fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

صفحة من تاريخنا الإعلاميّ

غلاف صحيفة الأنوار في عدد من الأرشيف

في بيت عمّي كانت “الأنوار”، الصادرة في 1959، جريدة البيت. امرأة عمّي، المتشدّدة في ناصريّتها، كانت تمقت “النهار” و”الصفاء” و”الجريدة” وتعتبرها شمعونيّة الهوى. كان يكفيها أن ترى، يوميّاً تقريباً، صورة كبيرة لجمال عبد الناصر على صفحتها الأولى.

كذلك كانت “الصيّاد”، الصادرة في 1954، مجلّة البيت الأسبوعيّة. وكثيراً ما كانت شخصيّة “أبو خليل” الكاريكاتوريّة والفولكلوريّة مادّة لكلام يثير التعليق أو الضحك. أمّا “الشبكة”، التي ربّما كانت الأوسع انتشاراً، فلا أذكرها في بيت عمّي.

و”الأنوار” كانت حقّاً صوت الناصريّة الوحيد في لبنان بعد “أحداث 58”. مع هذا فقد احترفت مخاطبة الناصريّين القليلي التسيّس والكثيري البراءة، الذين يكفيهم مجد عبد الناصر، “رافع رؤوسنا”، وكلّ تضخيم يحفّ باسمه بالضرورة. مانشيتها يوم 4 حزيران (يونيو) 1967 مثلاً كان: “600 مليون صينيّ و400 مليون هنديّ يؤيّدون مصر”. لقد كانت “الأنوار” جريدة العائلات الناصريّة قياساً بـ “المحرّر” التي أنشأها في وقت لاحق هشام أبو ظهر، فبدت أوثق صلة بالنضاليّة الناصريّة لشبّان صغار أطلّوا على الأحزاب والعقائد. بين هؤلاء الأخيرين مثّلت “حركة القوميّين العرب” الحضور الأقوى (ما حضّ البعثيّين على دعم “الكفاح” و”الأحد” لرياض طه، وكذلك إنشاء “الأحرار” التي لم تعمّر طويلاً).

سعيد فريحة، الأرثوذكسيّ من رأس المتن والمتباهي بالعصاميّة وبماضٍ جمعه وهو شابّ برياض الصلح، اختلف عن الصيداويّين السنيّين هشام، وشقيقه وليد، أبو ظهر. هؤلاء كانت ناصريّتهم جزءاً من التسونامي الواسع الذي جرف سنّة المدن في الخمسينات ونقلهم إلى مصر الناصريّة. هكذا وطّد فريحة “الأنوار” و”الصيّاد” على تقاطع ناصريّ – كويتيّ، إذ عاشت الإمارة الخليجيّة الصغيرة على خوف من العراق، لا سيّما في عهد عبد الكريم قاسم، دفعها إلى الاحتماء بعبد الناصر، وطبعاً بالبريطانيّين. أمّا الشقيقان أبو ظهر فأقاما “المحرّر” على تقاطع ناصريّ – فلسطينيّ قبل أن ينجذبا إلى عراق صدّام، فكان بين أبرز نجومها، وإن بدآ شبّاناً صغاراً في مؤسّسات فريحة، شفيق الحوت الذي ما لبث أن مثّل منظّمة التحرير الفلسطينيّة في بيروت، وغسّان كنفاني الكاتب والروائيّ المنتمي إلى “حركة القوميّين العرب”. كذلك اختلف فريحة والأخوان أبو ظهر في اختيار الطريق إلى الناصريّة: هو كان مرجعه مصطفى أمين، قبل أن تكتشف المخابرات المصريّة أنّه “جاسوس”، فيما كان محمّد حسنين هيكل مرجع الأخوين الصيداويّين.

لكنّ سعيد فريحة الذي خاض الانتخابات النيابيّة في “بيروت الثالثة” ضدّ نسيم مجدلاني ولم يسعفه الحظّ، كانت له اهتمامات “رسميّة” و”نجوميّة” توسّع مسافته عن متوسّط المناضل الناصريّ. فهو صديق السياسيّين والأغنياء والأمراء العرب، لكنّه أيضاً صديق الفنّانين والفنّانات و”الحسناوات”، تؤمّن له مجلّته “الشبكة” تعزيز الصداقات هذه. وهو، في هذا، كان منحازاً إلى صباح اللبنانيّة – المصريّة على فيروز اللبنانيّة فحسب، كما أنشأ “فرقة الأنوار” كي ينافس بها فِرق آل الرحباني. وفي محفل كهذا، حيث يختلط الجدّ بالمزاح والمبدأ بالغرض والإنجاز بالاستعراض، عُدّ فريحة من كبار “ظرفاء” لبنان، بالمعنى الذي كان يُحسب فيه نجيب حنكش “ظريفاً” كبيراً.

وهذه اتّجاهات عزّزها الأبناء الذين ورثوا أباهم بعد رحيله في 1978، مثلما عزّزوا ضمور السياسيّ والجدّيّ في الإمبراطوريّة الصحافيّة الموروثة. هكذا، وفي السبعينات والثمانينات، وفيما الاستقطاب يتعاظم من دون بوصلة ناصريّة، بات السؤال الفعليّ: لماذا لا تزال “الأنوار” تصدر؟ ذاك أنّ الافتتاحيّة الرصينة لرفيق خوري لم تعد تكفي لحمل امرأة عمّي ومَن يشبهونها على قراءتها.

إقرأ أيضاً:

أنماط في عداوة العدو

سيادة الرئيس الطفل

إقرأ أيضاً