fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

سجناء أمنيون فلسطينيون يتحدثون من داخل زنازينهم الاسرائيلية

وضعت مجموعة متنوعة من الحلويات والوجبات الخفيفة، من العلامات التجارية الشهيرة مثل شوكولاتة “كيندر” وبسكويت “لواكر” وشوكولاتة “سبليندد وميلكا”، على الرفوف حول الطاولة. ووجدت بجوارها سلع أساسية مثل الزيت والمعلبات، إضافة إلى زجاجات الكولا وعبوات مشروب البرتقال “تابوزينا” المصنوعة محلياً. للوهلة الأولى، سيكون من الصعب وصف المجموعة الجالسة حول الطاولة: إذ تختلف أعمارهم، وكل منهم في هذا المكان لسبب مختلف، وقد التقى بعضهم بعضاً هنا للمرة الأولى. بل يختلف التاريخ المحدد “للإفراج عنهم” من رجل إلى آخر. لكن هناك أيضاً الكثير من القواسم المشتركة بينهم: فكل هؤلاء الرجال سجناء أمنيون في سجن إسرائيلي.

تضم المجموعة عدداً قليلاً من الذين أطلق عليهم في السابق اسم “الإرهابيين البارزين” – أولئك المسؤولين عن تفجيرات الحافلات في التسعينات، ومن سقط على أيديهم عشرات الإسرائيليين بين قتلى وجرحى. وكان بعضهم أمضى بعض الوقت في السجن بالفعل، وأطلق سراحه، ثم عاد إلى السجن مرة أخرى. وقد أدين أحدهم أخيراً. ومن بين السجناء أيضاً، رجال أدينوا بقتل جنود جيش الدفاع الإسرائيلي في اشتباكات مسلحة عنيفة، وكذلك رماة الحجارة.

خلال الأشهر القليلة الماضية، زارت صحيفة “هآرتس” الكثير من الأجنحة الأمنية في السجون المحلية، وراقبت ظروف السجن، وعقدت مقابلات مع السجناء الحاليين، والسابقين، وحراس السجون الحاليين والمتقاعدين. يتحدث أسرى اليوم عن السياسة في إسرائيل، وعن فرص الإفراج عنهم، وعن موقف المجتمع تجاههم، وعن الأوضاع في السجن.

تصدرت قضية الأوضاع في السجن عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة، كان آخرها في أعقاب ظهور تسجيل فيديو هذا الأسبوع عن دائرة السجون الإسرائيلية، يعرض غارة وحشية قام بها الحراس – بحثاً على ما يبدو عن الهواتف المحمولة – في سجون عوفر ونفحة وجلبوع، ما أسفر وفق تقارير عن إصابة عشرات السجناء وبعض الحراس.

سبق هذه الحادثة إعلان وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، في وقت سابق من هذا الشهر، عن خطط لتشديد الظروف في السجن. ومن المحتمل أن يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يُنفذ مخططه، إذا ما بدأ العمل فيه على الإطلاق. إذ لم يجتمع مجلس الوزراء الأمني حتى الآن لمناقشة هذه المسألة، كما يجب أيضاً الأخذ في الاعتبار القرار الذي صدر عن محكمة العدل العليا، الذي يفيد بأن الأوضاع الحالية في السجون الإسرائيلية غير إنسانية.

لا تحكي الشوكولاتة في مقاصف السجن سوى جزء صغير جد من القصة، ولا تقدم أي فكرة عن الظروف القهرية التي يُحتجز فيها السجناء الأمنيون. إذ إن جدران زنزاناتهم متساقطة، كما أنهم يأكلون وجباتهم على أسرّتهم، والحمامات صغيرة جداً ومن دون مراحيض، مجرد ثقوب في الأرض. إضافة إلى ذلك، يعانون من الاكتظاظ الشديد. حيث تبلغ مساحة الزنزانة المتوسطة التي تضم 8 سجناء 19.5 متر مربع – أقل من 2.5 متر مربع للشخص الواحد (حكمت المحكمة العليا على أن الحد الأدنى يجب أن يكون 4.5 متر). الأمر الذي يؤدي إلى تفشي شعور خانق في السجون.

من الصعب في بعض الحالات أن نميّز الطلاء المتهالك على الجدران: إذ يخفيه الرجل العنكبوت. ليس البطل الخارق نفسه، بل قطع من الأقمشة رُسمت عليها صورته. هذا مشهد معتاد – ملاءات أسرة معلقة في الزنازين، تعرض صوراً لأبطال خارقين، أو شعارات فرق كرة القدم أو حتى صورة “سبونج بوب”، الذي يبدو أنه يحظى بشعبية كبيرة أيضاً.

