fbpx

هنا القصة الثالثة

همبرفان كوسه- صحافي كردي سوري

همبرفان كوسه- صحافي كردي سوري

مقالات الكاتب

سقوط عفرين: “أزدهاك” التركي حطّم تمثال “كاوا الحداد” مجدداً

بعد ساعات من إعلان الجيش التُركيَّ وقوات الجيش السوريّ الحر السيطرة على مدينة عفرين، بعد خروج مقاتليَّ وحدات حمايَّة الشعب الكردية منها، بدا أن الحرب دخلت مرحلة جديدة. فقد تناقل روّاد مواقع التواصل الاجتماعيّ صوراً تظهر مقاتلين داخل مدينة عفرين، وهم يسقطون ويحطمون تمثال كاوا الحداد،البطل الكردي الأسطوري الذي أنهى ظلماً تعرض له الأكراد على يد ملك فارسي يدعى أزدهاك، في مشهدٍ مُشابه لما فعله تنظيم داعش في سوريَّا والعراق، حين حطم ودمر التماثيل الأثريَّة وشواهد القبور في الأماكن التي دخلها.
صور إسقاط التماثيل ليست حدثاً سريعاً عابراً يمرّ من عمر الحرب في سوريَّا؛ فسبق أن أسقطت فصائل من المعارضة السوريَّة تمثال إبراهيم هنانو، أحد رموز المقاومة السورية للانتداب الفرنسي في مدينة إدلب، وقطعوا رأس تمثال الشاعر أبو العلاء المعريّ في مسقط رأسه بمدينة معرة النعمان بريف مدينة إدلب. حينها تذرعت فصائل في المعارضة السوريَّة بأنَّ المقاتلين ظنّوا أنَّ تلك تماثيل تعود الى حافظ الأسد. التبرير نفسه استخدمه المؤيديون للعملية العسكرية التركية المسماة ب “غصن الزيتون”، فقالوا إن المقاتلين توقعوا أن يكون التمثال لزعيم حزب العمال الكُردستانيَّ عبد الله أوجلان، وأنَّ التماثيل تُعبر عن “قداسة” الأصنام والابتعاد عن الدين، وترمز إلى الوثنيَّة في سعي لتبرير تحطيم التمثال. ففي وسط المقاتلين المتحالفين مع القوات التركية تروج عبارات التمجيد والمديح والافتتان بثقافة كسر الأصنام الكُرديَّة الانفصاليَّة السوريَّة، التي بحسبهم ترمز إلى “الوثنيَّة”. حصل ذلك على يد قوات تُركيَّة، وترافق مع رفع العلم التركي فوق مبنى المجلس التشريعيّ لمقاطعة عفرين في مركز المدينة.
خصّص الفيديو جانباً واسعاً من حجم الحماسة المرافقة لـ لحظة إسقاط التمثال، وصدّع بأصوات المقاتلين وهم يعلنون نصرهم على التمثال بعبارات “الله أكبر، العزة لله”، وغيرها من الشعارات الّتي اطلقتها حكومة رجب طيب اردوغان لتبرير عمليتها العسكرية، وهي شعارات تبنتها الجماعات المتحالفة مع تركيا والذين اقتحموا وسيطروا على عفرين معتبرين أن ذلك، أوّل “فتح إسلاميَّ” في العصر الحديث.
وكان سبق لأردوغان ولدور الفتوى السوريَّة- التُركيَّة، أن عمموا النصيحة التاريخية للنبي ابراهيم الذي رفض عبادة الأصنام التي دأب عليها قومه، ومن ثم حطمها. بدا التركيز على الروايات التاريخية لتحطيم الأصنام اسقاطاً لما يحصل في عفرين، وكأن المقاتلين ظنوا أنَّ العواميد التي ترفع الأبنيَّة في عفرين أصنامّ فقصفوها، وأن جدران الإسمنت التي تحمي المستشفيات تماثيل فدمروها. ولعلهم اعتقدوا أن المدنيين طواغيت أيضاً فشرعوا يقتلونهم ويأسرونهم فبات هؤلاء المقاتلون أصنام تسيرُ وتنقل المدينة إلى المجهول.
وهنا تبرز المفارقة التي ترافقت مع لحظة سقوط عفرين وتحطيم تمثال كاوا الحداد، فقد حصل ذلك، قبل أقلّ من أسبوع من ذكراه السنويَّة، والذي يصادف مع العيد القوميَّ ورأس السنة الكُرديَّة.
مجدداً، يجري التعامل مع مدينة كردية هي عفرين بوصفها مدينة يقطنها كفّار ومارقون كُرد، فتصبح دلالات الانتقام مضاعفة، ويجري تقديمها بصفتها تحمل ابعاداً تاريخية دينية، هذا تماماً ما فعله إردوغان حين ربط الحرب على عفرين بعبارات قرآنية ك”التين والزيتون”. هذه العملية حصلت بتغطية من الحكومة التركية، أما الائتلاف الوطني السوري، فهو تبنى القوات السورية المشاركة في العملية، كما تعمّدت وسائل اعلاميَّة تُركيَّة التركيز على اسقاط التمثال بوصفه أحد ركائز الانتصار التُركيَّ في عفرين، فجرى عرض الأمر بشيئ من التباهي والزهو.
ما حصل في عفرين يعيدنا الى الماضي، إذ تُشير الرواية التاريخيَّة الكُرديَّة، الى إنَّ الملك ضحاك أو أزدهاك، كان يأكل أدمغة أطفال الكُرد بسبب مرض حلّ به، ليثور عليه كاوا الحداد ويُنهي حكمه، ويقوم بإشعال النيران على قمة الجبل؛ فأطلق على يوم نهايَّة حكم الملك بـ نوروز، ويعني باللغة العربيَّة اليوم الجديد.
اليوم، وبعد أن سقط تمثال كاوا الحداد في عفرين، وهجّر أبناؤها منها، سيحتفل أهاليَّ عفرين بعيدهم القوميَّ على حواجز النظام في العراء، وفي مخيمات صنعوها لأنفسهم بين أشجار الزيتون، ومنهم من سيقضي يوم عيده هذا باحثاً عن مكان يدفن فيه أحباء له، بانتظار العودة من التغريبة المستحدثة لعفرين.

إقرأ أيضاً