fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد أمير ناشر النعم - كاتب سوري

محمد أمير ناشر النعم - كاتب سوري

مقالات الكاتب

“سيماء محمد” أم سيماء علي شريعتي؟

إبّان زيارة لي إلى بيروت في شهر رمضان سنة 2000، دعاني صديقي المهندس، الذي كان مقرّباً جداً من الأمين العام السابق لحزب الله “الشهيد” عباس الموسوي، إلى مائدة الإفطار في بيته في حارة حريك. في أثناء الحديث والمباسطة، وفي حالة من حالات الوجد الأخّاذ حدّثني مضيفي عن أشواقه ورجائه الذي يجزم بتحقّقه في أن يكون من الصفوة الذين يختارهم الإمام المنتظر، ممَّن أخبرت الروايات أنَّه سيكون عددهم 313، وأنَّه تلقّى عدة إشارات وبشارات بذلك، من خلال منامات متكرّرة، ومن خلال إخبار أحد الرجال الصالحين الموثوق بصلاحهم أنَّه سيكون من أولئك الرجال المصطفَين.

كان يحدّثني، ويضع كفّه على رأسه احتراماً وتبرّكاً في كلِّ مرة يذكر فيها الإمام، وفجأةً بحركة مسرحية وضع يده على خصره، ثمَّ سحبها، كأنَّه يستلّ سيفاً، ثم هزّه في الهواء، وقال لي: “سيتقاطر سيف الإمام من الدماء! ستسيل منه سيلاً! لن يرتوي منها حتى يفني آخر مفسد وضال ومستكبر. سيقتلهم بسيفه الشريف، ولن يهتزّ له رمش، وستكون عيناه من خرز، وقلبه من حجر!”، وظلَّ مسترسلاً في ذكر الملاحم التي سيخوضها “الإمام الحجة، عليه صلاة الله وسلامه”…

بعد ذكر السيف والدماء أدركت أنَّني يجب، أيضاً، أن أضع كفي على رأسي عند كلِّ ذكرٍ للإمام، “عجّل الله فرجه الشريف…”، فبدأت بوضعها، وأنا أتفرَّس في ملامح مضيفي!

كانت عيناه في تلك اللحظات تتحولان إلى خرز، وهو يتخيّل أنَّه يقف بين يدي الإمام مقاتلاً، وكانت قسماته كلّها توحي بأنّه هو نفسه المتعطش لهذه الدماء، التوّاق لإراقتها أكثر من المهدي نفسه الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئتْ ظلماً وجوراً. سيملأها بالطريقة التي حدّثني عنها مضيفي المتبرعم في طابور الانتظار، ليكون من بين صفوة الأتباع.

كان أخذه الموقف على محمل الجد أخذاً كاملاً لا يتيح لي أن أتفوّه بأيّ تعليق، سواء أكان جاداً يثقب حديثه، أم كوميدياً يخلخله ويزحزحه، ولا سيّما أنّني أنحدر من وسط سنّي مختلف تمام الاختلاف، وهذا بحدِّ ذاته يتيح لي فيضاً من التعليقات والمقارنات، لكنَّني آثرت الإعجاب والابتسام المصحوبَين بهزِّ الرأس، ووضع الكف عليه بين الفينة والأخرى.

بعد تلك المنادمة الشيّقة انقطعت علاقتي مع ذلك الصديق، فقد كنت أفكّر دائماً في سيف ذاك الإمام (عج)، وأنّه سيكون قريباً مني شخصياً، ليحتزّ رأسي، رغم أنَّني لا أشكّ في الإمام الحجة، عليه سلام الله، بتاتاً، لأنَّه ممَّن كشف الله على بصيرتهم، ومتّعهم بملكة التمييز التامّة، ولكنَّني كنت وما زلت لا أثق، إطلاقاً، في أتباعه المفترضين، وحلفائه المتوقّعين، وخصوصاً إذا كان الإمام، سلام الله عليه، منفتحاً يضمّ إلى جانب أتباعه المجانِسين أتباعاً آخرين على سبيل التعدّدية والتنويع، كميشال سماحة، ونوري المالكي، بل وحتى كأنيس النقّاش، وجوزيف أبو فاضل، ويعاهد حلفاء إستراتيجيين من أمثال الرئيس الأممي بوتين، والرئيس الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي بشار الأسد.

