fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

“سنعود يوماً”:اللاجئون والمفاتيح المعلقة…

خلفية سوداء قاتمة، يتخللها رسم أبيض نقي، يُظهر جانباً من وجه امرأة، بملامح مهملة، وعين واسعة صافية، تتدحرج منها دمعة واحدة، مكتوب تحتها “عين الحلوة“. بهذه الصورة، قدّم ناجي العلي، مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، ومنذ ذلك الوقت، وربما قبله، ما زالت صورة المخيم على حالها، القتامة تلف حاضره ومستقبله، والحزن فيه يتدحرج من بيت إلى بيت، رغم نقاء قلوب ساكنيه وصفاء سرائرهم.

أدخل إلى المخيم، من بوابة المستشفى الحكومي، ورسمة ناجي العلي، تجول في ذهني، بينما ترتسم أمام عيني، كل مآسي الكون وملامح القهر والظلم والعذاب، دفعة واحدة، أسأل نفسي على الفور، أمخيم هذا أم جحيم؟ وتكرّ الأسئلة، أين الله؟ أين العالم؟ أين البشرية؟ أين الأشقاء والأخوة والأصدقاء وموجّهو البوصلة والزاحفون والقادمون ومن يشقون الطرقات مجاناً كل يوم نحو فلسطين؟ أين العازمون على التحرير والتطهير والصلاة؟ أين الملوك والرؤساء والقادة والثوار والجماهير وشيوخ القبائل ومشايخ المنابر؟ أحتّد، ثم أهدأ، أعرف أن انفعالي “لا يرجع الغريب للديار، لا يُنزل الأمطار” وأن أسئلتي تافهة، وأن الأجوبة عنها ستكون ساذجة، وأنه لا معنى لدموع عينيّ، وقليل على قلبي أن يذرف دماً، فألوذ بالصمت، وأترك للمشاهد الصادمة أن تعود وتصدمني أكثر.

أبدأ تجوالي، أرنو إلى الأبواب الموصودة على ما يشبه البيوت، نقرة واحدة تكفي لسقوطها، لشد ما هي متهالكة، أما الأبواب الأولى، فمكانها مازال محفوراً في الذاكرة، فلا شيء يضاهي، حرص اللاجئين في الشتات، على الاحتفاظ بمفاتيح بيوتهم، التي أُخرجوا منها غصباً، سنة النكبة، فيكاد لا يخلو بيت في المخيم، من مفتاح حديدي معلق على أحد جدرانه، كأن المفتاح حبل سري، يربطهم بأرضهم، ويغذي حقهم بالعودة، وفي الوقت عينه، يمنع تواصلهم مع واقعهم، فلا هم يعيشون في وطنهم ولا هم يعيشون خارجه.

لكن، بعيداً من كل الشعارات والرومنسيات، إصرار اللاجئين على الاحتفاظ بمفاتيح بيوتهم الأولى، شرط أساسي لتحقيق حلم العودة، أما التخلي عنها فيعني الرضوخ لكابوس التوطين، يؤكد لي صديقي اللاجئ: “نعم، المفتاح أهم رموز العودة”، فأشد بطريقة آلية، على علّاقة المفاتيح بيدي، إنها هدية قديمة من صديق فلسطيني، عليها خارطة فلسطين من جهة، ومن الجهة الأخرى صورة أبو عمار، وأردّد: “سنعود يوماً”.

ثمة رموز أخرى، يتمسك بها اللاجئون، لإثبات حقهم في بلادهم، المطرزات أحدها، كذلك المقتنيات المنزلية القديمة والدبكة والمواويل والجفرا والفلافل والكنافة النابلسية وأسماء المدن والقرى والمعالم وبعض أوراق الطابو والخرائط والكثير من القصص والأمثال الشعبية والذكريات.

أتنقل بين الزواريب، المسماة بأسماء القرى السليبة، ينفر موال من خلف باب، وتلوح أمامي بقايا كوفية كانت مرسومة على جدار، وتفوح رائحة الفلافل من مكان ما. “ممممم، لا بد أن يكون صاحب المحل عكاوياً”، أحدث نفسي، فأهل عكا من عرّفنا بهذه الأكلة العظيمة، ومن مكان آخر، يعلو صوت الخضرجي منادياً على “البندورة” بلفظها الفلسطيني المحبب، فأبتسم، وأستعيد بعضاً من ذكريات جدتي، عن الحرب الأهلية، فقد كانت البندورة/الطماطم، وسيلة لخطف الفلسطينيين على حواجز “الكتائب”، كانوا يوقفون السيارات ويسألون من بداخلها، وهم يشيرون إلى البندورة: “ما هذا”، ومن يجيب باللفظ المطلوب، يعتقلونه!

