صفقة القرن تهديد وجودي للأردن

عدنان أبو عودة – سياسي وكاتب أردني
يونيو 3, 2019
الأردن نظاماً وشعباً، قَلِق من صفقة القرن، بينما السلطات الرسمية العربية الأخرى التي تعبّر عن رفضها صفقة القرن، فلا تشارك الأردنيين والفلسطينيين قلقهم الذي يصل حد الخوف. فما هو تفسير ذلك؟

الأردن نظاماً وشعباً، قَلِق من صفقة القرن، وهو في ذلك يشارك السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني القلق ذاته، الذي يعيشه أيضاً مثقفون صادرون عن وجدان جماعي عربي.

أما السلطات الرسمية العربية الأخرى التي تعبّر عن رفضها صفقة القرن، فلا تشارك الأردنيين والفلسطينيين قلقهم الذي يصل حد الخوف. فما هو تفسير ذلك؟ الحركة الصهيونية منذ نشوئها تقوم على ركيزتين اثنتين: الأولى: الاستيلاء على أرض فلسطين وقد أمّنت ذلك في حرب 1967، أما الثانية فهي الديموغرافيا أي أن تقيم الصهيونية دولتها لتكون فقط لليهود، وقد عبرت إسرائيل عن ذلك بوضوح في قانون القومية الذي سنته منذ وقت قريب.

الملك عبد الله الثاني في لقاء مع كوشنر في عمان.

الأردن وفلسطين يخشيان من صفقة القرن، لأنها ببساطة تستبعد حل الدولتين. أما السبب الثاني للقلق والخشية، فهو أن صفقة القرن المعروفة من خلال تسريبات تنطلق من المقاربة التي عبّر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره كوشنر المكلّف بالتنفيذ. والمقاربة كما أعلنها الاثنان هي مقاربة اقتصادية، لا سياسية. وقبل نحو ثلاثة أسابيع نشر خبر عن لقاء كوشنر مع مئة سفير في واشنطن من دون ذكر هويتهم. هل هم سفراء أميركيون عاملون ومتقاعدون، أما هم سفراء الدول الأخرى في واشنطن؟ ذكر أحد هؤلاء السفراء أن خطة كوشنر كما سمعها منه تقوم على مقاربة من أسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل. ماذا يعني ذلك؟

From Bottom up وليس From top to bottom.

من أعلى إلى أسفل، تعني أن القرار سياسي ويُعمل على تنفيذه، أما من أسفل إلى أعلى، فتعني، السعي إلى إنجازات متعددة على الأرض من دون تحديد فترة زمنية للتنفيذ. وبذلك يكون بناء تدريجي لأمر واقع جديد على التراب الفلسطيني وفي الجوار، حيث سيؤسس لواقع يُفترض أن يحسّن أوضاع الفلسطينيين حيث هم، ليحل تحقيق المنفعة الشخصية والجمعية محل الدولة الوطنية. ومن المعروف أن الحركة الصهيونية وإذ بدأت عملها في فلسطين اتبعت استراتيجية اسمها التسلل الناعم لبناء الأمر الواقع، وانتظار اللحظة المناسبة لشرعنته. هذا ما حدث في فلسطين. هجرة وبناء مستوطنات إلى أن وقعت الحرب العالمية الثانية، وكانت اللحظة المناسبة لتوظيف الهولوكوست في الغرب المسيحي لتأمين وطن آمن لليهود.

وصفقة القرن كما فهم منها حتى الآن، تقوم على تأسيس مشاريع اقتصادية تلبّي حاجة الفلسطينيين للتوجه نحو حياة أفضل خارج المخيمات، ينشغلون خلالها في بناء الذات. وأشبّه هذا التخطيط ببناء لوحة فسيفسائية لا يُعرف شيء عنها في بداية العمل، ولكن عند اكتماله تتضح. في رأيي أن هذه المقاربة قد تنجح ومن هنا يأتي السبب الثاني لقلقنا في الأردن نظاماً وشعباً.