الكاتب الإيراني علي شريعتي

غير أنّه من كلِّ ذلك الحديث، وتلك المنادمة لم تستوقفني سوى كلمة واحدة، أو بالتحديد أكثر سوى استعارة واحدة هي: “عيناه من خرز”! فقد كنتُ أعرف مصدرها تمام المعرفة، وأعرف مَنْ اجترحها وأين اجترحها!

إنَّه المفكر الإيراني الشهير علي شريعتي الذي كانت كتبه تزيّن رفّاً كاملاً في مكتبة مضيفي التائق للسيف، والوامق للدماء.

(سيماء محمد):

في كتابه (سيماء محمد) تحدَّث علي شريعتي عن الوجوه الإنسانية الظاهرة في التاريخ: (القيصر ــ الحكيم ــ النبي). عن الصفات التي تنتظم القياصرة، والخلال التي تميّز الحكماء، والوسوم التي يتحلى بها الأنبياء، سواء كانوا من الأنبياء الساميين:(إيراهيم ــ موسى ــ عيسى ــ محمد)، أو من غير الساميين (زرادشت ــ بوذا ــ لائوتزوــ كونفشيوس)، وأورد ما يميّز كلَّ سلسلة عن الأخرى!

كلّ ذلك من أجل أن يخلص إلى نتيجة مؤدّاها أنَّ النبي محمد قد حاز فضائل الجميع (حكّاماً، وحكماء، وأنبياء)، وأنَّ هذه الفضائل تجمّعت في شخصيته، وتجلّت في تعاليم نبوّته، وتبدّت في مبادئ رسالته، ولذلك كان النبي الخاتم الذي لا نبي بعده.

يقول في هذا الكتاب: “لقد آن الأوان أن ننظر مثل هذه النظرة إلى سيماء محمد صلى الله عليه وآله سلم، آخر سلسلة الرعاة، يجب أن نراه نبياً، وبنظرة جديدة، وأن نعرفه من جديد. يجب ألَّا ننظر إليه كما ننظر إلى الأشياء والأشخاص. يجب أن ننظر إليه من زاوية علم النفس، والاجتماع والتاريخ، وأن نلقي على سيماء محمد صلى الله عليه وآله وسلم نظرة جديدة. لا بدَّ أن ننظر إليه نظرتنا إلى عظماء التاريخ: القياصرة، الحكماء، والأنبياء، ولا بدَّ أن نحيطه بمجموعة أنبياء الشرق، وننظر إليه، وهو بينهم، وفي مثل هذه الحالة تتجلى صورته في أعيننا، عجيبة يعجز عنها الوصف، كأنَّنا لم نره أبداً، وكأنَّنا لم نعرف صورة لأيّ رجل في العالم من قبل”(1).

يرى شريعتي في هذا الكتاب أن محمداً هو: “تركيب ومزيج من عيسى عليه السلام، وموسى عليه السلام.نراه حيناً في حومة الوغى، في طليعة أصحابه الذين يتشوقون للقتل أو الاستشهاد، يحمل أمامهم، وهم على صهوات جيادهم المقتحِمة […]، وآناً آخر، نراه، في كلّ يوم وهو في طريقه يلقي يهودي عليه الرماد، وفي حالة، هي أكثر ليناً من المسيح، مثل (بايزيد) لا يقطّب حاجبيه، ويمرّ يوماً أمام دار ذلك اليهودي فلا يرى الرماد ولا صاحبه، ويسأل بلهجة العارف: أين صاحبنا؟ وحينما يسمع بمرضه يذهب لعيادته”(2).