يوضح أحد السجناء الكبار هذا المشهد قائلاً “هذا ما أرسلوه لنا”، بينما كان جالساً في زنزانته. قبل بضع سنوات، شارك هذا الرجل في حادث إطلاق نار على مستوطنين إسرائيليين، وهو يقبع في السجن منذ ذلك الحين. الآن، يرافقه “سبونج بوب” الأصفر الساطع في الزنزانة.

هذا جناح فتح في هذا السجن بالذات. لا يجرؤ أحد هنا على التحدث ضد السلطة الفلسطينية، أو محمود عباس، ولا حتى الشباب السبعة من منطقة رام الله الذين يسكنون إحدى تلك الزنازين. لقد حكم عليهم بالسجن لمدد مختلفة بتهمة إلقاء الحجارة. أحدهم عضو في قوات الأمن الفلسطينية، وقد ألقى الحجارة على جنود جيش الدفاع الإسرائيلي بينما كان يرتدي الزي الرسمي. يصفه أحد زملائه في الزنزانة بأنه “أحمق”.

في هذه الأثناء، تُعزف الموسيقى العربية في الخلفية، وعلى الجانب الآخر هناك بضعة أقراص مدمجة للمغنين الإسرائيليين: إيال جولان وبئير تاسي، وحتى يانيف بن ماشياك الذي ينشد أغاني دينية.

الشبكة الاجتماعية

طالما بقيت مبادرة الوزير أردان لتشديد ظروف السجن على الورق، فإن قواعد الفصل التنظيمي بين حركتي حماس وفتح المتنافستين ستبقى كما هي في السجون. كذلك سيبقى الشعور بالوحدة: فبينما يبدو أن السجين المدان بعمل إجرامي يدخل السجن بمفرده، فإن السجين الأمني الفلسطيني يُستقبل بحماسة من قبل المنظمة التي ينتمي إليها، ويباشر ببناء شبكة من الأصدقاء الذين سيرافقونه حتى بعد خروجه.

يقول أحد السجناء، الذي يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بإطلاق النار على قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في مناسبات عدة، “مثلما تفعلون أنتم عند انضمام أحد إلى الجيش، نفعل نحن عند وصول أحدنا إلى السجن – إنها طقوس تشبه الطقوس التقليدية لبلوغ سن الرشد”.

ثمة شيء آخر يلاحظه المرء في الأجنحة الأمنية: على رغم أن الجدران متهالكة، فإن النظام العام والنظافة رائعان. إذ يعرف أمين المكتبة بالضبط أياً من السجناء استعار أي كتاب. ويحتفظ المطعم بسجلات دقيقة للمخزون، إلى جانب الديون والمشتريات والطلبات؛ والسجناء عادةً لا يقتصدون عندما يتعلق الأمر بمواد التنظيف، حتى لو اضطروا إلى جلبها من مخصصاتهم المالية الشخصية.

يقول أحدهم، “توجد قواعد هنا”، وهو فخور بالأرضية اللامعة في زنزانته في سجن نفحة قرب بلدة متسبي ريمون، في جنوب إسرائيل. أدين هذا السجين، وهو في أواخر الثلاثينات من عمره، بقتل الجنود في عملية الدرع الواقي عام 2002 وأمضى 15 عاماً في السجن، من دون أي إجازات أو إعانات أو جنس.

لا يسمح للسجناء الأمنيين بالزيارات الزوجية. ولكن يسمح لهم مرة واحدة في الشهر باستقبال ثلاثة أشخاص على الأكثر، لمدة 45 دقيقة. كما يسمح لهم مرة واحدة في العام بتلقي ثلاث صور.

يقول السجين، “الزيارة هنا عقاب. من أجل الوصول إلى نفحة، تضطر أمي إلى مغادرة المنزل في الساعة الثانية صباحاً، والانتظار ساعات عند إحدى نقاط التفتيش، وتشق طريقها من نابلس إلى رامون. أنا لست بحاجة إلى ذلك”.

ما يحصل عليه السجناء مرة واحدة في الشهر هو تحويل نقدي من فتح أو حماس، لدفع ثمن مشترياتهم من المقصف. وحتى في هذا الشأن، ثمة فرق بين المنظمتين. إذ يتمتع سجين فتح بشهرية تصل إلى 1200 شيكل (327 دولاراً) في السجن، لكن المدانين من حركة حماس لديهم حد أقصى 800 شيكل.

يقول أحد السجناء، “إن مواد التنظيف وورق الحمام والأشياء الأساسية – جميعها نتحمل تكلفتها من أموالنا الخاص. عندما كان بنيامين نتانياهو هو وزير المالية، كانوا يدفعون ثمن كل شيء. أما الآن فنحن نشتري حتى الشامبو”.

