fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج درج

مقالات الكاتب

سجون مصر : منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر…

قبل أيام قليلة، كُشف عن وفاة معتقل، في سجن برج العرب، شمال القاهرة. شاب ثلاثيني، اسمه محمد مشرف، ينضم إلى قافلة من قضوا في السجون المصرية. قضى مشرف، بسبب الإهمال الطبي، وظروف الحجز الاستثنائية المتكررة، والتي ترقى إلى كونها إحدى وسائل التعذيب.

ليست هذه الحالة الأولى، فمشرف هو الضحية الرابعة، في آب/ أغسطس 2019. فقد واجه المصير ذاته ثلاثة سجناء آخرين، أحدهم في سجن العقرب، سيئ السمعة، والذي يعد أحد السجون شديدة الحراسة، في منطقة طرة، جنوب القاهرة.

وبحسب تقارير حقوقية، توفي المعتقل عادل أبوعيشة، نتيجة الإهمال الطبي، في سجن وادي النطرون، وسبقه، بيومين، المعتقل، سامي مهنا، الذي قضى في السجن ذاته، للأسباب ذاتها.

وتعتبر وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في السجن واحدة من أبرز حالات موت السجناء في مصر والتي أثارت جدلاً محلياً ودولياً بشأن ظروف الاعتقال السيئة في السجون. وكانت منظمات حقوقية قد طالبت بإجراء تحقيق دولي في ظروف اعتقال وموت مرسي في السجن، وقد وثقت منظمة “هيومان رايتس واتش” معاناة مرسي لسنوات من “التضييق عليه في الحصول على الرعاية الطبية”…

ويوثق تقرير صادر عن “مركز عدالة للحقوق والحريات”، في القاهرة، وقوع 22 حالة وفاة، منذ مطلع العام الحالي، داخل السجون المصرية، فقط، نتيجة الإهمال الطبي.

تعتبر وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في السجن واحدة من أبرز حالات موت السجناء في مصر والتي أثارت جدلاً محلياً ودولياً بشأن ظروف الاعتقال السيئة في السجون.

وفي عامي 2016 و2018، نجم عن حالات الإهمال الطبي، داخل السجون المصرية، وفاة نحو 819 شخصاً، بحسب التقرير ذاته.

وكانت طالبت “منظمة العفو الدولية” السلطات المحلية، في مصر بـ”إجراء تحقيق شامل وعاجل ومستقل ونزيه على وجه السرعة” في وفاة المعتقل. وقالت المنظمة، في بيان إن حسام حامد (30 سنة)، أحد ضحايا التعذيب، أخيراً، قضى في سجن العقرب، نتيجة الضرب والاعتداء البدني، من حراس السجن أثناء احتجازه، في الحبس الانفرادي داخل زنزانة تأديبية”، وذلك مخالفةً للقانون.

ويشير البيان الصادر عن المنظمة الدولية، إلى أن ثمة إفادات وردتها، من مصادر قريبة، توضح أن المعتقل ظل “لأيام عدة يصرخ ويطرق الباب بقوة، وفجأة توقف كل شيء، وعندما فتح الحراس الباب، وجدوه ميتاً، في زنزانته، وكان وجهه متورماً ومصاباً بجروح وملطخاً بالدماء”.

وقالت “أمنستي” إنه منذ نقل حامد إلى سجن العقرب منذ 6 أشهر، لم يسمح له بتلقي زيارات عائلية.

تراجع حقوقي مقلق

محطات عدة سقط فيها الملف الحقوقي، في مصر، إلى مستويات أدنى. انخفض سقف الحريات، وتراجعت بصورة مخيفة سلطة القانون، وحماية المواطن، لمصلحة نظام أمني ولاعتبارات سياسية وأمنية تسببت في هدر الكثير من الحقوق الفردية والعامة بما فيها أبسط تلك الحقوق أي الحق في الصحة …

في ظل هذا الواقع راجت تعليقات ساخرة كثيرة على منصات التواصل الاجتماعي، أخيراً، بعد إعلان مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تنظيم مؤتمرها الإقليمي، في القاهرة، حول تجريم التعذيب، والذي كان من المقرر عقده في يومي 4-5 أيلول/ سبتمبر المقبل، بالتعاون مع “المجلس القومي لحقوق الإنسان”، قبل أن تعود وتعلن تأجيله، بعد موجة انتقادات عنيفة، من جهات حقوقية، محلية ودولية للمؤسسة الأممية. بدت مفارقة صارخة أن يعقد مؤتمر لمناهضة التعذيب في بلد بات يكرّس سوء المعاملة كوسيلة حكم، بات التعذيب والإهمال الطبي، اللذين أصبحا من الأمور الشائعة والمتكررة، سلوكاً ممنهجاً، بحسب توصيفات منظمات حقوقية، محلية وأجنبية، من جانب السلطات الأمنية المصرية، بلغ حداً من القتامة أن يدفع بشباب من المعتقلين، إلى قتل أنفسهم، والإقدام على الانتحار، للتخلص من التعذيب الذي يتعرضون له. 