إصرار اللاجئين على الاحتفاظ بمفاتيح بيوتهم الأولى، شرط أساسي لتحقيق حلم العودة، أما التخلي عنها فيعني الرضوخ لكابوس التوطين

أغوص في عمق الأحياء، بقلبي، لا بقدميّ، تتضاءل المساحات الفاصلة بين البيوت المتقابلة، المتراصة، وتضيق الزواريب، فتنعدم إمكانية المرور من دون الاصطدام بالجدران، تغيب أشعة الشمس، يختفي الضوء، وينقطع الهواء. لا، لا يمكن أن تكون هذه الأكوام من الباطون المتصدع المتفسخ، مساكن، تؤوي الناس، ويخرج من شقوقها أطفال، يحملون على ظهورهم حقائب مدرسية، وفي قلوبهم آمال وأحلام، إنها مقابر، من تلك التي نراها في أفلام الرعب، يستطيع قاطنوها أن يصفوا لنا عذاب القبر، بلا حاجة للاستعانة بالخيال.

أعلى الزواريب، تحجب الأسلاك المعدنية المتشابكة، القليل الظاهر من بقعة السماء، أسلاك للكهرباء المقطوعة دائماً، وثانية لشبكة المولدات البديلة، التي تغذي المخيم على حساب “الأونروا” إذا دفعت، وثالثة لخطوط الإنترنت، وأخرى للستالايت، وعلى جانبيها، تتقاتل النسوة مع الجباة على التسعيرة الباهظة قياساً على التغذية الرديئة، وغالباً ما تنتهي المشادة بالقطع.

أسفل هذا القليل الظاهر من بقعة السماء، تجري مياه الخدمة ومياه الصرف الصحي، في المسارات ذاتها، بعدما امّحت الفواصل بينها بفعل الزمن وغياب التأهيل، وما تعرض له المخيم من حروب، فلا تدري حين تحس بالبلل، أغرقت قدماك في مجرور أم ساقية! أما الروائح الصادرة عنها، فلها مفعول السموم القاتلة، تتغلغل في جهازك التنفسي، تسري، تتمدد، فتكاد تشلّ كل خلية فيه، فيثقل رأسك، ويبدأ بالدوار، ويسيطر خدر على أطرافك، وتستنجد باللهاث طلباً لبعض الأوكسجين، فينصحك لاجئ، بالذهاب إلى رأس الزقاق، لتنشق بعض الهواء النظيف، أو الأقل تلوثاً، بينما تؤنبك لاجئة، لدخولك بلا كمامة!

أسألها، وكيف تعيشون في هكذا ظروف؟ أما زالت رئاتكم تعمل بوجود هذه الروائح؟ تجيبني بكثير من التسليم: “كل سكان المخيم تقريباً، مصابون بأمراض التنفس، لن أحكي عن الاكتئاب والتعصيب اللذين تسببهما عتمة الزواريب، وأنواع البكتيريا التي تفتك بأجساد صغارنا بسبب تلوث المياه”، وتنهي معاتبة: “إنت إيش جابك لعنا آه؟”.

كدت أجيبها، أني كلما ضاقت بي الدنيا، وقست عليّ الظروف، كلما سُدت في وجهي دروب الأمل، وارتفعت أمامي جبال الشقاء، آتي إلى عين الحلوة، هنا أغتسل من كل أدران المادة والشراهة والطمع والاستزادة، التي تعلق بروحي وتلوث قلبي، عين الحلوة مطهري، لكني خشيت أن تقول جُنت هذه المخلوقة، فقلت لها: “مجرد عمل”.

أودّعها وأنصرف إلى عملي، النفايات مكومة في كل زاوية، بعض الأكوام، يبدو أنه مرّ عليه الكثير من الوقت، ولم يتم نقله خارج المخيم، فعبقت الأجواء برائحة نتنة إضافية، تنافس روائح المجارير المكشوفة، فالدولة اللبنانية لا تسمح لشاحنات “الأونروا” إلا بإخراج 60 طناً من النفايات يومياً، وما يتبقى منها، يُترك بكل بساطة على أرض المخيم! من دون أدنى التفات، إلى حجم الضرر الصحي، الذي يخلّفه تفاعل النفايات المتروكة تحت شمس الصيف، على السكان.

