fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

سكن العازبات… الحرب الناعمة

“لا تركني سيارتكِ هنا، إنه موقف للعائلات”، هكذا قالت لي السيدة القصيرة القامة التي تقطن في بنايتنا، مضيفةً أنّ بإمكاني أن أركنها عند أهلي.

أعيش في بيروت منذ أكثر من 10 سنوات، تنقلت من مسكن فتيات إلى آخر، من شقة إلى أخرى، من حي إلى آخر. وبإمكاني الآن أن أصرّح بأنّ بيروت التي كانت في مخيلتي وأنا أترك الريف لألقي أحلامي فيها، ليست هي ذاتها بيروت التي قابلتها واصطدمت بناسها. فصورة الانفتاح وتقبّل النساء ودعمهنّ، كسرتها مراراً نظرات الازدراء التي كنا وما زلنا نتعرّض لنا، كوننا فتيات ونعيش بعيداً من سلطة أهلنا وبيئتنا. إنها نظرات المراقبة المُدينة، التي تتفحّص وجوهنا وثيابنا ومواعيد خروجنا وعودتنا، كما لو كنا في إقامة جبرية وعلى الجميع أخذ الحذر منا وتعقّبنا.

لا أحد في البنايات حيث سكنّا، رغب في معرفتنا حقاً، أو السؤال عن أسمائنا أو المهن التي نعمل فيها. كل ذلك يبدو غير مهم. يكفي أننا “بنات” ونسكن بمفردنا. سببان كافيان لحرب شرسة، تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل وطائرات “الدرون” المراقبة.

كانت قبالة مسكننا شقة لعائلة، كان أفرادها يسافرون فترات طويلة من العام، وكانت الابنة الشابة تأتي أحياناً لتمضية بضعة أيام. وكانت تدعو أصدقاءها، شباباً وصبايا، إلى الشقة، ويبدأ الاحتفال المزعج، بين الصراخ والموسيقى العالية والضجيج. لكن قصة من هذا النوع لم تكن لتحتمل بطلةً من بنات “العائلات”. وهكذا أتى الاتهام على قياسنا، كوننا الفتيات العازبات الحرّات بنظر الجيران الأعزاء. وعلى رغم كل ما قدمناه من حجج وبراهين وإيضاحات، لم يصدقنا أحد. وانتشر في الحي خبر مفاده أننا نستقبل شباناً في شقتنا، والعياذ بالله!

عشت مع صبايا من أرياف متنوعة، أتين إلى بيروت للتعلّم أو العمل، وكلّهن قاتلن لتحقيق أحلامهنّ. إنما يبدو ذلك كله غير مهم، في مجتمع يبحث عن أي سبب لاضطهاد نسائه والتقليل من قيمتهنّ، ويبدو طريق “الشرف” الأسهل لتدمير امرأة. فقط ارشقوها بشرفها، ارجموها بقصص متخيلة وفانتازمات عجيبة… وتنتهي المسألة، تعود المرأة إلى دائرة الضحية المرعوبة طوال الوقت على شرفها، كأنه شيءٌ يعطَى ويُفقَد!

المدن العربية مملوءة بنساء يسكنّ لوحدهن أو مع صديقات أو زميلات، بغض النظر عن أوضاعهن الاجتماعية، إما من أجل التعلّم أو العمل أو تحقيق الطموحات، أو لظروف عائلية، أو ربما بحثاً عن الخصوصية، أو ببساطة بفعل خيار شخصي. ربما النصوص والدساتير لا تمنع النساء من هذا الخيار صراحةً، إنما تفرض قوانين في مساكن الفتيات، ليست هي ذاتها في مساكن الشبان إجمالاً. ومن هذه القوانين إقفال البوابة باكراً، ومنع الفتيات من الخروج بعد السابعة أو الثامنة مساءً مثلاً، ومنع استقبال الضيوف، إضافةً إلى تلك الرقابة الاجتماعية غير المبررة، التي تجعل الجيران وسكان الحيّ أوصياء منزّهين على الفتيات، فيصبّون جهودهم الجبّارة في مراقبة اللباس وطريقة المشي ودرجة الاحتشام وألوان الصبغة وشكل الكنادر وطلاء الأظافر. فقد ينتشر في الحيّ خبر خطير مفاده أنّ إحدى الفتيات وضعت صبغةً شقراء على شعرها مثلاً. “فقهاء الحي” كما تسميهم شريكتي في السكن على استعداد لترك همومهم وأزماتهم والتفرّغ لامرأة خرجت ليلاً أو لبست فستاناً ضيقاً أو سلّمت على صديقها أو قالت له إنها تفكّر بزيارته، استغفر الله العظيم!

أهل بنايتنا كانوا يقطعون عنا المياه في الصيف، لم نكن نسكت طبعاً، لكنهم كانوا يفعلون ذلك حتى يدفعونا إلى الهرب أو الجنون. أتذكّر أنني ذات مرة فتحت باب الشقة، وقفت أمام الدرج ورحت أطلق الشتائم واللعنات على السكان وأولادهم وأهلهم وعشيرتهم، بعدما قطعوا عنا المياه ثلاثة أيام على التوالي. كانت دقيقة جنون، أتلفت فيها أعصابي، لكن المياه أتت بعد نصف ساعة إلى الأنابيب، واستطعت أن أستحمّ وأغسل ملابسي!

كان بودي أحياناً كثيرة أن أرد على نظرات الازدراء اللعينة، وأخبرهم من أنا وأن لي أهلاً وعائلة وأنني لم أؤذِ أحداً في حياتي ولم أخالف القانون، وأنني سيدة محترمة وطيبة وتحب الناس. لكنني لم أفعل! مع الوقت لم يعد الأمر يستوقفني، وأحياناً أستمتع باستفزازهم، فأمشي بمزيد من الاختيال أمام السيدة التي قالت لي إن عليّ أن أركن سيارتي في مكان آخر، لأن هذا موقف للعائلات. وأشاهدها من دون أن أنظر وهي تموت غيظاً… إنه مجتمع تستفزه المرأة في كل ما تفعله، حتى إذا مشت… باختيال!

سكن العازبات : وين المشكلة؟

إقرأ أيضاً