“ما أعجب هذا الأمر! هل يمكن أن يصدّق أنَّ الرجل الذي قاد الجيوش 65 مرة، في عشر سنوات، وأنَّ الرجل الذي كان يعدّ رهبانية دينه الحرب، كانت في قلبه روحٌ بعمق روح بوذا، وفي عقله أخيلة في لطف (أوبانيشاد)، وفي منطقه حكمة في قوة سقراط، وفي عينيه نظرات فيها لطف وجمال وجاذبية تشبه ما للصيني (لو)”(3).

وحقيقةً كان المستشرقون أوّل من لفت النظر إلى “هذا المزيج الرائع من الصفات المختلفة الذي نجده عند محمد”(4)، وكانوا أوّل من تحدث عن ازدواجية الشخصية المحمدية التي تجمع في إهابها شارلمان بممارسته الإمبراطورية السياسية، وحكمه وصولجانه، وما يستتبعه كلّ ذلك، والمسيح بدعوته النبوية الوجدانية الروحانية الوديعة! وما يعنيه كلّ ذلك.

وجدنا هذا، على سبيل المثال، عند مونتغمري واط الذي كتب (محمد في مكة) سنة 1953، و(محمد في المدينة) سنة 1956، و(محمد النبي ورجل الدولة) سنة 1961.

تلقَّف علي شريعتي هذه الفكرة، وأعاد تكرارها وصياغتها والتنويع عليها في (سيماء محمد)، فإذا كان لمحمد الرسول تجليان، فكذلك يجب أن يكون للمرسِل وللرسالة وجهان أيضاً. فيشبّه شريعتي (الله) بـ (جانوس) الإله المثولوجي الأسطوري اليوناني ذي الوجهين (المستقبل والماضي)، و(الله) كذلك بوجهين: وجه (يهوه) المنتقم الجبّار المتكبّر الشديد العقاب، المحتجب عن خلقه في عرش كبريائه وسرادق عزه، ووجه (تئوس) الرحمن الرحيم الرؤوف الغفور. القريب إلى الإنسان، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد (5).

وإذا كان محمد مزيجاً من موسى وعيسى، فإنّ القرآن كذلك مزيج من التوراة والإنجيل، وفيه “فلسفة وحكمة، وقصص وعقائد. أخلاق فردية، ومُثُل ومعنويات روحية، وأحكام اجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية، وروابط فردية واجتماعية. حقوق وحدود، وتقاليد للحياة الاجتماعية والمادية والمعنوية في الدنيا والآخرة”(6).

نبيٌّ عيونه من خرز:

في هذا الكتاب (سيماء محمد) نصٌّ أرى أنَّه من أخطر النصوص التي كتبها مفكِّر إسلامي في تاريخنا المعاصر، نصٌّ كان له الأثر نفسه في مجموعات متناقضة من البشر في أقصى اليمين، وأقصى اليسار، وفي موقع المعارضة، وموقع السلطة. ففي معرض تدليله على الجانب الموسوي من سيماء محمد يقول:

“وهو نفسه الذي نراه في سوق المدينة إلى جانب الحفر العميقة الموحشة، التي أمر بحفرها، وقد جلس لينظر إلى جماعات من يهود بني قريظة، وقد شُدّوا بالسلاسل والأغلال، مجموعات مجموعات، فيُذبحون أمامه الواحد بعد الآخر، ويُرمون في تلك الحفر، وينظر إليهم بعينين باردتين هادئتين، كأنَّهما قد استحالتا إلى فصّين من الخرز الشبق، ويتفرّج عليهم، ولا ينبس ببنت شفة، ولا يطرّ له جفن، كأنَّه ينظر إلى عَرْض بارد لا معنى له، ولا طعم، وحينما يُقتل آخر شخص من هذا الصف الذي يتشكل من سبعمئة شخص، ويُرمى في تلك الحفرة، ينهض وينصرف إلى أعماله الأخرى. لقد خان هؤلاء المجتمع بكل وضاعة وخسة، ثم يتصدى محمد للخيانة، فهناك تتجلى فيه سيماء (موسى)، ويتجلى (الله) في مظاهر (يهوه)”(7).

