صرخة غزّة: “بدنا نعيش!”

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
مارس 19, 2019
حركة حماس في خياراتها في إدارة قطاع غزة، وقمعها لأي حراك شعبي، لا تهتم لأحوال مليوني فلسطيني تحت الحصار وتحت طائلة الاعتداءات الإسرائيلية، والذين يدفعون باهظاً ثمن خياراتها السياسية والعسكرية
من التظاهرات الاحتجاجية في غزة

“بدنا نعيش”، هي الصرخة التي أطلقها الفلسطينيون في غزة، في وجه القهر والفقر وانعدام فرص العمل، وانسداد الأفق، السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهؤلاء يعانون، منذ 12 عاماً، جراء الحصار والاعتداءات الإسرائيلية، وجراء التسلّط والهيمنة الحمساوية، بالأجهزة الأمنية، والمراقبات “السلوكية”، والضرائب الباهظة على السلع الأساسية، تضاف إلى ذلك الإجراءات العقابية للسلطة في الضفة، وانهيار الآمال بشأن المصالحة.

“بدنا نعيش”، شعار بسيط، رفعه نشطاء الحراك الشعبي في مدن غزة، وهو يختصر كل شيء، فهم يريدون فقط حق الحياة، حق العيش، فذهبوا للتعبير عن أنفسهم في تظاهرات وتجمعات في مدن القطاع منذ 14 آذار (مارس)، ووجهت بقسوة بالغة من قبل أجهزة حماس الأمنية، باعتقالات وضرب بالهراوات وسحل في الشوارع واقتحام بيوت وإشهار سلاح، كما ووجهت بوصمها بالمؤامرة، على القضية وعلى المقاومة.

يقول الكاتب والناشط السياسي عزيز المصري (غزة) في “فيسبوك” في 14 آذار/ مارس الحالي: “كتب علينا كشعب أن نبقى ورقة مساومة… لم أعد أؤمن بشيء من هذا الوطن… هذه تظاهرات ضد غلاء الأسعار والضرائب التي فرضتها حماس… أمن حماس قمع وضرب وسحل واعتقل متظاهرين”. وكتب وسام عويضة (شاعر – غزة)، الذي أضرب عن الطعام في إحدى ساحات غزة احتجاجاً على قطع السلطة راتبه: “صوت الناس لما يجوعوا أقوى كتير من صوت المدافع”.

وتداولت صفحات لنشطاء كثر ما كتبته صفحة “بدنا نعيش”، أي القصة الموجعة التالية: “شادي أبو دقة الذي أنزل العلم الإسرائيلي ورفع مكانه علم فلسطين على مفرق نيتساريم على رغم إطلاق النار عليه، بطل فلسطيني واليوم قامت ميليشيات حماس بتكسيره ورميه أمام منزله تم عادوا بعد ربع ساعة واعتقلوه مرة أخرى والآن غير معروف في أي سجن”. أما نظمي أبو شدق (طالب من غزة يدرس في ألمانيا) فروى قصة مشابهة عن عائلته، قائلاً: “عايشت اقتحام منزلنا من القوات الصهيونية، أكثر من مرة، طوال سنوات الانتفاضة الأولى والثانية، أهلي وأعمامي أمضوا سنوات في سجون الاحتلال، وها هي حماس تعيد الكرة وتختطف وترهب الأهل في غزة، وتختطف والدي في بيت لاهيا… استشهد من عائلتنا أناس كثر… هدمت بيوت كثر لأقربائي وأهلي… وهذا كله يهون فداء للوطن، ولكن اختطاف والدي وأقربائي من قبل حماس… لن يثنينا عن تحقيق مطالب أبناء شعبنا… لن نرضخ لأصحاب اللثم السوداء… بتهون يا بوي قدك ما حد شاف ظلم منهم #والدي_مخطوف_عند_حماس..#بدنا_نعيش”.

طبعاً نحن نتحدث عما يحدث في غزة، التي تفتقد إلى الموارد، ويعيش فيها، مليونا فلسطيني، في 360 ألف كلم2، ثلثاهم من الشباب، الذين يفتقدون فرص العمل، والسفر، ويرون أن أحلامهم البسيطة مستحيلة التحقيق، في ظل الفقر والبطالة والإغلاق، وكل ما تقدم هو وصفة أكيدة للانفجار ضد أي سلطة، وضد أي أحد.

الملاحظة أن حركة حماس في خياراتها في إدارة قطاع غزة، وقمعها لأي حراك شعبي، لا تهتم لأحوال مليوني فلسطيني تحت الحصار وتحت طائلة الاعتداءات الإسرائيلية، والذين يدفعون باهظاً ثمن خياراتها السياسية والعسكرية، بقدر اهتمامها بتعزيز سلطتها، إلى درجة أنها مستعدة لإجراء أي مقاربة سياسية مع العالم في سبيل ذلك، وهو ما تمثل في نواحي عدة، أولها، الاقتراب من خيار الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع كما جاء على لسان قيادييها مراراً، وفي برنامجها السياسي الجديد الذي تبنته قبل عامين. وثانيها، في توجهها لعقد هدنة أو تهدئة طويلة الأمد مع إسرائيل. وثالثها، في رفضها إطلاق الصواريخ من غزة، كما حدث في الفترة الأخيرة، إلى درجة المسارعة في نفي مسؤوليتها عن ذلك، وهو أمر غير مسبوق. ورابعها، في تصريحات قيادييها (لا سيما بعد الحرب الإسرائيلية الثالثة ضد غزة 2014) عن عدم استهداف المدنيين الإسرائيليين بالصواريخ، وهو أيضاً غير مسبوق. وخامسها، قبولها تلقي مساعدات مالية مباشرة من دولة عربية معينة، من طريق إسرائيل، التي صرح رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو بأنه يفعل ذلك لتكريس الانقسام الفلسطيني.

