fbpx

هنا القصة الثالثة

علاء رشيدي

علاء رشيدي

مقالات الكاتب

سينما جان شمعون: المرأة والسياسة والحرب ومفقودوها 

تتميز سينما المخرج اللبناني جان شمعون (1944 – 2017)، بأنها سينما التزام القضايا السياسية والاجتماعية، هو الذي كان يردد أن فن السينما يفقد قيمته إن لم يلتزم قضايا الإنسان. هذا ما تبرهنه مجموعة الأفلام المختارة، والتي قدمت في إطار فعالية لاستعادة أعمال شمعون وتعريف الجمهور بها، والتي أقميت بالتعاون بين “دار النمر” و”نادي كل الناس” السينمائي. قدمت أربعة أفلام للمخرج أبرز موضوعاتها، مشاركة المرأة في السياسة ودورها النضالي، الأخلاق في الحرب، وموضوعة لا تزال حساسة حتى اليوم وهي قضية المفقودين والمختفين قسراً في الحرب، وموضوعة استشرف فيها شمعون المستقبل، حيث قدّم الأفلام الأولى عن تلوث البيئة في لبنان.

تسعى سينما شمعون إلى رصد الآثار الاجتماعية والثقافية للحرب، من أثرها على فن مثل المسرح، إلى أثرها على الطفولة والشباب. هي سينما تتميز بموضوعاتها، الأخلاق في الحرب، قضية المفقودين، قضية البيئة، وكما تقول سهام في “طيف المدينة”، “إن تذكر الحرب، وتحليلها ومحاولة فهمها، تؤدي إلى عدم وقوعها مجدداً، وليس تجاوزها بادعاء النسيان”.

شمعون وزوجته السينمائية مي المصري

أرض النساء: المرأة المناضلة، السياسية، الشاعرة

عام 2004، قدمت “مؤسسة يوسف شاهين للإنتاج السينمائي” فكرة تحقيق سلسلة من الأفلام السينمائية التي تتناول المرأة العربية، وحينها أخرج شمعون فيلمه “أرض النساء”، وهو يدور حول حكايات ثلاث نساء رائدات في حركة التحرر الفلسطينية. الشخصية الأولى التي يتناولها الفيلم، هي كفاح عفيفي المناضلة الفلسطينية التي عايشت تجربة الاعتقال في سجن الخيام في الجنوب اللبناني عام 1988، وأمضت فيه 6 سنوات. 

وعفيفي من عائلة مناضلة، فقدت أخوتها الثلاثة بظروف قاسية، عثر على جثة أخيها يوسف بين 83 جثة كانت الجرافات الإسرائيلية تسعى إلى التخلص منها. أما أخوها عثمان، ففقد حياته إثر التعذيب بالكهرباء الذي تعرض له، والأخ الثالث فارق الحياة بسبب قذيفة. تقول عفيفي في الفيلم: “الموت سرق أحبائي، الموت هو عدوي”، هذا ما دفعها إلى المشاركة في عملية فدائية، أسرت على إثرها وعايشت تجربة الاعتقال في السجون الإسرائيلية. 

الآن، وبعدما خرجت إسرائيل من الجنوب اللبناني، وتحول سجن الخيام إلى مكان فارغ، تروي عفيفي تجربة اعتقالها، كيف أجبرت على شرب الماء من الأرض، وهُدّدت بالاغتصاب، وضربت بأعقاب البواريد. يعيد شمعون بطلته إلى مكان سجن الخيام بعد هذه السنوات، وبعدما أصبح مهجوراً وفارغاً، تدخل الأسيرة السابقة إلى زنزانة ماضيها، كما تعود مع زوجها إلى زيارة المكان الذي نفذت فيه عمليتها الفدائية، إنها لعبة إعادة الشخصية إلى ذاكرة المكان الذي تبدل مع تغيرات الأوضاع السياسية عبر التاريخ. 

سميحة الخليل، الشخصية الثانية في الفيلم، هي رائدة فلسطينية في مجال النضال السلمي، أسست جمعية “إنعاش الأسرة” التي كانت تسعى إلى محو أمية الفتيات الفلسطينيات وإيجاد عمل لهن. يمرر شمعون في الفيلم صوراً أرشيفية من اعتداءات القوات الإسرائيلية على منازل، مدارس، وعلى نساء عام 1948. وليبرز دور المرأة يضمن الفيلم صوراً أرشيفية من تظاهرات تقودها نساء فلسطينيات. الخليل هي أول امرأة تشارك في الجبهة الوطنية الفلسطينية، وأول امرأة تقترح نفسها مرشحة رئاسية للسلطة الوطنية الفلسطينية. نراها في الفيلم وهي تقدم برنامجها الانتخابي: رفع الظلم، تحرير الوطن، إزالة المستوطنات، الإفراج عن المعتقلين، تحقيق دولة المساواة والعدالة.