ويالهول هذا التشبيه الذي تفتَّقت عنه قريحة علي شريعتي الإيديولوجية. عينان من فصَّي خرز! من مادة ميتة، لا حياة فيها! مادة قاسية صلدة، لا تلين، ولا تتأثر، ولا تتفاعل.

عينان من فصَّي خرز أمام مشهد قتل سبعمئة إنسان. أي: عينان لا تريان، لأن الخرز بلا إحساس. وقلب لا يتأثر، لأنَّ عيني صاحبه من خزر، وكيف يتأثر بما لا يراه؟! ومن أجل ذلك يفترض شريعتي أنَّ النبي بعد انتهاء مشهد القتل المريع “ينصرف إلى أعماله الأخرى”، ويمارس حياته بكل طبيعية، وكأنَّه لم يحضر، قبل لحظات، مشهداً من أعظم المشاهد ترويعاً وهولاً!

ورغم أنَّ هذه الحادثة تثير تساؤلات عديدة حول تلك المبالغة من الرواة في تكثير عدد القتلى، سواء لغرض بثِّ الرعب في قلوب الأعداء، فيما بعد، أو للافتخار بالقوة والبطش والمنَعَة التي يتمتع بها المسلمون! ورغم أنَّها تستدعي التأمَّل في وجه العدالة الغائم الملبَّد في ذلك العقاب الجماعي المهول، والذي لا يمكن قبوله إلا بمنطق التسليم الديني، أو التسويغ الإيديولوجي المتعسِّف فإنَّ شريعتي لا يتوقف عند ذلك بتاتاً، علماً أن بعض المستشرقين الذين وقفوا أمام هذه الحادثة بيّنوا مكامن الخلل أو المبالغة فيها، مثل هانز يانسن في كتابه (Mohammad Eine Biographie, Der historische Mohammad was wir wirklich über ihn wissen)، وفريد دونر في كتابه (Muhammad and the Believers At the origins Islam)، حين قرّرا مجتمعَين أنّ قصة حادثة عقوبة بني قريظة أشبه ببناءٍ أدبيٍّ لنموذج توراتي قديم، مستدلين على ذلك بأنَّ ذلك الذبح الجماعي الهائل لا يمكن أن يمرَّ من دون أن يلاحظه اليهود ويوثِّقوه، ولا سيَّما أنَّ الضحايا كانوا من اليهود الذين يتمتَّعون بشبكات تجارية دولية، ولكنَّنا لا نجد أيَّة وثيقة يهودية تاريخية معاصرة للحدث، أو لاحقة له، تتحدّث عن هذه الواقعة، حتى ظهور سيرة ابن إسحاق وابن هشام، وبعدئذٍ سيستقيها اليهود، ويتداولونها من مصادر السيرة الإسلامية نفسها.

على أنَّ الإقرار بأصل الواقعة يبقى احتمالاً وارداً شرط الأخذ بالروايات التي تتحدّث عن عقاب قادة القبيلة فقط، وليس كلّ أفراد القبيلة من الرجال البالغين، وبهذا يمكن أن نتفهّم عدم ذكر هذه الحادثة في المصادر والوثائق اليهودية القديمة، باعتبارها حادثة عَرَضية، وليست خطباً فادحاً جللاً، وبذلك تخفت تلك الأسئلة حول عدالة العقوبة، واتساقها مع المبدأ الذي أرساه النبي نفسه في ألّا تزر وازرة وزر أخرى.

