fbpx

هنا القصة الثالثة

عهد الهندي - كاتب سوري

عهد الهندي - كاتب سوري

مقالات الكاتب

سوريا الأسد لم تعد واقعية… ولكن أين سوريا الأخرى؟

يشترك آباء العروبة، والأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا، ومثقفو المعارضة السورية في إنكارهم العلني وتسخيفهم لأهمية التمايزات الثقافية (الاثنوطائفية، الأثنية، الدينية) وتعظيمهم من متانة التمايزات السياسية (غير الموجودة أصلاً)، وإرجاعهم نجاح الأولى وفشل الثانية للتدخل الكولونيالي والنظم الناتجة منه.

الرئيس السوري شكري القوتلي والزعيم المصري جمال عبدالناصر والملك سعود – 1956

لا يوجد في سوريا  ما بعد العثمانية أكثرية ثقافية ولا سياسية، بل يوجد أقليات ثقافية، أما الأكثرية السياسية العروبية فلم تنتج عن ثورات أو مطالب شعبية أو حتى حوارات فكرية عامة. كانت أفكاراً نخبوية، تشكل امتداداً لفكرة النظام القديم، فعائلة عربية هاشمية تستبدل العثمانيين بآل هاشم، وتيار نخبوي جمهوري عروبي معارض لها منفصل عن الواقع أراد استلهام التجربة الأتاتوركية وتجارب الجمهوريات في فرنسا وألمانيا، والاتحاد السوفياتي، تلك التي تدعو لحكم الشعوب وليس العائلات، إلّا أن هذا التيار بدوره أعاد إنتاج ذات النظام السلالي القديم لكن بعائلات جديدة وملوك جدد. كما استفاد هذا التيار كثيراً من التمويل السعودي بسبب  الخلاف الهاشمي السعودي في حقبة الأربعينيات، فكان الرئيس شكري القوتلي، عراب التمويل السعودي للأحزاب القومية اليسارية في سوريا، وتجسد ذلك في الصراع بين الحزب الوطني ذي التطلعات الجمهورية وحزب الشعب الداعي لملكية هاشمية في سوريا.

لم يعرف التاريخ السوري انتفاضات، واعتاد السوريون العيش  تحت دول سلالية امبراطورية تحكمهم وفقاً لعقود مع سلالات أصغر كالبيوك والأغاوات وشيوخ العشائر الفلاحية، فالعلاقة مع العشائر البدوية السنية والعلوية التي تحتقر الزراعة وتمارس الغزو كانت دائماً متوترة. أما مسيحياً، فالبطريكيات كانت موجودةً دائماً. 

هذه السلالات والبطريريكيات التي تترأس ثقافات بعينها كانت حالاً معاشاً لقرون، ولم تكن صنيعة الدول الكولونيالية أو صنيعة نظام الأسد وإن استفاد الأخير منها. 

 

البناء على النموذج اللبناني قد يبدو هرطقة لمفكري الثورة، أو حلم بالنسبة للسياسة الواقعية، لكن الحرب باتت في نهاياتها، و”سوريا الأسد” لم تعد تصوراً واقعياً بفعل فقدان النظام أدنى مقومات الوجود بعيداً عن سيديه الإيراني والروسي.

 

المواطنة التي يدعوا إليها مثقفو الثورة السورية  تبدو حلاً مثالياً، لكنها فكرة لم تعطى الكثير من الجهد الفكري. فهي مثالية كمبدأ مساواتي، لكن قبل ذلك، المواطنة تحتاج إلى وطن، والوطن السوري الشفاف والمتصالح مع تمايزاته الثقافية الهائلة الناتجة عن صراعات تاريخية هو ما لم يتم تحديده أو الإتفاق عليه.

الإجماع العابر  للثقافات المحلية في سوريا لم ينتج عملياً سوى نظم وتيارات تحاكي الماضي الامبراطوري كداعش والنصرة حديثاً، أو شخصيات تحاكي الملوك كصدام حسين وحافظ الأسد وجمال عبد الناصر.

الثورة السورية شكّلت إجماعاً تاريخياً في سوريا ما بعد العثمانية تفوق في جماهيريتها كل الإجماعات السابقة مثل الثورة العربية أو الثورة السورية الكبرى، لكنه إجماع خال من الفكر السوري، ورأس المال السوري الداعم له.

الثورة، لم تنتج رموزاً وشخصيات وهوية “سوبر”جامعة، وضعف الدولة وانكسار سيادتها على مناطق عديدة لم ينتج هيئات حكم تعرف نفسها بهوية سورية جديدة، بل انتجت هيئات حاكت الاجماعات القديمة الامبراطورية ولم تصمد الهوية السورية المتآكلة التي راهن عليها المثقفون، فباتت “الثورية السورية” كما “العروبة” جامع ظاهري شكلي هزيل لباطن فئوي متين.

العشائر السنية العربية، والكردية (حزب العمال الكردستاني يشكل انشقاقاً مهماً على المجتمع العشائري الكردي، إلّا أن أتباعه قدسوا زعيم الحزب بشكل يحاكي الطرق القديمة)، والدرزية، والعلوية، والاسماعيلية والعائلات المدينية والمشيخيات الدينية السلالية (دمشق، حلب، حمص، اللاذقية وحماة) والبطريكيات المسيحية كل هذه الإجماعات المحلية حاضرة ومتينة منذ قرون، و”داعش” استفاد منها كما استفاد منها النظام، في وقت أنكرها مثقفو الثورة. 

 حتى النموذج اللبناني،(كتوافق بين سلالات حاكمة تترأس جماعات أثنوطائفية)، يُنظر له بخفة من قبل منظّري الثورة، وهو ورغم عدم كفاءته بسبب النظام الانتخابي وطريقة المحاصصة، يبدو المثال الأكثر كفاءة وتصالحية مع ذاته من الكيان السوري الهزيل.

البناء على النموذج اللبناني قد يبدو هرطقة لمفكري الثورة، أو حلم بالنسبة للسياسة الواقعية، لكن الحرب باتت في نهاياتها، و”سوريا الأسد” لم تعد تصوراً واقعياً بفعل فقدان النظام أدنى مقومات الوجود بعيداً عن سيديه الإيراني والروسي.

التصالح مع الذات السورية والنظر إليها بموضوعية والعمل على وثيقة وطنية تنطلق من الأرض تكون تمهيداً لدستور متصالح مع الإختلاف السوري، مهمة تتقدم غيرها اليوم، بحيث لا تتكرر فيها تجربة الدساتير السورية السابقة التي مارست ما نسميه اليوم بعملية النسخ واللصق من دساتير أجنبية.

التوازن بين السياسي والثقافي قد يحلّ بمجلس تشريعي بغرفتين واحدة تمثل الأحزاب وأخرى الجماعات المشكلة لسوريا.

هكذا خطوة تحتاج  لثورية، شجاعة، عقلانية، وقدرة بحثية وفكرية.

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (8):الإرهاب على ضفتي الثورة..

إقرأ أيضاً