fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد فارس - صحافي سوري

محمد فارس - صحافي سوري

مقالات الكاتب

سوريا: الحنين إلى الكهرباء

تحاول العائلات السورية إيجاد بدائل بدائية للكهرباء

على ضوء مصابيح “الليد” الخافتة، قلب أبو موفق كُمّ كنزته الصوفية كاكية اللون، وصار يعد طبقات الثياب التي يرتديها. أربع كنزات وسروالان رياضيان تحت بنطال الجينز الفضفاض. ثلاثة جوارب مثقوبة في كل قدم، طاقية صوفية سوداء، عليها رسم الشخصية الكرتونية «بيكاتشو». معطف بني غامق، ثم بطانية رمادية. «وبالكاد نشعر بالدفء،» قال أبو موفق مبتسماً.

وحتى يستفيد من أكبر قدر من دفء المكان، اختار المدرّس المتقاعد أن يستعين بمدفأة الحطب في أصغر غرفة في المنزل، حيث جلس مع حفيديه الصغيرين وزوجته.

بحذر، جمعت كنّته ثياب طفليها المنشورة حول المدفأة. لملم هو ثمار الجوز المشوي عن سطحها. صبّت الكنّة الشاي، ووضعت الإبريق مكان الجوز. «نحاول أن نستفيد من المدفأة قدر المستطاع،» علّقت الكنة.

عند السادسة والنصف من تلك الليلة، في 7 آذار/ مارس، أضيء مصباح كهربائي أبيض مثبّت على أحد جدران الغرفة. صيحة أولاد فرحين وصفير دوى في الحارة ابتهاجاً بعودة التيار الكهربائي.

ووفقاً لبرنامج التقنين، تقطع الحكومة الكهرباء منذ أكثر من شهرين عن معظم مناطق ريف دمشق، بمعدل أربع ساعات ثم تعيدها مدة ساعتين. أثناء زيارة مراسل «درج» منزل أبي موفق في تلك الليلة، انقطع التيار الكهربائي أكثر من 14 مرة خلال ساعتي النور المفترضتين.

تقنين وبدائل

وفيما يحاول أن يتدبر أموره بطرائق شتى، يقول أبو موفق وهو يكسر ثمار الجوز: «أثناء انقطاع الكهرباء، نشغل المدفأة بما تبقى من الحطب وبعض القطع البلاستيكية خلال النهار، وإذا زارنا ضيوف مساءً، نستخدم الليدات وقد نشغل مدفأة المازوت».

غير أن تلك البدائل ليست آمنة أحياناً. إذ توفي سبعة أطفال في دمشق مطلع العام نتيجة نشوب حريق في منزلهم نجم عن مدفأة كهربائية. كذلك لقي أب وثلاثة من أطفاله مصرعهم اختناقاً، نتيجة تسرب الغاز من مدفأة في منزلهم في حلب. وتوفي قبل أسابيع مدرب الكاراتيه أسامة عزام بسبب تنشقه غاز مدفأة في منزله في مدينة السويداء.

كما أن بعض البدائل ليس قانونياً. فأبو موفق يعتمد جزئياً في التدفئة على الاستجرار غير المشروع للكهرباء. «حفيداي لم يبلغا سن المدرسة، ولن أتركهما من دون تدفئة. ولا أحد يحس بنا»، يعلّق وهو يهز رأسه يميناً ويساراً.

ويعاقب القانون مستجر الكهرباء بصورة غير مشروعة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن 15000 ليرة سورية (34.40 دولار أميركي) على التوتر المنخفض و300000 ليرة (688.07 دولار) على التوترات العالية.

أرقام وخسائر

في شباط/ فبراير الماضي، أعلنت وزارة الكهرباء أنها سجلت خسارة في التيار بسبب السرقات بنحو 545 مليون كيلوواط ساعي، ما بين عامي 2014 و2018. وسجلت الوزارة في الفترة المذكورة نحو 145.52 ألف ضبط استجرار غير مشروع، منها 119.96 ألف ضبط بحق أصحاب منازل. وبلغت القيمة المالية للكهرباء المسروقة 32.7 مليار ليرة (7 ملايين و500 ألف دولار)، على اعتبار أن التكلفة الإنتاجية للكيلوواط ساعي 60 ليرة (0.13 دولار).

وللمفارقة، يكلف التقنين الدولة أضراراً، إذ قال مدير عام شركة كهرباء طرطوس الحكومية، مالك معيطة، إن «حرامية» يستغلون فترة التقنين ليسرقوا كابلات نقل التيار النحاسية. وقدر الخسائر من جراء ذلك بـ90 مليون ليرة (206422 دولار) في العامين الماضيين.