لكنَّ علي شريعتي يسارع إلى تصديق هذه القصة، ولا يلتفت إلى التحري عن مدى صحتها وصدقها ومعقوليتها، ويختار من بين الروايات العدد الأكبر للقتلى، ليخدم هدفاً إيديولوجيّاً واحداً هو دعم (العنف الثوري)! ولا عجب فأمام الإيديولوجيا تتهاوى ملكة النقد، وتضمر أساليب التحليل، وتضمحل آليات المحاكمة.

وأمام هذه الصورة التي رسمتها ريشة شريعتي، وإزاء ذلك التفنّن في جعل عينيَّ النبي من خرز، وهو الوصف الذي اخترعه شريعتي من لدنه، من دون أن يوجد إشارة واحدة له في النص التاريخي الذي ينهل منه، فإنَّنا نتساءل: هل نحن فعلاً أمام سيماء محمد؟ أم أمام إسقاط من إسقاطات شريعتي الهادفة إلى تسويق (العنف الثوري) والتبشير به!

هل كان شريعتي داعية عنف؟

سيجادلنا كثير من المفتتنين بعلي شريعتي في أنّه لم يكن داعية عنف، ولا مؤيداً لاستخدامه، وأنّ الدعوة للثورة التي ضجَّت بها كتبه إنما كانت دعوة لثورة فكرية، ثورة على الجمود والهمود والتخلف والخرافة والغلو والإكليروس والسمسرة الروحية! ونحن سنصدّق ذلك كله، لكنّنا سنضيف كلمة واحدة قالها مرة كارل كراوس: “كل كلمة تغيّر العالم“. وإن وصف شريعتي لعينيّ النبي بالخرز، وإطلاق العنان لمخيلته في اختراع وصف قسوة النبي التي لا يمكن تخيّل ما يفوقها، هي إحدى هذه الكلمات ذات التأثير الذي تحدَّث عنه كراوس.

وسنشير ههنا إلى اختيارٍ من اختيارات شريعتي في الترجمة، يكشف عن نوازعه وميوله. فعلى الرغم من كونه ليس مترجماً فإنَّه آثر أن يترجم من الفرنسية إلى الفارسية أجزاء واسعة من كتاب فرانز فانون (معذَّبو الأرض) الكتاب الممجّد للعنف والداعي إليه! ولا أظنّ أنَّ شريعتي ترجم هذا الكتاب إلا تدريباً ومشاولةً للأجيال الراهنة والقادمة لتغبَّ وتعبَّ، ولتتشبّع وتتمتّع بروحية العنف اللازمة لتقويض ما يجب تقويضه، من استعمار وطغيان وديكتاتورية.

يفتتح فانون كتابه بالجملة التالية: “محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائماً”(8).

أما سارتر الذي كتب مقدّمةً لهذا الكتاب تجاوزت الثلاثين صفحة فيرى أنَّ قرّاء فانون سيستفيدون من قراءته، و”لسوف يوضِّح لهم فانون توضيحاً كاملاً أنَّ هذا العنف الجامح ليس زوبعة سخيفة، ولا هو تيقُّظ غرائز وحشية، بل ولا هو ثمرة حقد: إنَّ الإنسان نفسه يشكِّل نفسه تشكيلاً جديداً. هذه الحقيقة، أعتقد أنَّنا علمناها ونسيناها: إنَّ علائم العنف لا يستطيع لينٌ أن يمحوها. إنَّ العنف وحده يستطيع أن يهدمها”(9)، ثم يقول في آخر تقديمه الطويل:”إنَّ العنف كحربة آخيل يمكن أن يلأم الجروح التي يحدثها”(10).

وهنا نتساءل: من يضمن لنا أن تتوقّف سفينة مقارعة الاستعمار والطغيان عند حدٍّ معيّن حين يمتلأ شراعها بالدعوة إلى العنف؟

فعندما نقول: “محو الاستعمار حدث عنيف دائماً” فسنقول أيضاً:

تطهير البلاد من العملاء حدث عنيف دائماً!

وتوحيد البلاد حدث عنيف دائماً!

والتخلص من البرجوازية حدث عنيف دائماً!