منذ البداية، لم توفق حماس بين كونها سلطة أو مقاومة، ولا بين كونها منخرطة في مسار أوسلو ومعارضة له، ولا بين كونها حركة دينية أو حركة سياسية أو وطنية، كما لم تنجح في تقديم نموذج للسلطة أفضل من تلك التي تعارضها في الضفة، وقامت بإدارة غزة بطريقة أحادية وإقصائية، سواء إزاء الفصائل الأخرى (حتى المتوافقة معها في معارضة سلطة فتح في الضفة)، كما إزاء فلسطينيي غزة، الذين تحملوا ثمن خياراتها السياسية والعسكرية، التي جرّت عليهم الحصار، وإغلاق المعابر، والحروب الثلاث والاعتداءات المستمرة، وتدهور مستوى العيش، والحصار المالي.

لا شيء يبرر قمع شعب وتدجينه وسلبه صوته وحريته، لا ادعاء تحرير فلسطين ولا حماية المقاومة، فما هي تلك المقاومة التي تقف ضد شعبها؟

رد فعل حماس، بأجهزتها الأمنية والدعائية، ضد الحراك الشبابي يذكر بمقولات أنظمة الفساد والاستبداد، مثل “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” و”السياسة تنبع من فوهة البندقية”، و”الوحدة في أرض المعركة”، تلك الشعارات أو الادعاءات التي رفعتها بعض الأنظمة في وجهنا نحن، في وجه من يفترض أنهم مواطنوها، لإخراسهم. بل أنشأت أجهزة أمنية ومعتقلات، تفوق بعددها الجامعات أو الصحف التي غذّتها، لاعتقال الرأي العام أو تدجينه. الأهم أنها باسم كل تلك الكلمات صادرت حقوق مواطنيها (المفترضين)، وحريتهم، وحقهم في التعبير والمشاركة السياسية، معتبرة أن أي خروج عن النسق، أو النمط، السلطوي، هو بمثابة مؤامرة، ونيل من القضية المركزية (فلسطين)، واستهداف للمقاومة التي تتوخى تحرير فلسطين (منذ 70 عاماً)، من دون أن تفعل شيئاً سوى تهميش مجتمعاتها، وإدانة مواطنيها، وتقويض دولها، لمصلحة سلطة ما.

لا شيء يبرر قمع شعب وتدجينه وسلبه صوته وحريته، لا ادعاء تحرير فلسطين ولا حماية المقاومة، فما هي تلك المقاومة التي تقف ضد شعبها؟ هذا يذكرنا بأفول حركات التحرر الوطني، التي انتهجت العنف وقدسته، وقلبته ضد شعبها، بمآلات “حزب الله” في لبنان، وبفصائل المعارضة “الإسلامية” في سوريا، التي أكلت بعضها، كما يذكرنا بما حصل بكمبوديا، وبمآلات جبهة التحرير الإريترية وزعيمها “الأبدي” حاكم أريتريا اليوم، كما بموغابي في زيمبابوي، وما حصل لجبهة التحرير الجزائرية أيضاً، وأين أخذت الجزائر.

ما يجب أن تدركه الفصائل الفلسطينية كلها أن التحرير جزء من الحرية، ولا وطن من دون مواطنين أحرار، والسؤال كيف سندافع عن صورتنا أو عن موقفنا في العالم إزاء اعتداءات إسرائيل علينا واقتحام جنودها بيوتنا واعتقالها شبابنا وضربها لهم بدعوى حمايتها لذاتها، وفصائلنا تفعل مثل ذلك؟

أخيراً، من حق الفلسطيني أن يرفع صوته في وجه أي سلطة، بخاصة أنها سلطة تحت الاحتلال، وضمنها سلطة فتح في الضفة وسلطة حماس في غزة. من حقه أن يتظاهر، وأن يعبر عن رأيه فيها وأن ينتقدها، وحتى أن يطالب بإسقاطها لأسباب تتعلق بالفساد أو التجبر أو عدم القيام بالدور المناط بها، طالما ذلك بالوسائل السلمية، فهذا من أبجديات السياسة وأبجديات المجتمعات الحية. وقد يكفي القول هنا إن إسرائيل نجحت في تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، بتحويلها إلى سلطة ضد شعبها، وبجعلها تتقاتل في ما بينها، وأن الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة كان أكثر تحرراً وصلابة ووحدة في كفاحه ضد الاحتلال، قبل قيام السلطة، بدليل الانتفاضة الشعبية الأولى (1987 – 1993).

أسئلة التطبيع المسكوت عنها

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email