وفيما وصلت الإيرادات السنوية لوزارة الكهرباء نهاية 2011 إلى 50 مليار ليرة (847457627 دولار/ الدولار بـ59 ليرةقالت الوزارة إنها خسرت «بسبب السرقات» 32.7 مليار ليرة (7500000 دولار) ما بين 2014 و2018.

ومنذ عام 2003، تداوم وزارة الكهرباء على إعلان تقديرها الفاقد الفني في الطاقة الكهربائية بنحو 27 في المئة. فيما قدر خبراء عام 2015 أنها تصل إلى 45 في المئة. ويعرف الفاقد الفني بأنه الفرق بين الطاقة المرسلة من محطات التوليد والطاقة المستهلكة من قبل المستهلكين.

وحتى ما قبل عام 2011، كانت إمدادات الكهرباء أقل من الطلب فوصل الإنتاج عام 2011 إلى 7200 ميغاواط ساعي. فيما بلغ العجز 1213 ميغاواط ساعي عام 2010. وحتى عام 2009، كان نحو 85 في المئة من التيار، يأتي من 11 محطة توليد، بينما يتم توفير جزء آخر عبر السدود الكهرومائية (التي كانت تعمل جميعها بوتيرة أقل بكثير من طاقتها بسبب انخفاض إمدادات المياه الناجمة عن الجفاف)، أما البقية فكانت تولدها مصافي النفط. وكانت سوريا تستورد نحو 300 ميغاواط من تركيا ومصر. وجاءت سوريا في المرتبة 92 من أصل 142 دولة من حيث مؤشر جودة إمداد الكهرباء على تقرير التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي 2011-2012.

وبحسب شركة «محروقات»، استهلكت محطات توليد الطاقة الكهربائية أكثر من 180 ألف طن من الفيول من أصل 215 ألف طن وهي إجمالي الكمية التي وزعتها الشركة خلال تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

وبحسب وزير الكهرباء، محمد زهير خربوطلي، فقد بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء مع نهاية عام 2018 ما بين 4500 و5000 ميغاواط، إذ ارتفع الإنتاج اليومي من 46 مليون كيلوواط ساعي نهاية عام 2016 إلى 83 مليون كيلوواط ساعي. وتسعى سوريا للوصول إلى إنتاج 9040 ميغاواط حتى عام 2023. لكن التحديات أمام القطاع الكهربائي تبدو جسيمة، إذ تحتاج محطات التوليد إلى إصلاح وتطوير إلى جانب توقعات بزيادة الطلب. وبحسب إحصاءات الوزارة، ارتفع الطلب من 3878 ميغاواط عام 2000 إلى 6715 ميغاواط عام 2008، بزيادة سنوية بلغت 7 في المئة.

وأعلن خربوطلي في كانون الأول/ ديسمبر الماضي أن 13 مليون متر مكعب من الغاز، ترد إلى محطات توليد الكهرباء يومياً، فيما حاجاتها 18.5 مليون متر مكعب. وأضاف أن لدى الوزارة مجموعات غازية بحاجة إلى نحو 5.5 مليون متر مكعب من الغاز لإنتاج نحو 900 ميغاواط.

ويبلغ كامل إنتاج وزارة النفط من الغاز في منطقة جنوب غربي نهر الفرات نحو 16.5 مليون متر مكعب يومياً، تزود وزارة الكهرباء بـ13 مليون متر مكعب.

وحتى أواخر عام 2011، كانت سوريا تدعم قطاع الكهرباء بمعدل 200 مليار ليرة (3.6 مليار دولار) سنوياً. وكانت تكلفة تشغيل محطات توليد الطاقة تبلغ نحو 700 مليون ليرة (12.7 مليار دولار) في اليوم. كذلك كانت تنفق ما بين 250 مليار ليرة (4.5 مليار دولار) إلى 260 مليار ليرة (4.7 مليار دولار) سنوياً لشراء وقود محطات التوليد.

وفي كانون الأول، برر خربوطلي انقطاعات الكهرباء بأن «الشتاء دخل بشكل مفاجئ بعدما باشرت ورشات الصيانة عملها، ما أدى إلى رفع ساعات التقنين».

وفي كل مرة عاد فيها التيار الكهربائي، ترك أبو موفق مصابيح “الليد” قريبة منه وأسرع إلى هاتفه النقال، محاولاً أن يجد خبراً ما عن الكهرباء والوقود. يشتعل المصباح الأبيض، ويصيح أولاد الحارة ويصفرون فرحين ابتهاجاً بالنور. وبينما يضع الهاتف على الشحن من جديد، ينظر إلى حفيديه الغافيين، ويعود التيار الكهربائي لينقطع مرة أخرى.

إقرأ أيضاً