وتجاوز الرجعية حدث عنيف دائماً!

وتثبيت الثورة وحماية مكتسباتها حدث عنيف دائماً!

وهكذا إلى ما لا نهاية!

وليس هذا الإبحار في عوالم العنف محض خيال، بل هو الواقع الذي أُنجز ونُفِّذ بكل ضرره ووضره، وبجميع مآسيه ومهازله.

لقد كان بإمكان شريعتي أن يختار نصّاً لغاندي يتكلم فيه عن اللاعنف وسيلةَ مقاومة! وكان بإمكانه أن يحدّثهم عن جماعة (خدّام الله) التي تقوم على الإيمان بالقوة الكامنة في فكرة المقاومة اللاعنفية، وعن مؤسِّسها. عبد الغفَّار خان الذي حدّث أتباعه قائلاً: “سأقدم لكم سلاحاً فريداً لا تقدر الشرطة ولا الجيش على الوقوف ضده. إنَّه سلاح النبي، لكن لا علم لكم به. هذا السلاح هو الصبر والاستقامة، ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده”! لكنّ شريعتي آثر أن يترجم نصَّاً يسخر من المقاومة اللاعنفية، ويستهزئ بها.

علامَ يدلُّ ذلك؟

لم تكن كلمات شريعتي أو اختياراته لتذهب في مهب الريح، بل تلقفها وتأثر بها ملايين الأتباع والمعجبين، وغدت هذه الأوصاف والكلمات والاختيارات أنموذجاً للثوار الإيرانيين احتذوه في شخصياتهم، وتمثّلوه في أفعالهم بصورة، أكاد أجزم، أنَّها لم تكن تخطر على بال شريعتي نفسه.

الإمام الخميني

ولمعرفة مقدار تأثير شريعتي في الإيرانيين لا بدّ من معرفة مكونات المشهد الثقافي الإيراني، الذي يمكن تلخيص تياراته الإسلامية بشكل مبسّط وعريض في العبارة التالية: “عقد الستينات عقد المهندس مهدي بازركان (1907 ـــ 1995)، وعقد السبعينات عقد الدكتور علي شريعتي (1933 ـــ 1977)، وعقد الثمانينات عقد الشيخ مرتضى مطهري (1919 ـــ 1979)، وعقد التسعينات عقد عبد الكريم سروش (1945 ـــ ….)(11). لكن يبقى علي شريعتي المقدّم بينهم أثراً، وحضوراً، وامتداداً! حيث تبنّى أفكاره طرفا النقيض:

ـــ أقصى اليسار الإسلامي (مجاهدو خلق)، الذين رأوا فيه الفيلسوف المعلّم، فعدّوه أستاذهم الفكري، ومنظِّرهم الإيديولوجي.

ــ وأتباع الحزب الجمهوري الإسلامي الخميني! ويحدّثنا أحد مؤسسيه، وهو المهندس مير حسين الموسوي أنَّهم بعد ملء استمارات أكثر من ثلاثة ملايين منتسب لهذا الحزب تبيَّن أن 90% من أعضائه كتبوا اسم علي شريعتي بوصفه كاتبهم المفضّل.

لقد هيمن علي شريعتي على هذا المشهد الثقافي طوال العقود الماضية بلغته الأدبية الناصعة العالية، وبعاطفته المحتدِمة المتوهِّجة الجارفة، وبمقارناته ومقارباته الإسلامية اليسارية العالمثالثية الجسورة المقتحِمة، وبنزعته الإيديولوجية الثورية القادرة على مناغاة أصحاب اليمين وأصحاب اليسار على حدٍّ سواء، وبمؤلفاته وكتبه التي نافت على المئة، فظلَّ الاسم الأبرز جنباً إلى جنب مع بقية المفكرين البارزين المشهورين، كآية الله محمود طالقاني (1911 ــــ 1979والدكتور محمد بهشتي (1928 ــ 1981والسياسي المفكر حبيب الله پيمان (1935 ــ …)، بل رُفعت صوره مع رجل إيران الأول الإمام الخميني طوال أيام الثورة، لإيمان الشعب بأنَّه جان جاك روسّو الثورة الإيرانية الذي حفر، بكتاباته، للثورة الأنفاق التي نُسفت منها بعد ذلك الشاهنشاهية في الهواء، ولكنه لم يشهد للأسف بأمِّ عينيه انتصار هذه الثورة، ثمَّ لم يشهد، من رحمة الله به، كيف أخزت ولاية الفقيه كلّ أمل للإيرانيين في دولة مدنية متوازنة، وكيف بدَّدت كلّ أحلامهم وأمنياتهم.