هذا ما حصل مع أسامة أحمد مراد، المعتقل في سجن طرة العمومي، والذي ذبح نفسه، بقطعة بلاستيكية، بسبب الحبس الانفرادي، وعدم خروجه للتريض أو الحصول على زيارات، ناهيك بالتعذيب الذي يتعرض له من حراس السجن، ورداءة زنزانته، إلا أنه نجا بعد تدخل طبيب من المعتقلين، قام بإسعافه، كما يشير تقرير لـ”مركز شهاب لحقوق الإنسان”.

وأوضحت صفحة المركز في “فيسبوك”، أن المعتقل تعرض لأزمة نفسية حادة، بسبب الضغوط التي تمارس عليه من إدارة السجن، والمتمثلة في التفتيش المفاجئ، في أوقات متفاوتة، في شكل هجمات تصيب المساجين بالذعر والاضطرابات، إضافة إلى منع الزيارة لفترات كبيرة.

التعذيب القاتل!

ترصد “هيومان رايتس مونيتور” أنماط التعذيب، التي يتعرض لها المعتقلون، والتي وصفتها بـ”القاتلة”، وتتمثل في التعليق كـ”الذبيحة”، حيث يكون الرأس لأسفل والقدمان لأعلى ومعلقتين في حبل.

وثمة وسيلة أخرى، تشبه أنماط التعذيب في أوروبا الشرقية، في فترة الحكم الشيوعي، وحتى أنظمة البعث في سوريا والعراق، والتي تتمثل في كل أشكال الصلب.

تتوسل السلطة الحالية الحيل كلها، بهدف ضبط المصريين وفق نهجها وسياستها وتعبئة المجتمع، في ظل تعميق حالة الاستقطاب والاستنفار الأهلي، باعتبارها الصورة المثلى، التي يتحرك في حواضنها النظام.

وبالتعبئة، يصبح، سجن مواطنين عشوائياً، والقتل ومشاهد التعذيب، والإخفاء القسري، بمثابة “ضرورات وطنية”.

لم يعد الاستهداف هو لجماعات الإسلام السياسي، كما يقول إعلام النظام، ولا هو صراع بين الدولة والتطرف الديني، إذ لم يعد ثمة استثناء لأحد، بما في ذلك القوى المدنية، الليبرالية واليسارية. وكل من هو غير مؤيد للسلطة، يوصم بالتبعية بالانضمام إلى جماعة إرهابية، حتى لو كان من بين هؤلاء خصومها التاريخيون، كما هي الحال مع كثيرين، مثل حسام مؤنس، القيادي الشبابي في “حزب الكرامة الناصري”.

في هذا السياق، تشير “المنظمة العربية لحقوق الإنسان”، وهي جهة حقوقية، مقرها لندن، إلى أنه خلال 6 سنوات استخدم النظام المصري عمليات الاعتقال التعسفي، بهدف قمع المعارضة، وبلغ عدد الذين تعرضوا للاعتقال التعسفي منذ 3 تموز 2013 نحو 63 ألف شخص، بينهم 691 امرأة، و1161 قاصراً.

ولفتت المنظمة إلى أحكام الإعدام الهائلة، إذ أحال القضاء المصري المدني والعسكري أوراق 2261 شخصاً إلى المفتي، وتم تثبيت حكم الإعدام على 1173 منهم في 94 قضية مختلفة.

وقامت السلطات المصرية بتنفيذ حكم الإعدام بحق 45 معتقلاً بالفعل، بينما ينتظر 83 معتقلاً تنفيذ حكم الإعدام بحقهم في أي وقت.

ثورة مضادة

تعد أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013، محطة ومشهداً مفتاحياً، عبر من خلاله النظام إلى أهدافه السياسية، التي هي أبعد من استهداف الإخوان المسلمين، وجماعات الإسلام السياسي، وصراعها السياسي والأيديولوجي معها. وتبدو القبضة الأمنية الحالية بمثابة محاولة لمحو ذاكرة ثورة يناير واقصاء للوجوه المدنية التي برزت خلالها لصالح صورة سلطة قمعية لديها تفويض كامل على حياة المصريين. وعليه، عمدت الثورة المضادة في مصر، عبر جهاز الدولة، وأدواته الأمنية تكثيف مشهد دموي تأديبي، يستعيد عبره الجهاز الأمني دوره القديم والتقليدي، من خلال تصفية ميراث الربيع العربي، ومكتسباته، واستعادة الأرض والسلطة. 