أما الشخصية الثالثة فهي فدوى طوقان، أولى شاعرات النضال الفلسطيني. تروي في الفيلم عن الدور الأساسي الذي لعبه أخوها الشاعر ابراهيم في حياتها. فبعدما كادت تمنع في طفولتها من الذهاب إلى المدرسة، وقف إلى جانبها، وعرفها إلى الشعر والكتابة. وبعد وفاته، شجعها والدها على كتابة الشعر السياسي على غرار تجربة أخيها، لكن عزلها في المنزل عن التجارب الخارجية، أخر نضجها الفكري وقدرتها على إنتاج الشعر السياسي، ولم تتمكن من كتابة الشعر السياسي حتى وفاة والدها وتحررها من السلطة الذكورية في العائلة.

أول كاميرا تدخل إلى صبرا وشاتيلا بعد المجزرة

من الشخصيات المهمة التي تظهر في فيلم “أرض النساء” المصور الفوتوغرافي الياباني هيروكاما، الذي كانت كاميرته الأولى التي تدخل إلى مخيم صبرا وشاتيلا بعد المجزرة عام 1982، والذي أقام في اليابان حينها معرضاً قدم فيه 21 صورة عن جثث الأطفال، التي عثرت عليها كاميرته بعد المجزرة. يطلب منه شمعون الحضور من اليابان إلى لبنان لتصويره في فيلمه.

نصل إلى فيلم “أحلام معلقة” لشمعون، الذي صور بعد عام من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ويروي عن شخصيات تحاول الاستمرار في بناء مستقبلها بعد الأحداث المؤلمة. ويعتبر الفيلم الأول الذي تناول قضية المفقودين في الحرب الأهلية والذي أضاء على مشكلة النفايات في لبنان، فتم اختياره للعرض في قمة “ريو دي جينيرو” عن البيئة، من بين 6 أفلام من العالم. 

أحلام معلقة… الصداقة بعد سنوات الاقتتال 

يبدأ الفيلم بلقطات عن دمار بيروت الخارجة تواً من الحرب، ويستهل المخرج فيلمه بحكاية ذكية، هي حكاية نبيل ورامبو، وهما مقاتلان أمضيا سنوات الحرب يتواجهان بالأسلحة عند جبهة منطقة الشياح، يطلقان القذائف والرصاص على بعضهما بعضاً. أما الآن وبعد سنة من انتهاء الحرب، فتحولا إلى صديقان، يحاولان العمل معاً في مجال العمارة والبناء. نبيل حمل السلاح حين كان عمره 10 سنوات، وكان كل شهر ينتقل من تنظيم مسلح إلى آخر، وكذلك رامبو أوقف دراسته وحمل السلاح في الـ11 من عمره. الآن، اكتشف الاثنان أنهما كانا مجرد أداتين في أيدي أصحاب الميليشيات المسلحة.

دائماً ما ترصد أفلام شمعون المجتمع اللبناني، في حال الانتقال من مرحلة إلى أخرى. وفي فيلم “أحلام معلقة” يرصد المخرج حالة السلم الهشة والقابلة للعودة إلى العنف مجدداً في بيروت. لذلك نتابع في الفيلم، حكاية انفجار سيارة مفخخة في منطقة البسطة ليلة رأس السنة، ما يشعرنا بأن البلد سينزلق إلى العنف مجدداً، بسبب رغبات الانتقام المبتادلة.

الممثل المسرحي رفيق علي أحمد إحدى شخصيات فيلم “أحلام معلقة”، وكما يفعل شمعون مراراً، فهو يأخذ شخصياته الواقعية إلى أماكن تمسها وتدفعها إلى الروي. إلى المسرح المهدم والمدمر بفعل الحرب، تدخل كاميرا الفيلم مع رفيق علي أحمد، ليخبر عن آرائه وأفكاره عن الحرب وأثرها، يقول: “كراسي المسرح المدمرة هي رمز للجثث والقتلى. المسرح محبط مكسر، لم يمت، ولكنه حزين وواع لمأساته”. وينتقد أحمد الطريقة التي انتهت فيها الحرب: “انتهت الحرب بقرار كأنها لعبة كرة قدم. لقد حاولوا دفع الناس إلى النسيان عن طريق الهجمات الإعلانية التي تملأ الطرقات بالمنتجات الأجنبية”.

وداد حلواني

أول الأفلام عن المفقودين والبيئة  

وداد حلواني هي الشخصية التي يتابعها الفيلم لتناول قضية نضال أهالي المفقودين والمخطوفين في الحرب الأهلية اللبنانية. تروي حلواني كيف خطف زوجها عدنان، وكيف تلقت الصدمة، وبدأت بتشكيل حراك يضم عائلات المخطوفين والمفقودين. تقول: “راحت لائحة المفقودين تزداد، فطلبت من أهالي المفقودين التجمع، ومن وقتها بدأ التحرك”. يعرض الفيلم لقطات أرشيفية من التظاهرات الأولى لتجمع أهالي المخطوفين، تتحدث إحداهن للكاميرا عن أربعة مخطوفين من عائلتها أصغرهم بعمر 12 سنة، لا تعرف عن مصيرهم شيئاً.

يحاول أهالي المخطوفين أن يرفعوا الصوت للمطالبة بمعرفة مصير مخطوفيهم، والضغط على القوى المتصارعة، التي أصبح قادرتها نواباً ووزراء، كما تقول في الفيلم حلواني: “ندرك أن هناك من قتل مباشرة، ومن مات تحت التعذيب، إننا نرغب فقط بمعرفة مصائرهم من المسؤولين”.

