fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

صدّام حيّ فينا

قبيل نهاية العام الماضي تعرض السياسي الأردني البارز، المحسوب على الإسلام السياسي،  الليث شبيلات، لاعتداءٍ فض لقاءً عُقد شمال المملكة الهاشمية في ذكرى إعدام “الشهيد” صدام حسين. أسباب الاعتداء أردنية بحتة، أما اعتبار الطاغية البعثي بطلاً يستحق التأبين، فأمرٌ آخر.

قبل هذه الواقعة بأقل من أسبوعين نشرت الصحف البريطانية تقريراً عن لوحة ثُبتت على مقعد حديقة في شرق لندن كتب عليها: “مع المحبة، في ذكرى صدام حسين 1937-2006”. عدا كونها العاصمة الأهم التي شاركت جورج بوش الابن غزو العراق، لندن عاصمة العرب المشارقة خارج بلادهم بلا منازع، فما كان من بعض هؤلاء إلا أن  لصقوا جزءاً منهم على تلك الأريكة الخشبية، وبمسامير يصعب خلعها، كما أوردت صحيفة “الإنديبندنت” البريطانية.

الغرامُ بجزار بغداد موجودٌ بوفرة على صفحات التواصل الاجتماعي. بعضُ هذا التمجيد دوافعه طائفية فجة، فصاحبهم، كما يرون، هو من ضمن خضوع الشيعة من محكوميه، كما حارب إيران “المجوسية” حيناً و”الصفوية” حيناً آخر (علماً أن قمعه لم يوفر طائفةً أو عرقاً دون آخر)، بعضه الآخر مدفوعٌ بالعداء لأميركا التي غزت العراق وأسقطت حكمه، وبعض آخر يحبونه لمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، وربما بقي قوميون عرب يرون فيه مثالاً لمشروعهم الميت.

بعض أتباع الإسلام السياسي ممن أيدوه لم يروا تناقضاً بين رفضهم القمع في بلدانهم وتأييد حاكم من صنف صدام حسين، تناقض شمل كثيرين في عالمنا لا يتوقف عند هذا المثال (لاحظ مثلاً لا حصراً مواقف منظمات محسوبة على الشيعة عبر العالم الإسلامي  هللت لسقوط صدام وتؤازر اليوم نظام بشار الأسد).

بهذا المنطق (أو اللامنطق) لا يرى آخرون تناقضاً بين إدانة عبد الناصر لدكتاتوريته ومديح صدام حسين لـ”مواقفه”، أو بين إدانة ظلم الفلسطينيين المستمر على يد إسرائيل ودعم حكم آل الأسد “الممانع” في دمشق، بغض النظر عما يفعله هذا النظام بمحكوميه (بما في ذلك اللاجئين الفلسطينيين) أو بأن “ممانعته” لم تترجم رصاصة واحدة في الجولان منذ احتلاله إلى اليوم.

بغض النظر عن الحكم الأخلاقي على هذه المواقف، أو تناقضاتها، فإن ما أدى إليها يعاد إنتاجه الآن، ومطلوب منا ألا نسائله، إذ يكرر على مسامعنا في جزئنا التعس من العالم ما عهدناه لعقود، كأن الزمن قد تجمد: العدو الخارجي الشرير، والوحدة الوطنية المقدسة والمعركة التي لا صوت يعلو فوقها (طبعاً انتفاضات الربيع العربي في هذا السياق لم تكن سوى جملة اعتراضية ومؤامرات خبيثة!). حقيقة أننا في ظل هذا المنطق قلما عرفنا سوى الهزائم و أن عدونا الأساس المنتصر عادةً، إسرائيل، على العكس منا يحاسب قادته، بل ويسجنهم إن ثبتت عليهم تهمة، هذه الحقيقة البارزة مفقودة هنا. لكن لا مكان للمنطق في خضم معركةٍ وجودية مستعرة، هذا ما يفترض بنا التزامه.

وراء “الصدّامية” (أو الناصرية أو البعثية “الأسدية” في سوريا أو الإسلام السياسي أو ما شئت من صيغ الشعبوية الباقية معنا) تخويفٌ من الآخر، سواء كان هذا الآخر داخلياً أم خارجياً، ومن ثم إيمان بكل من يعادي هذا الغريب المختلف بغض النظر عن كلفة هذا الإيمان: وفي وجه خطر الآخر لا مكان لفردٍ ولا لفردية ولا حتى لحياة الفرد كقيمةٍ أساسية.