“كل سكان المخيم تقريباً، مصابون بأمراض التنفس، لن أحكي عن الاكتئاب والتعصيب اللذين تسببهما عتمة الزواريب، وأنواع البكتيريا التي تفتك بأجساد صغارنا بسبب تلوث المياه”

أتتبع مسير شاحنة “الأونروا”، ينفذ العمال، وهم من المخيم، عملهم بأمانة، وحين يصلون إلى الوزن المحدد، ينطلقون نحو المكب المتفق عليه، لجهة درب السيم، تحرس الشاحنة سيارتان لمخابرات الجيش اللبناني، واحدة من الأمام وأخرى من الخلف، “الزبالة الفلسطينية محروسة أكثر من الشعب”، تتوقف الشاحنة عند حاجز الجيش، بانتظار دورها في الخروج، لحظات ويصرخ الجندي: “قرّب يا زبالة”، يفتش الشاحنة، ثم يعود ويصرخ: “إمشي يا زبالة”، كل ذلك بطريقة مسرحية استعراضية، تتضمن تحدياً واستهزاءً وإهانةً واستفزازاً، والويل لمن يعترض، ستعود الزبالة من حيث أتت!

نسيت…أنواع السرطانات المنتشرة في المخيم، كثيرة ومتنوعة، بعضها نادر، وأكثرها إعلان موت مبكر للمصابين بها، طبعاً، ميزانية الطبابة التي تخصصها “الأونروا” لعلاج السرطان، هبطت إلى حدودها الدنيا، كذلك تقديماتها الصحية بالنسبة للكثير من الأمراض الخطرة الأخرى، والعقاقير وأدوية الأمراض المزمنة، يحكي أهل المخيم عن أم أصيبت بالسرطان، وبعدما قطعت شوطاً بالعلاج الكيميائي، تبين أن ابنتها مصابة أيضاً به، فأبلغتهم “الأونروا” أن بإمكانها معالجة فرد واحد من العائلة فقط، وعليهم أن يختاروا، ففضلت الأم علاج الابنة. وهكذا جلست في بيتها بلا علاج ولا دواء، تنتظر موتها! ويحكي أهل المخيم أيضاً، عن أمراض وأوبئة وآلام مبرحة، يحاربونها بـ”البنادول”، لعدم توفر الأدوية المناسبة.

بعد أيام ستفتح المدارس أبوابها، لكن تقديمات “الأونروا” هذا العام، انخفضت كثيراً، مما رتب أعباءً ثقيلةً على كاهل الأهل، وصارت الحاجة ملحة إلى أصحاب ضمائر حية ومتبرعين وفاعلي خير، لإنقاذ الطالب الفلسطيني من الضياع. خصوصاً أن رواتب “السلطة” متوقفة منذ ثلاثة أشهر، أما دورة العمل فشبه معطلة، بعد الهبة التي أتت اعتراضاً على قرار وزارة العمل اللبنانية، والتي أدت إلى فقدان الكثير من العمال الفلسطينيين مصادر رزقهم. عدا انصراف سكان المخيم إلى تنظيم الاحتجاجات والمظاهرات اليومية التي أصبحت الآن أسبوعية، علاوة على المناوشات الأمنية التي تحصل بشكل شبه يومي، في الأحياء الطرفانية للمخيم (الطوارئ والتعمير).

يُجمع فلسطينيو عين الحلوة، أن “الأونروا” واحدة من أهم رموز حق العودة، وليس حجب الأميركيين تمويلهم، إلا جزءً من مخطط صهيوني، يهدف إلى تقويض المؤسسة، وبالتالي إسقاط صفة لاجئ عن فلسطينيي الشتات، وصولاً إلى إلغاء حق العودة، وذلك إنفاذاً لصفقة القرن، ولكن لا أعين تنظر إلى مأساتهم لترى عمقها، ولا أيد تربت على أكتافهم لتهدئ من روعها، فالكل متآمر ومتواطئ، وآخرهم كندا، التي فتحت باب الهجرة أمام الشباب، في ظرف شديد الالتباس.

كل شيء حلو في عين الحلوة، رغم العتمة التي طالت والفجر الذي تأخر طلوعه. وأجمل ما فيها، ليس تمسك أهلها بالأمل، فحسب، بل توزيعه على محتاجيه، والحلو أيضاً في عين الحلوة ثقة أهلها بالعودة، وإيمانهم أن فلسطين حق وإسرائيل باطل، وفي الحياة الحق هو القاعدة، أما الباطل فاستثناء…

أنا التي أكلها ذئب المحكمة الجعفرية

إقرأ أيضاً