في تركيا أيضا السوريون تلاحقهم العنصرية ..

طيلة الطريق كان السائق مقتنعاً بأن عددهم 30 مليوناً، واستخدمت كل مفردات اللغة التي أعرفها لإقناعه بأن عدد الشعب السوري كلّه داخل سوريا وخارجها هو 24 مليوناً، من دون جدوى.
مطعم سوري في تركيا

بلغتي التركية الركيكة حاولت نصف ساعة كاملة إقناع سائق سيارة الأجرة التركي، بأن عدد اللاجئين السوريين في تركيا هو فقط 3.5 مليون.

طيلة الطريق كان السائق مقتنعاً بأن عددهم 30 مليوناً، واستخدمت كل مفردات اللغة التي أعرفها لإقناعه بأن عدد الشعب السوري كلّه داخل سوريا وخارجها هو 24 مليوناً، من دون جدوى.

في تلك الرحلة القصيرة من ميدان تقسيم في اسطنبول إلى منزلي، رأيت نفسي مُرغماً على عدم الإفصاح عن أنّني سوري الجنسية أمام السائق، فالإفصاح عن هذا السر الخطير قد يكلّفني الوقوع في متاهة الإجابة عن الأسئلة الروتينية، أوّلها متى ستعود إلى بلدك؟ هل يوجد في سوريا شاي أم أنّكم تعرّفتم إلى الشاي في تركيا؟ كم تبلغ المساعدات التي تحصل عليها من الحكومة التركية من دون أن تعمل؟ لماذا هربت من المعارك؟ لو كنت مكانك لقاتلت حتّى الرمق الأخير فلماذا أنت هربت؟

وللهروب من كل هذه الأسئلة العبثية اكتفيت بالقول إنّني من الأردن، كانت الإجابة مباشرةً: “ظننتك من سوريا لأن السوريين ملأوا بلادنا، يوجد في تركيا 30 مليون سوري، لا أفهم لماذا جاءوا إلى هنا ولم يذهبوا إلى دبي أو قطر أو عربستان (السعودية)”. لم ألم السائق، لأنّه لن يستوعب أن العرب يفرضون تأشيرة دخول على العرب.

اعتداءات متكرّرة

تجمّع آلاف المواطنين الأتراك في تظاهرات حاشدة مؤخراً، وهاجموا محال السوريين التجارية، وحطموها في منطقة “إكي تلي” على أطراف اسطنبول. التجمّع جاء ردّاً على أنباء بأن سورياً تحرّش بطفلة تركية عمرها 4 سنوات.استمرَّ التجمّع الذي عاينه “درج” ثلاث ساعات، قبل أن تتدخّل الشرطة التركية وتخمده بالغاز المسيّل للدموع وخراطيم المياه. لم يكن هناك ما يدل على حادثة اغتصاب إلّا ما تداوله مواطنون أتراك في طريق “هاشتاغ” نشره أتراك على “تويتر” دعوا فيه إلى طرد السوريين من تركيا فوراً، “#SuriyelilerDefoluyor” أي “لا أريد السوريين”.

أدّت هذه الاعتداءات إلى تحطيم مطاعم سورية ومحال تجارية أخرى في المنطقة، كبدت أصحابها خسائر مادية كبيرة. وقال مالك سوبر ماركت في المنطقة لـ”درج”: “خلال التظاهرة تم تكسير واجهة محلّي وأكثر من نصف البضائع خلال دقائق”. وأضاف أنّ معظم البضائع في محلّه حصل عليها بالدين، إذ استدان مبالغ من أصدقائه وأقاربه لبدء مشروعه الصغير.

تجمّع آلاف المواطنين الأتراك في تظاهرات حاشدة مؤخراً، وهاجموا محال السوريين التجارية، وحطموها في منطقة “إكي تلي” على أطراف اسطنبول.