وجود الجماعة على المحك، لا مكان إلا للتضحيات، الحديث عن حياةِ الأفراد لغطٌ فارغ. “الرد- فعلية” هي الحاكمة هنا: أمام الخطر نتوحد ونقاتل. لا سؤال حتى عن جدوى القتال، ولا عن طبيعة القيادة. مرة أخرى “لا صوت يعلوا فوق صوت المعركة”، الشعار الذي رُفع في عهد جمال عبد الناصر، الرئيس الآتي من الجيش، الذي كان حكمه سلسلةً من الكوارث العسكرية. بهذا المنطق وقف بعض أبناء الإسلام السياسي السني مع صدام حسين دفاعاً عن “الأمة”، و بالمنطق نفسه، في غزة،  نعى بعضهم أبو مصعب الزرقاوي واعتبره شهيداً (عادت حماس وقتها وتبرأت من النعي كتنظيم)، أيضاً، وبالمنطق نفسه اتخذ قوميون مواقف مشابهة سابقاً ومع آل الأسد اليوم.

من جاهر بقتال عدوي حليفي أياً كانت أفعاله. رد الفعل أهم من الصورة الكلية. المهم خوض المعركة؛ الانتصار فيها، ناهيك أن النصر في الحرب كلها، أمر ثانوي. “الرد-فعلية” تحكم، ومعها حالة من الصراع الذي لا ينتهي.”الرد-فعلية” هي التي تجعل صدام بطلاً فقط لكونه عاند أميركا. وتجعل “المقاومة” المسلحة ضد إسرائيل مقدسةً بغض النظر عما تنتج وعن الضرر التي قد تخلفه وسائلها (مثلاً لا حصراً: الإصرار على العمليات الانتحارية أو “النصر الإلهي” الذي ادعاه “حزب الله” عام 2006)، كما تجعل كل اعترافٍ بالواقع انهزاماً، علماً أنه، بداهةً، لا تغيير لواقع تصر على التعامي عن حقيقته ولا انتصار في معركة لا تملك فيها زمام المبادرة (نقيض رد الفعل). الرد-فعلية التي تجد فيها “الصدّامية” أرضاً خصبة مراهقة سياسية مزمنة.

وسواء كان الغريب من “الأغيار” بلغة بعض القوميين، أو “الكفار والمحاربين” بلغة المحسوبين على الإسلام السياسي. ليس لك إلا الاحتماء بأهلك وعشيرتك. النتيجة المنطقية موقف يقدس الركود السياسي، إن لم يسع لإلغاء السياسة كلياً، منظورٌ يرفض رؤيةَ أي بدائل عن الوضع الحالي. أنت في وجه خطر محدق، لا بد من القتال، الآخر، ذلك الغريب المختلف، يتهددك أنت وجماعتك، ترك “عشيرتك” وقيادتك غباء، إن لم يكن خيانةً أو كفراً.

تحت سطوة هذا الصراع المزمن، لا مساحة  لرؤية تفاصيل الواقع مهما صرخت في وجهك. مثلاً: صدام حسين هو من بدأ بحربٍ ضد إيران أزهقت فيها مئات الآلاف من الأرواح دون طائل ناهيك بالكلفة الاقتصادية. وهو من اتخذ قرار غزو الكويت مع ما نعرفه من تبعات ذلك. أما ما فعله بمعارضيه ومحكوميه فحدث ولا حرج. ترى من أكثر إيذاءً للعرب والمسلمين: حاكم عربي مسلم من هذا الصنف أم غاصب محتل تعرفه عدواً؟ حرب العراق مع إيران وحدها أزهقت أرواح ما يزيد على الربع مليون عراقي بحسب تقديراتٍ محافظة، أما التكلفة فزادت على 600 مليار دولار للجانب العراقي وحده (بأسعار 1988 عند نهاية الحرب). عدد قتلى جميع الحروب مع إسرائيل من العرب يقدر بأقل من مئة ألف.

 

ماضويتنا نحن صراع مقدس لا يترك مجالاً لشيء آخر، “الصراعية” عندنا تعرّف الوجود، حالة دائمة تجوهر الآخر ومن ثم تجوهرنا نحن أيضاً.

 

المنطق نفسه ينسحب على سوريا، حيث النظام الحاكم اليوم، المجرم أو الفاشل جداً (فشلٌ هو أيضاً جريمة)، هو المسؤول عن قتل نصف مليون إنسان وتهجير ثلثي أبناء البلد داخله وخارجه. البداهة تقول إنه ما من عدو أسوأ ممن يبخس كل الحقوق بما في ذلك حق الحياة، لكن الاستطراد المنطقي هنا يقتضي الكفر بمبدأٍ أساس: أن الشر يأتي من الخارج فقط، من الآخر، وممن يستطيع هذا الآخر “الشرير” استمالته. ولأن الشر من الخارج فالوحدة ضده ضرورة، مساءلة القيادة خيانة (“من تحزب خان” كان أحد الشعارات التي رفعت في عهد عبد الناصر، خاسر كل الحروب). لا مكان هنا لدولة مؤسسات، فقط سلطة تتصرف كما تريد.

