fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

مقالات الكاتب

سهام ناصر صديقتي الحبيبة

عدتُ من تونس في مثل هذه الأيام من عام 1994 إلى بيروت، وقرّرت الاستقرار

النهائي، فاستأجرت شقة صغيرة على سطح عمارة مطلّة على ميناء بيروت في منطقة القنطاري. هناك كان بإمكاني أن أتأمل البحر، وأقعد طويلاً مع نفسي، بلا هاتف ولا كمبيوتر ولا أي وسيلة من وسائل التواصل الحديثة. كنت مهزوماً ومحبطاً وضائعاً. لم أوافق على اتفاق أوسلو، ورفضت وقتها تعبئة استمارة “العودة” إلى الوطن، وقلت أرجع إلى حيث البدايات، المخيّم والمدينة. لكن بيروت لم تكن رحيمة في ذلك الوقت. شعرت بأنني غريب ومنبوذ من الحجارة والناس، ما عدا بعض أصدقاء زمن مضى.

وسط هذه المشاعر الخادشة للروح، توطّدت علاقتي بسهام ناصر التي كنت أعرفها معرفة بعيدة، من خلال أصدقاء مشتركين. احتضنتني سهام مثلما تحتضن حمامةٌ فراخها العارية من الريش. كنت عاري الروح، مكشوف الهزيمة وأحمل، كما يحمل الهدهد تابوته، أحلامي الكبيرة البسيطة التي خلتُها تبخرت منذ توقيع أوسلو، أنا الذي كانت حياتي منذ الولادة في المخيّم تدور حول هويتي النازفة.

كانت سهام ناصر أكبر من الحياة وأكبر من الحب، وأكبر من الفن وأكبر من المسرح وأكبر من الوفاء وأكبر من متع الإنسان كلّها، حتى حين تضحك كانت تضحك ساخرة من كل شيء. كانت ضحكتها صاخبة تملأ وجهها كله، تنتشر على كل الحيز الذي تشغله كينونتها. لم تكن تضحك، كانت تطلق قهقهات تدخل القلوب وتفزع كل ما هو زائف في أرواح الآخرين. وحين تأكل، كانت سهام ناصر كمن تعلّم الطعام  أسرار الشهيّة، تحكي مع الطعام بمحبّة، كأنه طفلٌ قدّمته لها الحياة الفقيرة في عطائها إلى امرأة مثلها في مدينة كبيروت. وعندما تشرب، كانت كأنها تشكر الله على هذا الاختراع الذي حيّر عباده في التأويل والتحريم. وعندما تفرح، كانت سهام تنثر على الناس سكينة الرضا ومتعة الحضور الفاتن، وعندما تصمت حزينةً لأنها تذكرت طعنةً أو خدشاً في روحها، كان الحزن يلقي بظلاله على الكون حولها.

لم أمكث في بيروت كثيراً، فقد هزمتني المدينة فوق هزيمتي ورجعت إلى تونس. كنا نتبادل سهام وأنا رسائل نشكو فيها هشاشة الحياة وتفسّخ الأرواح. كنت أنظر إلى خطّها في رسائلها فأرى صخبها وشهوتها لتكشف غضبها واستعجالها. أرى الصفحات لا تتّسع لكلماتها المتناثرة المزدحمة بالمعنى والشجن.

عندما علمت أنها ترقد مريضةً في المستشفى منذ أيام، فكّرت بأنه ربما جاء الوقت لتقول لها الحياة “هزمتني يا سهام، إذ كنت تسخرين مني طوال هذه العقود وكأنني لا أعني لك شيئاً”

سهام ناصر صديقتي الحبيبة التي لم تتّسع عقول الرجال وربّما النساء في بيروت لإدراك حظوظ الصداقة بين رجل وامرأة من غير أن يكونا عاشقين. وعندما تزور تونس كنا لا نفترق طوال اليوم، أقود سيارتي وهي بجانبي بين المدن التونسية البعيدة والقريبة من العاصمة، ندخل إلى المطاعم والحوانيت، ونداعب التونسيين بالحب والمودة. وأحبت سهام بذور عباد الشمس السوداء التي يعشقها التونسيون ويسمّونها (قلوب كحلة)، قبل أن تخترق بذور عباد الشمس البيضاء التركية السوق التونسي بعد الثورة، وكنت عندما أعود الى بيروت أشتري لها القلوب الكحلة من تونس، فتفرح مثل طفل بهديتي البسيطة وأقول لها هذه قلوب سوداء لقلبك الأبيض.

انقطعت علاقتي بسهام قبل نحو عقد ونصف العقد، لسبب ظلّ مجهولاً لي ولأصدقائي وأخذتني الحياة خارج بيروت وخارج الأمكنة التي كنا نلتقي فيها، لكن انقطاع العلاقة لم ينهِ محبّتي لها. ظلّت محبّتي لسهام كما كانت في تلك السنوات التي احتضنتني فيها، مثل فرخ حمامة عار من الريش في مدينة قاسية حين تقسو، ورقيقة وحنون حين ترقّ وتحنو.

عندما علمت أنها ترقد مريضةً في المستشفى منذ أيام، فكّرت بأنه ربما جاء الوقت لتقول لها الحياة “هزمتني يا سهام، إذ كنت تسخرين مني طوال هذه العقود وكأنني لا أعني لك شيئاً”.

قلت  لصديقتنا المشتركة منى سعيدون التي لم تتوقف عن زيارتها في أيّام مرضها الأخيرة: “قولي لسهام إن قلبي معها، مش من اليوم من زمان، وإنها كانت صديقتي الحبيبة ولم تزل، وليس مهماً أن نلتقي كما كنا نلتقي، فاللقاء ليس دليل المحبّة دائماً”.

*سهام ناصر مخرجة وممثلة لبنانية وأستاذة في معهد الفنون الجميلة وتُعتبر من روّاد الحركة المسرحية في لبنان وهي رحلت قبل أيّام بعد صراع مع المرض

إقرأ أيضاً:
لماذا تحجّبت فاديا حمدي؟
عن صديقة الفلسطينيين الإسرائيلية فيلتسيا لانغر

إقرأ أيضاً