يكمل مالك المحل الذي رفض الكشف عن هويته: “لا يعنيني إذا كان هناك حادثة تحرّش بالفعل أم لا، فما يهمّني هو أنّني لم أتعرّض لأي شخص ولست مضطرّاً لأن تتم معاقبتي على ذنب مفترض لم أرتكبه أصلاً”.

بعد يومٍ واحد من الحادثة، لم تظهر هوية الفتاة التي قيل إنّها تعرّضت للتحرّش ولا هوية ذويها، لتصدر بعدها ولاية اسطنبول بياناً رسمياً قالت فيه إن “شكوى تلقاها مركز الشرطة عبر الهاتف ادعى فيها المتصل حصول حادثة تحرش لفظي في حي محمد عاكف”. ثم ظهر بعد ذلك هاشتاغ معاكس بعنوان “السوريون ليسوا وحدهم” #suriyelileryalnızdeğildir.

وأضافت الولاية أن قوات الأمن تحركت نحو الموقع وقامت بالقبض على الطفل الأجنبي المشتبه فيه والذي تم زجه في الحادثة، مع الطفلة التي ادعي أنه تم الاعتداء عليها، وتم تسليم كليهما إلى فرع شرطة الأطفال.

إلّا أن شرطة اسطنبول نفت وقوع أي اتصال جسدي أو تحرّش، موضحةً أن ما حصل لم يكن سوى مشادة كلامية بين طفل سوري وطفلة تركية.

لكن حادثة مهاجمة السوريين في تركيا بناء على معلومات مغلوطة لم تكن الأولى من نوعها، ففي 7 شهر نيسان/ أبريل الماضي تداول روّاد التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر شابين عربيين، يوجهان الشتائم لتمثال مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. لم تمضِ ساعاتٍ على هذا المقطع، حتّى طالب مواطنون أتراك عبر هاشتاغات عنصرية بطرد السوريين من البلاد. كما سبقت هاتين الحادثتين حوادث مختلفة تعرّض السوريون فيها لاعتداءات مباشرة وبثٍّ لخطابٍ معا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب مخالفات قانونية ارتكبها أقران لهم.

لا تغطية إعلامية

بينما يستمر التضييق على اللاجئين السوريين في تركيا، تغيب التغطية الإعلامية عن هذا التضييق تماماً، بخلاف ما تغطية قضايا اللاجئين في دولٍ أخرى.

وبحسب ما رصد “درج”، فإن السبب الرئيسي في غياب هذه التغطية، هو استحواذ الحكومة ورجال أعمال مقرّبين منها على معظم وسائل الإعلام المستقلّة، في حين أن المعارضة التركية اليمينية تتعمّد تقديم صورة سلبية عن هؤلاء اللاجئين، بسبب رفضها استمرار وجودهم على الأراضي التركية، ما جعل وسائل الإعلام الناطقة باللغة التركية تستنكف عن مخاطبة المواطنين الأتراك بلسانهم عن حقيقة وضع السوريين في تركيا، ما يجعل اللاجئين السوريين محط اتهام في كل حادث يُرتكب في البلاد.

ومن أبرز النقاط التي غابت تماماً عن فهم المجتمع التركي المضيف، أن عدد السوريين الذين يتمتّعون بحق اللجوء في تركيا هو صفر.

بينما يستمر التضييق على اللاجئين السوريين في تركيا، تغيب التغطية الإعلامية عن هذا التضييق تماماً

يمكن تصنيف وضع السوريين القانوني في تركيا إلى ثلاث فئات، الأولى تضم حملة “إقامة العمل”، وهؤلاء انخرطوا في سوق العمل التركية، ويحصلون على رواتب ويدفعون الضرائب كاملةً، أما الفئة الثانية فتضم السوريين الحاصلين على إقامات سياحية، ويقيم هؤلاء بصفة سائح، ويحصّلون قوتهم من العمل في السوق التركية أيضاً.