ربما يرمي ناقد ثقافة العرب السياسية المعاصرة بقبليةٍ لم يخرجوا منها، لكن الواقع أسوأ من ذلك! بغض النظر عن كونها نقيضاً للدولة الحديثة وللمواطنة، فإن القبيلة التقليدية وفرت مساواةً بين أبنائها وافترضت في علاقاتها بجوارها توازناتٍ يتوجب الحفاظ عليها، وحمايةً للأقل شأناً في ظل تقاليد شرفٍ وثأر ومجالس صلح حفظت هذا النظام. لذلك مثلاً كانت دية قتل اليهودي في اليمن ضعف دية قتل المسلم، إذ لا يسمح للأول بحمل السلاح ومن ثم قتله عارٌ خالص كما أنه بالضرورة في حمى قبيلة مسؤولة عنه.

تفاصيل هذه القبلية على علاتها تبدو جنةً مفقودة مقارنة بما أوصل حكم أمثال صدام حسين وآل الأسد بلادهم إليه. الماضي المؤسس لقومياتنا (بما في ذلك الإسلام السياسي) غير معني بهذا الجانب من القبلية، التاريخ المُقدم لك هنا انتقائي معقم، يكذب بتقديم نصف الحقيقة، إن قدمها؛ ليست مصادفة أن مؤسساتنا الأكاديمية لم تعرف تأريخاً ناقداً للروايات المؤسسة لمشاريعنا القومية إلا في ما ندر، فليس من المطلوب التشكيك في رواية تقدم أساساً للوحدة، بغض النظر كم هي مجتزأة، واهية أو مهلهلة. أما “العدو الصهيوني” فعرف عدداً من هؤلاء فندوا الروايات التأسيسية له باستخدام وثائق ما يسمى”جيش الدفاع الإسرائيلي” إذ فصّلوا عمليات التطهير العرقي ضد المدنيين الفلسطينيين التي شهدتها حرب 1948، تلك المسماة في الرواية الرسمية الإسرائيلية “حرب الاستقلال”. صحيح؛ هؤلاء المؤرخون أقلية وعدد منهم ترك إسرائيل، لكنهم فكروا، حيث التفكير حكماً هو المساءلة. على عكس الشائع بيننا، حالة الصراع الدائم الذي تعيشه إسرائيل لم تحلهم إلى ببغاوية اليقين.

ماضويتنا نحن صراع مقدس لا يترك مجالاً لشيء آخر، “الصراعية” عندنا تعرّف الوجود، حالة دائمة تجوهر الآخر ومن ثم تجوهرنا نحن أيضاً. صحيح الصراعات لا تنتهي، لكن هناك أيضاً صورٌ من التعايش والتبادل والتلاقح لا تنتهي. تعريف العلاقة بالآخر فقط من خلال الصراع، والتركيز على ذلك في رؤيتنا لتاريخنا ومن ثم لهويتنا ، سواء كان ذلك  حرباً دينية، صراعاً استعمارياً أو غزواً ثقافياً لا يترك مكاناً لشيء سوى الانتصار أو الفناء.

تسقط هنا تفاصيل ما حدث: مثلاً أن الغزو الثقافي كان استغزاءً كثيراً ما سعت إليه نخب عربية ومسلمة، أو أن العولمة ليست مرحلة أعلى من الهجوم علي أحدٍ بعينه أو مؤامرة شريرة تستهدف ثقافةً معينة، وإنما فقط مرحلة أعلى من الرأسمالية، أو أن الفتوح الإسلامية أنتجت تبادلاً وإثراءً ثقافياً هائلاً أخذ المسلمون فيه ممن سبقهم كما أورثوا من خلفهم، عايشوا من جاورهم وإن خالفهم أكثر كثيراً مما قاتلوه.

ليست مصادفة أن أكثر تيارات السلفية تشدداً جاءت من قلب صحراء الجزيرة العربية، من بيئة لا تكاد تعرف الغريب، لم يكن مثل هذا الفكر ليخرج من حلب أو القاهرة أو طنجة، ولم يكن ابن تيمية ليتخذ منحاه الفكري المتهم اليوم بالتشدد الا في ظل غزو المغول (علماً أنه كان أكثر انفتاحاً على غيره من كثيرين ممن ينتسبون إليه اليوم).

لا الصراع حالة دائمة ولا كل بلادنا نجد، أما المغول فأسلموا في نهاية المطاف. لكن هذه “الصراعية المزمنة”، التي ربما كانت أبرز تجلياتها اليوم السلفية – الجهادية، باقية معنا، تستلهم فاشيات النصف الأول من القرن العشرين التي عفا عليها الزمن، التي تلفظ المساءلة والنقد والفردية، تحت سلطوية تستثمر في ذلك كله وتتغذى عليه، تعيش وتترعرع لتلد من يرون في جزار بغداد بطلاً شهيداً ومثلاً يحتذى وتبقينا عشاق الخسارة والخاسرين..

 

إقرأ أيضاً:

مابعد خاشقجي .. ما قبل السياسة  

من سحرِ صوت مؤذن إلى “ما وردش بيها نص”: صورٌ عن تَدَيّن المصريين عبر قرن

إقرأ أيضاً