوية على مصادر التمويل للجماعات السلفية والراديكالية العربية والإسلامية وخصوصاً في ألمانيا، وإطلاق مسؤولين كبار في مؤسسات الدولة الأمنية تصريحات تلفت انتباه ممولي الجمعيات الخيرية الإسلامية والحكومات التي تدعمها بشكل غير مباشر في قطر والسعودية والكويت وتركيا إلى وقف التدخل في شؤون الجاليات العربية والإسلامية في البلاد، إلا أن انسياب هذه الأموال ما زال متواصلاً بحسب تقرير لوكالة مكافحة الدستور، أعلن أن بحوزته ما يكفي من الأدلة والمعطيات التي تدين جمعيات مثل Revival of Islamic Heritage Society الكويتية، وShaykh Eid Charity Foundation القطرية وMuslim World League السعودية، بتمويل تشييد مساجد ومراكز للجماعات السلفية في ألمانيا”.

وأشار التقرير إلى “أن هذا يحصل في اطار استراتيجية طويلة الأمد لتنمية وتقوية نفوذ هذه الجماعات وتأثيرها في اتجاهات الرأي في أوساط هذه الجاليات”. ونشرت صحيفة “زيودويتشة تسايتونغ”، مقاطع من دراسة أعدتها وكالتا الاستخبارات الداخلية والخارجية تتحدث عن الأساليب التي تستخدمها البلدان الخليجية لمساعدة السلفيين الألمان وتمويلهم، بهدف تصعيد فعالية نشاطات هذه التنظيمات السلفية وزيادتها”.

وأشارت الصحيفة إلى الجمعية الكويتية (RIHS) التي سعت وبذلت جهوداً “لاقامة مركز للسلفيين في ولاية بادن – فيورتيمبرغ، ولكن هذا المشروع تم إيقافه بعد تدخل الشرطة”. ولفتت الدراسة الانتباه إلى هذه الجمعية الكويتية وغيرها من المؤسسات الخيرية الخليجية التي تقوم بنشاطات “ينعدم فيها أي فصل بين التبشير الديني وبين تغذية السلفية الجهادية”. وكشفت وزارة داخلية ولاية الراين وويستفاليا “أن الأمن يراقب 71 من مساجد الولاية التي تحولت إلى منابر لنشر الفكر المتطرف والكراهية الدينية”، إضافة إلى “خضوع 38 مسجداً آخر للرقابة بسبب وقوعها تحت تأثير جماعات قريبة من الإخوان المسلمين”… ويبلغ عدد المساجد في الولاية 850 مسجداً. ولاحظت الدراسة ارتفاعاً في أعداد السلفيين في الولاية خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى أكثر من 3500 سلفي، كما تزايد استقطاب النساء بالمئات. وذكرت وكالة الانباء الألمانية (DPA) عن مصدر أمني رفيع قوله إن “هيئة الاستخبارات صنفت عشرات من النساء السلفيات كتهديد وخطر مباشر على الأمن القومي للدولة”.

من الواضح أن لانتشار الأفكار السلفية في ألمانيا أثراً كبيراً على المشهد الإسلامي المحلي ومكوناته، وهذا لم يكن بعيداً من الدور الذي لعبه الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك الكتب والمنشورات المترجمة التي تروج لمفاهيم السلفية للإسلام وغالباً ما ترافقها فتاوى مترجمة أصدرها علماء سعوديون، يمكن التثبت من وجودها عند البحث في محرك “غوغل”، عن كلمة إسلام حيث تظهر خمساً من الصفحات العشر الأولى سلفية المحتوى.

الدعوة السلفية الجهادية وانتشار أفكارها في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة يمثلان تحدياً جدياً لنفوذ المؤسسات الإسلامية الرسمية، وليس للأجهزة الأمنية الألمانية وحسب، بخاصة بعد أن أدى العنف السياسي الذي يمارسه السلفيون الراديكاليون إلى جعل السلفية رمزاً للتهديد الإسلامي الجديد. وتنامت خلال السنوات الثلاث الأخيرة مخاوف الألمان وهواجسهم من المسلمين والإسلام ككل، إذ كشفت دراسة اعدها “البوندستاغ”، أن كراهية الإسلام ليست ظاهرة مرتبطة باللاجئين فقط، إذ إن 55.7 في المئة من الألمان الذين تم استطلاعهم أعلنوا أنهم لا يريدون وجود مسجد بالقرب من مناطقهم السكنية، ودعا 70 في المئة إلى منع الحجاب في المدارس والمؤسسات، وقال أكثر من 33 في المئة أنهم لا يريدون مجاورة مسلمين في مناطقهم السكنية.

 

إقرأ أيضاً:

لسلفية الفرنسية (2):من الجاهلية العلمانية إلى عنف الطوبى الإسلامية

 السلفية الفرنسية (1): أسلمة الراديكالية والأساطير الثلاث

إقرأ أيضاً