أما الفئة الثالثة وهي الأكثرية، ففيها حملة “بطاقة الحماية الموقّتة التركية” والمعروفة اختصاراً باسم “كيملك”، وهذه البطاقة تعترف بأن السوري هو تحت الحماية الموقّتة للحكومة التركية ولا تعترف به كلاجئ، وذلك بحسب المحامي مازن خليل المقيم في تركيا.

وأضاف في حديثٍ لـ”درج”: “الحماية الموقتة تخوّل السلطات التركية سحب البطاقات من السوريين على أراضيها متى شاءت وبشكلٍ قانوني”، موضحاً أن الحماية الموقّتة تختلف عن حق اللجوء الذي يجبر السلطات بموجب القانون الدولي على رعاية هذا اللاجئ ومنحه وثائق وإعطائه حرّية التنقل والحركة والحماية الكاملة”. وأكّد أن تركيا لم تمنح أي سوريٍ حق اللجوء.

إشاعات تلاحق السوريين

على مدار سنتين من العمل في مطعم شعبي في منطقة جيفيزليبا في اسطنبول، يسمع وسام السؤال ذاته يومياً من زملائه في العمل “كم يبلغ الراتب الذي تتقاضاه من الحكومة التركية؟”.

من أبرز النقاط التي غابت تماماً عن فهم المجتمع التركي المضيف، أن عدد السوريين الذين يتمتّعون بحق اللجوء في تركيا هو صفر

يبلغ راتب وسام من عمله 2000 ليرة تركية شهرياً (أقل من 400 دولار أميركي) فيستمر زملاؤه بالقول: “إنك تحصل على 4000 ليرة شهرياً، نصفها من عملك ونصفها من الحكومة لأنّك لاجئ”.

يقول وسام: “جلبت لهم كل ما أملك من أدلّة بأنّ الحكومة لا تعطي اللاجئين أي راتب، إلّا أنّهم لم يقتنعوا، لا أعلم من أدخل هذه الفكرة في أذهانهم”، موضحاً أن الجميع ينظر إليه بعين السخط لأنّه بنظرهم يتقاضى راتبين، من عمله ومن الحكومة.

على غرار هذه الإشاعة التي تلاحق السوريين، ثمّة 7 إشاعات أخرى ملتصقة بهم، لخّصها تقرير صادر عن رئاسة حقوق الإنسان التابعة لحزب “العدالة والتنمية” بعنوان “حقوق اللجوء”.

وجاء على رأس تلك الشائعات، أن السوريين يدخلون أي جامعة يريدونها من دون امتحان، علماً أن الطلاب السوريين كبقية الطلاب الأجانب، لا يمكنهم دخول الجامعات من دون الخضوع للامتحانات المخصصة للأجانب.

أما الشائعة الثانية فهي أن كل الطلاب السوريين يدرسون بمنحة من الدولة، والصحيح أن الحكومة التركية تعطي منحاً دراسية كل عام لكل الطلاب حول العالم سنويا،ً وتُعرف باسم Türkiye Bursları، ولا تستقبل إلا عدداً محدوداً من مختلف الجنسيات، وفق معايير خاصة تطرحها الهيئة من دون تمييز. ومن هذه الشائعات أيضاً، أن السوريين يتمتعون بحق التصويت خلال الانتخابات، مع العلم أنّه كحال أي دولة أخرى فإنه لا يحق لأي أجنبي لا يحمل جنسية هذا البلد الانخراط في أي عملية تصويت سياسية.

وبحسب التقرير ذاته، فإن هناك شائعة تقول إن اللاجئين السوريين في تركيا يرتكبون جرائم، إلّا أنّه بحسب وزارة الداخلية التركية، فإن نسبة الجرائم التي ارتكبها سوريون في تركيا، بلغت مقارنة بلغت 1.32 في المئة أي أقل من واحد ونصف بالمئة، من مجموع الجرائم، وذلك ما بين عامي 2014 و2017.

