fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

سيادة الرئيس الطفل

بعض قادة عالمنا “الجدد”، كدونالد ترامب ورودريغو دوتِرتي وعبد الفتّاح السيسي، صار من الشائع وصفهم بالأطفال الكبار. السلوك والأقوال والأفعال تعزّز تقديراً كهذا.

والطفل الكبير، النرجسيّ تعريفاً والناهد دائماً إلى المجد، ينطوي على مواصفات مدرسيّة كثيراً ما تداولها الإعلام منذ وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتّحدة: فهو لا بدّ أن يملك شعوراً متضخّماً بذاته وأهميّتها. يبالغ في وصف إنجازاته ومواهبه. يتوقّع من الآخرين الاعتراف به كمتفوّق. وهو أسير فانتازيّات تستغرقه مدارها النجاح والقوّة والألمعيّة والجمال. يعتقد أنّه “خاصّ” و”فريد” وأنّه يستحقّ الثناء والمديح المتواصلين، وأن يحظى بمعاملة تميّزه عن سواه. فوق هذا، يظنّ أنّ من حقّه استغلال آخرين واستخدامهم تبعاً لتفوّقه عليهم، لكنّه لا يكنّ أيّ تعاطف مع الضعفاء و”الفاشلين” لأنّهم، تعريفاً، أدنى منه. إنّ وظيفتهم أن يكونوا مادّة صالحة لاستعماله لهم. ومع أنّه ضمناً يحسد كثيرين (يقول إنّهم يحسدونه)، فإنّ سلوكه ومواقفه تنضح بالتعالي والعنجهيّة، كما يُكثر ذكر الأسماء والعناوين التي تنمّ عن تفوّقه.

الطفل، ذو المواصفات هذه، حين يغدو قائداً وزعيماً، فهذا يشير إلى عمليّة حذف أو إنقاص طالت أموراً كثيرة: العمر والنضج والتجارب والتعليم… المنطق الضمنيّ وراء ترئيس الطفل يقول إنّ ما عرفناه قبلاً على أيدي ناضجين ومتعلّمين وأصحاب تجارب كان كارثيّاً. فلنمنحْ تفضيلنا بالتالي لمن هو “أقلّ” و”أصغر”، لا لمن هو “أكثر” و”أكبر”. ليكن الأصغر أكبر من الأكبر.

تلك الحجّة، وهي من عيون الوعي الشعبويّ، تفترض أنّ كلّ ما تحقّق حتّى اللحظة، وفي سائر الميادين، سيّء وسلبيّ. أمّا الطفل المخلّص فهو من سيخلّصنا من ذلك ليردّنا إلى جوهر أصليّ متعالٍ عرّضته “النخبة” للتشويه.

إذاً الفارق كبير جدّاً بين “كثير” البلد و”قليل” الطفل، وهذا ما يخلق استغراباً دائماً، عقلانيّ المصدر، لدى المقارنة بين الولايات المتّحدة ودونالد ترامب (“هل تصدّقون أنّ شخصاً كترامب يحكم أميركا!؟”)، كما يخلق لدى الأميركيّين الأذكى والأعرف رعباً من حجم ما “سيخلّصنا” منه ترامب.

في مصر، الأقرب إلينا، تشتغل هذه المعادلة على نحو لا يقلّ دقّة عن اشتغالها في أميركا. فلنراجع بعض العناوين كي نتعرّف على ما يراد حذفه وإنقاصه:

منذ أكثر من مائتي سنة، ارتبط اسم مصر بأنّها “الأولى” عربيّاً:

أوّلى: لأنّ نابوليون بونابرت غزاها فكان الاحتكاك الأوّل بالغرب. لأنّ محمّد علي حكمها وبنى فيها أوّل دولة مركزيّة في المنطقة. لأنّ المصريّ رفاعة رافع الطهطاوي كان أوّل إمام يزور الغرب ويحتكّ به ويكتب عنه. لأنّ احتلال الإنكليز لها جعلها أوّل عاصمة للثقافة العربيّة وأوّل مقصد لطالبي الحرّيّة في المنطقة. لأنّ شقّ قناة السويس ربطها وربط المنطقة، للمرّة الأولى على هذا النحو، بالعالم الخارجيّ. لأنّ دار الأوبرا الأولى في العالم العربيّ أقيمت في القاهرة. لأنّ “حركة الإصلاح الإسلاميّ” لجمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده ولدت، للمرّة الأولى، هناك. لأنّ حزب الوفد المصريّ كان أوّل حركة استقلاليّة عربيّة. لأنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي أُسّست فيها، كانت أوّل تنظيم سياسيّ – دينيّ إسلاميّ. لأنّ السينما العربيّة بدأت هناك فكانت السينما العربيّة الأولى، ومثلها الرقص الشرقيّ. لأنّ الرواية والمسرح عُرفا للمرّة الأولى في مصر. لأنّ جمال عبد الناصر كان أوّل زعامة عربيّة من صنف الزعامات القوميّة الشعبويّة التي عرفها “العالم الثالث”. لأنّ أنور السادات كان أوّل من أقام سلاماً مع إسرائيل. لأنّ نجيب محفوظ وأحمد زويل كانا أوّل – وآخر – عربيّين ينالان جائزتي نوبل للآداب والكيمياء…

وهذا “الأوّل” كان دائماً يتحوّل إلى نموذج ثمّ يغدو وعداً يتلقّفه هواة النوع: مناهضو الغرب موعودون بناصريّة ما. الراغبون بإنهاء الحروب موعودون بساداتيّة ما. الإسلاميّون موعودون بحسن بنّا ما، أو بسيّد قطب ما. الديمقراطيّون موعودون بحزب وفد ما. الليبراليّون موعودون بأحمد لطفي السيّد ما. كتّاب الرواية موعودون بتجديد نجيب محفوظ. أهل الفنّ موعودون بالانتقال إلى مصر…

اليوم، مع عبد الفتّاح السيسي، لا يزال وصف “الأولى” و”الأوّل” ساري المفعول، وإن على نحو مقلوب: فالسيسي أوّل مستبدّ مكتمل الطفولة في المنطقة. القذّافي، مثلاً، كان يلعب ويُضحك. صدّام كان يخيف. بشّار كان ولا يزال “يتفلسف”. لكنّ “الأوّل” الذي يمثّله السيسي هو من صنف “الأوّل” الذي نقول بموجبه: أيضاً كانت مصر أوّل بلد (ربّما في العالم) يُهزم تلك الهزيمة المدوّية التي حصلت في 5 حزيران (يونيو) 1967. إنّه “الأوّل” حيث لا يُشتهى إلاّ الموقع الأخير.

أليس كبيراً جدّاً ما سوف “تخلّصنا” منه رئاسة السيّد الطفل عبد الفتّاح؟

 

إقرأ أيضاً:

السيسي رئيسي

عن الصواب السياسي اليوم

إقرأ أيضاً