يعتبر فيلم “أحلام معلقة” أيضاً من الأفلام الأولى التي تناولت قضية البيئة في لبنان، إذ تطرق إلى التلوث الذي يصيب مياه البحر بسبب إلقاء النفايات. ويقابل عدداً من الصيادين الذين يشتكون من تلوث البحر إلى عمق كيلومترين من المياه السوداء، ويستعرض براميل النفايات التي يعتقد أنها تصدر من الدول الكبرى لترمى في شواطئ العالم الثالث بموافقة المسؤولين. يقول رفيق علي أحمد: “البيئة هي تفاعل عمودي بين الإنسان والأرض، وبينما يشوه الإنسان، تشوه أيضاً علاقته مع البيئة. إلغاء التراث وأسلوب حياة الناس هو إلغاء للبيئة أيضاً”.

“طيف المدينة”… 

هو الفيلم الروائي الوحيد الذي عرض في “دار النمر” و”نادي كل الناس” لشمعون. يتابع الفيلم حياة رامي (12 سنة)، الذي يحلم أن يصير فناناً، لكنه يضطر إلى النزوح مع عائلته من الجنوب اللبناني إلى بيروت بسبب القصف الإسرائيلي عام 1974. وبصوته كسارد للفيلم يروي رامي علاقته مع المدينة الجديدة بيروت، حيث يجبر على ترك المدرسة والبحث عن عمل لإعانة أسرته، فيعمل في مقهى سلوى، وهناك يتعرف إلى شرائح من المجتمع اللبناني ويتأثر بالصراعات المسلحة التي بدأت تنشأ في المدينة.

يحرص شمعون دوماً على رصد المدينة في لحظات التحول، فتأتي أهمية فيلم “طيف المدينة” من رصده الدقيق بداية الصراعات بين الفصائل المسلحة في بيروت، وانعكاساتها على حياة عائلات المدينة. يفند الفيلم كيف بدأ الانتهازيون بتسليح ميليشيات للاستفادة من حالة الحرب والفوضى، مثل شخصية الضبع وشخصية أبو سمير، التي يؤديها أحمد الزين. وها هم الأطفال الشباب يقعون فريسة للكراهية وضرورة الاستمرار والبقاء، فيحمل الطفل وليد السلاح لإثبات رجولته، بينما يحمل نديم السلاح للدفاع عن عائلته وطائفته. وعلى إثر الحرب، تهجر عائلة ياسمين، وهي حبيبة رامي، الحي وتنتقل للسكن في بيروت الشرقية، فتنتهي بذلك قصة حب الطفولة.

يتضمن الفيلم الكثير من اللقطات الأرشيفية المصورة واقعياً من حرب الشوارع في بيروت، وحرب الفنادق، ولقطات كثيرة عن إصابات المدنيين ورحلات النزوح الجماعية، ترافقها الموسيقى التصويرية لعازف العود المتميز عمر بشير.

الجميع مجبر على حمل السلاح

ينتقل بنا القسم الثاني من الفيلم إلى عام 1986. رفض رامي (أداء مجدي مشموشي) كل تلك الفترة حمل السلاح، وأصبح مسعفاً للجرحى منذ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. لقد حمل الشبان بأجمعهم السلاح، وقتل الموسيقي الوحيد في الحي عازف العود نبيل، في إشارة إلى أن حمل السلاح هو المصير الوحيد في الحرب، بينما تُنسى الآلات الموسيقية وتُهمل. وعلى إثر اختطاف والده من قبل أحد الميليشيات، يضطر رامي إلى حمل السلاح.

يتعرف رامي إلى سهام التي فقدت زوجها من دون أن تعرف مصيره، وهي تربي ابنتها وحيدة على أمل العثور عليه مجدداً. من الواضح أن سيناريو “طيف المدينة” يستلهم شخصية سهام من حكاية وداد حلواني التي ظهرت في فيلم “أحلام معلقة”، وأسست لجنة أهالي المخطوفين. شخصية سهام في الفيلم تنظم الحراك الأول لعائلات المخطوفين، وتقتحم بتظاهرة مقر إحدى الميليشيات المسلحة للمطالبة بالكشف عن مصير المخطوفين. 

يتأثر رامي بقضية أهالي المفقودين، وبينما تأتي الأوامر من زعماء الميليشيات بتصفية كل الأسرى والمخطوفين لديهم، يرفض رامي الانصياع للأوامر بقتل الأسرى، ويقوم بتهريب الأسير المحجوز لدى مجموعته المسلحة، ويوصله إلى مكان آمن. ومع نهاية الحرب في المشاهد الأخيرة من الفيلم، نجد زعماء الميليشيات المسلحة تحولوا إلى مقاولي عقارات ورجال أعمال، ونجد رامي وقد حقق حلمه بأن أصبح مدرساً لمادة الرسم والفنون.

عنف تجاه الحيوان… عنف تجاه الإنسان… عنف عنف عنف!

إقرأ أيضاً