وتلاحق السوريين أيضاً شائعة أن هيئة الإسكان التابعة لوزارة البيئة تمنحهم بيوتاً بالمجان، مع العلم أن هيئة الإسكان التابعة لوزارة البيئة “TOKİ” أكّدت أنّها لا تمنح أي أحد سكناً مجانيّاً من دون أن يكون مواطناً تركيّاً. فضلاً عن ذلك، تدور شائعة بين الأتراك أن السوريين يحصلون على رواتب شهرية من الحكومة، مع العلم أن المساعدة الوحيدة المقدّمة للسوريين في تركيا هي 120 ليرة (22 دولاراً) شهرياً مقدّمة من الاتحاد الأوروبي عن طريق الهلال الأحمر التركي الذي يأخذ دور الوسيط بتوزيع هذه المساعدة المالية البسيطة، حيث يتلقّى الهلال الأحمر التركي 225 مليون دولار شهرياً لتوزيعها.

وبحسب التقرير ذاته فإن هناك شائعة عن منح الجنسية التركية لـ3.5 مليون سوري. وكل سوري يبقى في تركيا 5 سنوات يتم منحه الجنسية، مع العلم أنّه بحسب وزير الداخلية التركي سليمان صويلو فإن عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية 79820 سورياً”.

هذه الوقائع يعزّزها ما ذكره المستشار السابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ياسين أقطاي قائلاً: “إن السوريين لا يشكلون عبئاً مالياً على الدولة وهم يعملون ويعتنون بأنفسهم”.

وأضاف: “البطالة في تركيا ليست متعلقة بالسوريين، فعام 2011 كانت نسبة البطالة 15 في المئة وفي 2019 بلغت 11 في المئة فقط” موضحاً أن الصناعيين الأتراك راضون عن العمال السوريين وهم لم يضروا الاقتصاد بل ساهموا بتنميته”.

وأكّد المتحدث باسم وزارة الداخلية التركية اسماعيل كاتاكلي، أن تركيا لن ترغم أحد من السوريين على العودة القسرية إلى سوريا.

ظروف مأساوية

يعاني السوريون في تركيا من ظروف معيشية مأساوية، بسبب وضعهم الاقتصادي السيئ، من جهة، وقوانين التضييق عليهم من جهةٍ أخرى.

“البطالة في تركيا ليست متعلقة بالسوريين، فعام 2011 كانت نسبة البطالة 15 في المئة وفي 2019 بلغت 11 في المئة فقط”

ويبلغ عدد الأطفال السوريين في تركيا نحو 1.2 مليون، من بينهم 410 ألف طفل لا يتلقّون أي تعليم بسبب انخراطهم في سوق العمل.

كما يعمل السوريون هناك غالباً في مصانع ومهنٍ شاقّة بأجور بخسة لا تتجاوز 300 دولار، بساعات عمل تزيد عن 12 ساعة يومياً، من دون الحصول تأمين أو حوافز أو تسجيل رسمي.

وفي مقابل هذه الظروف، احتل السوريون المرتبة الأولى في تركيا في عدد الشركات الأجنبية، إذ بلغت 7 آلاف و599 شركة حتى نهاية عام 2018 وفقاً لبيان نشره “اتحاد الغرف وتبادل السلع في تركيا”.

إضافةً إلى ذلك، حصلت السلطات التركية على هبات أوروبية قدرها 3 مليارات دولار كدفعة أولى، مقابل التزام تركيا بما يُعرف بـ”اتفاق وقف تدفّق المهاجرين” والذي تُعتبر تركيا شريكاً رئيسياً فيه من خلال منع اللاجئين من الوصول إلى اليونان عبر أراضيها.

وكان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان لوّح مرات عدة بورقة فتح الطريق إلى أوروبا، في حال لم يحصل على مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة من الأوروبيين.

“مكافحة العمالة الأجنبيّة”: السلطات مستمرّة في التصعيد… فما الهدف؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email