تحمل الثورة المضادة في مصر سمات عدة لتلك الظاهرة السياسية، التي ترافق وقوع الثورات في العالم، ومحاولة الانقلاب عليها، إذ يصبح الهدف هو سحق المعارضة، وكسر حالة الوعي الذي خلقته ثورة يناير، التي تشكلت على تخومها، إرادة صلبة حاولت كسر التابوهات، داخل البنى السياسية والمجتمعية المصرية التي تتناقض مع وعي السلطة والنظام. 

وعليه، دشن السيسي، حكمه عبر الاستعانة بأجهزته الأمنية، التي ستظل ركناً أساسياً، تضمن بقاءه في السلطة، ويوفر لها دعماً سخياً، وغير مشروط، فيتستر على تجاوزاتها القانونية والدستورية والحقوقية.

وهو ما حدث في واقعتين شهيرتين، أولاً مقتل الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، الذي اختفى في 25 كانون الثاني/ يناير 2016، وظهر جثة عليها آثار تعذيب في 3 شباط/ فبراير من العام ذاته، ثم اقتحام “نقابة الصحافيين المصريين”، للمرة الأولى في التاريخ، وتعد هذه سابقة من نوعها، إذ تم الاعتداء على أمن النقابة واعتقال صحافيين بالمخالفة للقانون والدستور.

فائض القوة

في حديثه لـ”درج”، يشير الدكتور خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة، جامعة جونز هوبكنز الأميركية في واشنطن، إلى أن فائض القوة والقمع من أهم آليات الأنظمة الديكتاتورية، لأنه لا يهدف إلى قمع المعارضين السياسيين وحسب، وإنما بالأساس ترهيب غير المعارضين وترويعهم. 

ويضيف: “النظام الحالي يعي تماماً هذه المسألة، فاستخدام العنف في رابعة لم يكن يستهدف الإخوان وحدهم، وإنما جموع القوى السياسية والنشطاء بشكل أساسي، بخاصة من شاركوا في ثورة يناير. ومنذ ذلك الوقت انتقلنا من الحديث عن القمع إلى إرهاب الدولة”.

إذاً، ما يمارس في مصر منذ الانقلاب وحتى الآن ليس قمعاً سلطويا عادياً هدفه إسكات المعارضين، وإنما هو إرهاب دولة هدفه إسكات المجتمع ككل، كما يرى العناني. وبحسب تعبير الفيلسوفة الألمانية، حنا آرندت: “إن أهم ما ترنو إليه الأنظمة الشمولية، هو بث الرعب والخوف في نفوس الجماهير من أجل إحكام سيطرتها عليهم”.

وفي سبيل ذلك، فإن النظام عمد إلى توظيف فئات الشعب ضد بعضها بعضاً، لتصبح الوشاية إحدى الأدوات الرئيسية، لضرب هذه الجماهير من جهة، وضمان عدم قيامها معاً من جهة أخرى.

يقبع في السجون المصرية، منذ ذلك التاريخ المشؤوم، أي مجزرة رابعة، صحافيون وحقوقيون ومواطنون عاديون، بعضهم بلا أحكام قضائية ومحاكمات، وزُجَّ كثر منهم للسجن عبر الخطف أو ما يعرف بـ”الإخفاء القسري”، ثم ظهروا لاحقاً، أو بالأحرى أُعلن عن ظهورهم في مقرات التحقيق، وأماكن الاحتجاز المتعددة. 

تصل مدد الاعتقال التعسفي، بعد محاكمات جائرة، والحبس في ظروف غير إنسانية، إلى نحو 25 سنة، ويخرج كثيرون بعد بضعة أعوام، من دون محاكمة من الأساس. 

وصدرت أحكام بحق أكثر من 650 شخصاً، لمدد أقصاها 25 سنة، بسبب مشاركتهم في اعتصام رابعة. 

وتشير “منظمة العفو الدولية”، إلى أن كثيرين من المحكوم عليهم يحتجزون رهن الحبس الانفرادي، لفترات طويلة. وهو ما يرقى في بعض الأحيان إلى حد التعذيب. 

وبحسب المنظمة الدولية، في تقريرها الصادر الشهر الماضي، فإن السلطات المصرية تواصل الانقضاض على حقوق الإنسان، بخاصة حقوق من ينتقدون الحكومة، حتى أصبحت مصر سجناً مفتوحاً لكل معارض أو ناقد.

مصر تحنّ إلى السلفية وتعيد أمجادها إلى المنابر

إقرأ أيضاً