لكننا مع ذلك ينبغي أن نتذكر أن كلمة صفقة لا تعني عملاً منفرداً، بل تحتاج إلى شريك. والشريك الطبيعي هو السلطة الفلسطينية التي ترفض المشروع جملة وتفصيلاً. وعلى رغم رفض الشريك الطبيعي يواصل كوشنر وفريقه العمل. والمحطة المقبلة ستكون في البحرين مع الجهات الممولة والموافقة على هذه الخطة. ترى هل يعتبر كوشنر أن المتبرعين هم الشريك البديل للفلسطينيين، والشريك الفلسطيني السياسي سيأتي دوره حينما تنتهي اللوحة فتنشأ حقيقة جديدة قد تسهّل جذب الشريك لاستكمال الاتفاق القانوني؟

صفقة القرن كما فهم منها حتى الآن، تقوم على تأسيس مشاريع اقتصادية تلبّي حاجة الفلسطينيين للتوجه نحو حياة أفضل خارج المخيمات، ينشغلون خلالها في بناء الذات.

إن الصفقة أثناء التنفيذ كما شرحت ماهيّتها، لا تحتاج إلى شريك فلسطيني بل مموّل متعاون. الحاجة إلى الشريك تنشأ عندما يحين وقت الشرعنة، أي تحويل الواقع الجديد الذي تصنعه المشاريع الاقتصادية، بما تنطوي عليه من تحولات اجتماعية وتوجهات سياسية مصاحبة، إلى اتفاق سياسي يوقعه الطرفان المعنيان أي إسرائيل والسلطة الشرعية الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية الحالية ترفض المشروع من أساسه، لأنه بالدرجة الأولى لا يشير إلى قيام دولة فلسطينية، بغضّ النظر عن ملحقاتها من حق العودة والقدس الشرقية عاصمة الدولة. والسؤال هو: هل التحول المنشود كما يتصوره صاحب المشروع كفيل بإنتاج سلطة جديدة تقبل ما لا تقبله السلطة الشرعية الحالية؟ أو هل سيسعى صاحب المشروع خلال فترة التنفيذ إلى صناعة قيادة جديدة بالتعاون مع دول عربية تدعم المشروع وتموله؟ أنا شخصياً لا يمكنني التنبؤ بذلك، لمعرفتي بأن الموقف الفلسطيني منذ قرار التقسيم عام 1947 حتى يومنا هذا قد تبدل جذرياً مرات عدة، مِن رفض وجود إسرائيل كدولة على أرض فلسطين سياسياً إلى فشل منع الوجود عسكرياً والإكتفاء بحصارها اقتصادياً لمدة 18 عاماً من 1949 إلى 1967، مروراً بالقبول بوجودها والاكتفاء بانسحابها من الضفة الغربية والقطاع تطبيقا لقرار مجلس الأمن 242، إلى تحويل القضية، إلى من سيحكم الضفة بعد الانسحاب؟ الأردن أم المنظمة؟ إلى برنامج النقاط العشر عام 1974 الذي وجّه برسالة للعالم وبخاصة أميركا بأن المنظمة جاهزة للعمل السياسي، إضافة إلى القرار العربي الذي اعتبر المنظمة الممثل الشرعي الوحيد ودعمها في أن تكون الوريث السياسي لحكم الضفة الغربية، وصولاً إلى استجابة الأردن عام 1988 لفك الارتباط مع الضفة الغربية، وتحويل الانتفاضة الفلسطينية من قبل حركة فتح إلى أداة سياسية، أوصلت المنظمة إلى مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو السري الذي اعترفت بموجبه المنظمة ممثلة الشعب الفلسطيني بإسرائيل، من دون أن تحظى من إسرائيل بالاعتراف بحقها في دولة مستقلة.

كيف يمكن أن يتنبأ المرء بماذا سيكون موقف إسرائيل على ضوء هذه المعرفة حين ينتهي مشروع صفقة القرن؟ على ضوء تتبع الجدلية الفلسطينية الصهيونية التي ذكرت أخشى أن يجد صاحب المشروع من يبدي استعداده للقبول من منطلق تفضيل الحياة الاقتصادية الكريمة على الحرية.