إغلاق:

لم يصدِّر علي شريعتي النبي في (سيماء محمد) باعتباره عنيفاً فحسب، ولكن باعتباره أقسى من الفولاذ! يجترح العنف، ويأمر به، من دون تأنيب ضمير، ومن دون أن يرفَّ له جفن! وسوف تكون هذه الصورة الشائهة قدوةً وأسوة للمعارضين (مجاهدي خلق)، وستغدو أعينهم من خرز، وهم يقومون بعمليات القتل والتفجير والإرهاب، التي طالت أعداءهم مرة، والمدنيين الأبرياء مئات المرات، وستكون هذه (السيماء) قدوة وأسوة للخميني وأتباعه، فهؤلاء الذين أحبّوا شريعتي لثوريته، انتظروا اللحظة المواتية الغالية على قلوبهم حتى تغدو أعينهم كفصوص الخرز، وهم يغتالون تارة الخونة والعملاء، أو وهم يعلِّقون المنافقين، بالآلاف، على المشانق، فلا يرفُّ لهم جفن، ولا يختلج لهم عرق، ولا يطرف لهم رمش، ثم ينصرفون إلى شؤونهم الأخرى، بكل تؤدة! تارةً يتلبَّسهم التجلّي الموسوي الرهيب وهم يمارسون عملهم في السجون والمعتقلات وساحات الإعدام، فتغدو عيونهم من خرز، وقلوبهم من صوّان، وتارة يدخلون في التجلي العيسوي الرحيم في المساجد والحسينيات والعتبات، فتخضل خدودهم بالدموع، ويعلوا نشيجهم ونحيبهم، وهم يستمعون لــ (دعاء كميل)، أو لــ (مناجاة المفتقرين)، في اقتداءٍ كامل بــ (سيماء محمد)، بل أستغفر الله بــ (سيماء علي شريعتي).

 

هوامش:
(1) انظر: علي شريعتي، سيماء محمد، ت: د. جعفر سامي الدبوني، (بيروت:دار الأمير، ط2، 2007)، ص 28.
(2) المصدر نفسه: ص 43.
(3) المصدر نفسه: ص 45.
(4) انظر: مونتغمري واط، محمد في المدينة، ت: شعبان بركات (صيدا ــ بيروت: منشورات المكتبة العصرية)، ص 510.
(5) سيماء محمد، ص 41.
(6) المصدر نفسه: ص 41.
(7) المصدر نفسه، ص 44.
(8) فرانز فانون، معذبو الأرض، ت: د. سامي الدروبي، و د. جمال الأتاسي، (بيروت: ط: 2، 2015)، ص 39.
(9) المصدر نفسه، ص 30.
(10) المصدر نفسه، ص 37.
(11) خير من رسم خريطة مفصَّلة للمشهد الثقافي والفكري في إيران منذ اعتلاء الشاه محمد رضا بهلوي العرش، وحتى اشتعال الثورة الإسلامية التي أطاحت به، وهي فترة استغرقت حوالي أربعة عقود، هو الكاتب رسول جعفريان في كتابه الفذّ (جریان‌ها وسازمان‌های مذهبی – سیاسی ایران/ التيارات والمنظَّمات السياسية في إيران).

إقرأ أيضاً