أما بالنسبة إلى الأردن فهو يخشى من هذه النتيجة وقد لخص الملك عبد الله الثاني المخاوف الأردنية بثلاث لاءات أصبحت اليوم شعاراً وطنياً وهي أولاً: لا لسحب وصاية الأردن عن الأماكن المقدسة في القدس الشرقية والثانية: لا لتوطين الفلسطينيين في الأردن والثالثة: لا للوطن البديل، أي تحويل الأردن إلى وطن للفلسطينيين بدل الأرض الفلسطينية الأم. ويركز المسؤولون الأردنيون في تصريحاتهم حين يُسألون عن صفقة القرن بتأكيد موقف الأردن من حل الدولتين. أي أن المخرج من الواقع الحالي هو حل الدولتين، وحل الدولتين بالنسبة إلى الأردن يحجب مخاوفه من التوطين والوطن البديل. فلا يحتاج المسؤول الأردني إلى أن يقول، أنا ضد صفقة القرن، ويوظف تعبير حل الدولتين لتأكيد حاجته له، بدل القول أنا ضد صفقة القرن موحياً بأن صفقة القرن هي تهديد وجودي للأردن.

إقرأ أيضاً: صفقة القرن: ليس لدى لبنان سوى فضائحه

الأردن الذي يضم أكبر جالية فلسطينية خارج فلسطين، معظمها يحمل الجنسية الأردنية، يخشى أن توظف مشاريع صفقة القرن لجذب مزيد من الفلسطينيين إليه ويأتي اليوم الذي تدعو فيه إسرائيل على ضوء هذا الوقع المحتمل إلى اعتبار أن الأردن هي فلسطين. وبهذا المعنى تصبح صفقة القرن بالنسبة إلى الأردن تهديداً وجودياً، لأنها ستكون بمثابة خطة ناعمة لتهجير أعداد جديدة من الفلسطينيين، الذين يطلبون العمل في ظل مشاريع جديدة يستفيد منها الأردن، مثلما يستفيد منها الفلسطينيون.

لخص الملك عبد الله الثاني المخاوف الأردنية بثلاث لاءات أصبحت اليوم شعاراً وطنياً وهي أولاً: لا لسحب وصاية الأردن عن الأماكن المقدسة في القدس الشرقية والثانية: لا لتوطين الفلسطينيين في الأردن .والثالثة: لا للوطن البديل

ولا تتورع إسرائيل عن التعبير عن ذلك حين تتحدث عن مشروع سكة حديد من ميناء حيفا يمر عبر الغور ومنه شرقاً نحو المدن الأردنية، ومنها إلى المملكة العربية السعودية والعراق، بقولها إنه مشروع سيجعل من الأردن مركز نقل بري للإقليم Transportation hub.

ويردّنا التصور الإسرائيلي هذا إلى ما حدث بعد عام 1948، حين تحولت دولة الكويت الناشئة إلى مغناطيس جاذب، ليس للّاجئين الفلسطينيين من غزة والأردن ولبنان وسوريا وحسب، بل لأهل الضفة الغربية. وربما يتحول مشروع “نيوم” الذي أطلقته المملكة العربية السعودية مع الوقت إلى المغناطيس الجاذب الجديد، لتطوير الأردن وسيناء وغرب السعودية اقتصادياً. فدولة الكويت حين شكلت المغناطيس الجاذب لم يكن ذلك ضمن تخطيط مسبق، بل بسبب الحاجة الكويتية إلى الأيدي العاملة والمهارات التي كانت متوافرة لدى الفلسطينيين حينذاك. وباعتقادي الجازم أن الأردن الذي يعي كل ذلك، يعي أيضاً أن صفقة القرن هي تهديد حقيقي لوجوده.

الأردن يواجه صفقة القرن بتعديل حكومي مخيّب

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
محمد خلف – صحافي عراقي
إلى أين يمكن أن يصل غضب المحتجين في العراق ولبنان؟ هذا السؤال جاهدت صحف ومراكز بحث غربية في البحث عن إجابات له بعد صمود شباب البلدين وثباتهم في الساحات والشوارع.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email