يوضح أحد كبار مسؤولي مصلحة السجون الإسرائيلية أن هذا المال يعتمد على عامل آخر، ربما لم يُذكر. يقول، “كلما زادت خطورة العمل الإجرامي الذي ارتكبته، زادت الأموال التي تحصل عليها”. وأضاف: “يمثل ذلك أحد أكبر الدوافع للإرهاب”.

لا يتفق كل شخص أجرت معه صحيفة هآرتس لقاء في السجون، مع هذا التحليل. فقد قال أحد السجناء المحنكين، “هذه قصة خيالية ألفها الإسرائيليون”.

بينما يقول آخر، “تُحول الرواتب إلينا من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، وتستند إلى عدد أبنائي، وليس عدد الأشخاص الذين قتلتهم”. وأضاف: “لا يتلقى السجناء الذين ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية، على سبيل المثال، أي أموال. فالرجل الذي قتل عائلة من حلميش )خلال هجوم بالسكاكين عام 2017، أودى بحياة ثلاثة أشخاص(، لم يحصل على أي شيء حتى الآن”.

لكن هذا السجين نفسه يسأل عن شيء آخر، “مع فائق احترامي، ألا يتلقى عامي بوبر (الإسرائيلي الذي قتل سبعة فلسطينيين في أيار/ مايو عام 1990) الأموال من التأمينات الاجتماعية؟ وكذلك إيغال عامير؟ كنت مع عامير في الجناح نفسه ورأيت ما كان يحدث: الطعام الذي يأتي من الخارج، والاستخدام الحر للهاتف، والزيارات الزوجية والزيارات الأخرى. وما هي تهمته؟ لقد اغتال رئيس وزرائكم (إسحق رابين، عام 1995). إذا اغتلت أنا رئيس الوزراء، هل سأحصل على المزايا ذاتها؟”.

“عملية في بتاح تكفا”

لا يتذكّر هؤلاء الرجال أسماءَ ضحاياهم، وعادةً ما يصفون سببَ احتجازهم بصيغ مقتضبة: “عملية في نابلس”، “إطلاق نار في الخليل”، “مقاومة الاحتلال”، “عملية في بتاح تكفا”.

لكن وراء هذا الوصف الغامض هناك ضحايا إسرائيليون: أربعة أشخاص قتلوا في أحد الحوادث، وستة في حادثة أخرى، ووفاة جندي، وكذلك قتل رضيع. نعم، هناك أيضاً أحد مرتكبي الهجوم الإرهابي في منزل عائلة فوغل في مستوطنة إيتمار في آذار/ مارس من عام 2011.

“إنه نادم على قتل الرضيع، لقد كان حينها صبيّاً أحمقَ يبلغ من العمر 17 سنة”. هذا ما قاله أحد زملائه في الزنزانة، وليس هو الوحيد الذي ينتقد هذا التصرف هنا. فقَد أعرَبَ أعضاء حماس وحركة الجهاد الإسلامي أيضاً عن تحفّظاتهم إزاء مقتل الرضيع.

أجرت صحيفة “هآرتس” حوارات مع السجناء، على مدى شهور، في حضور موظفين من “مصلحة السجون الإسرائيلية” (IPS) -ومنهم ضبّاط مخابرات- دوّنوا ملاحظاتهم كذلك. لقد سُمِح لنا بالحديث عن كل شيء، ولكن بالطبع على نطاق محدود.

قال أحد السجناء المدانين في المشاركة في هجوم إرهابي قتل فيه ستة يهود: “إن ابنتي تراني بطلاً، ولكنني أعرف أنهم يعتبرونني في إسرائيل قاتلاً”. عندما تطرّق الحديث إلى تشريع يعزز الحكم بالإعدام على الإرهابيين، بدأ السجناء يضحكون.

قال سجين آخر حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة بسبب عملية إرهابية خلال الانتفاضة الثانية: “عندما تركتُ منزلي وشرعت في الاستعداد للمهمة، كنتُ على عِلم بأنني سوف أموت”. وأوضح قائلاً عن عقوبة الإعدام: “كيف يقولها قومكم؟ Adraba (كلمة آرامية تعني “على العكس”). إنها ستلبي احتياجاتنا، لأنها ستشعل الشارع الفلسطيني”.

من السهل، من خلال حواراتنا، أن نكتشف الأشخاص الأبرز والأعلى صوتاً، وهم عادةً المدانون الأقدم: بشكل أساسيّ مَن كانت جرائمهم هي الأخطر أو مَن كانوا يحظَون بمنزلة رفيعة نسبياً قبل دخول السجن (كأن يكون عضواً رفيع المستوى في “التنظيم”، وهو من الأذرع العسكرية لفتح).

هناك أيضاً “شاغلو المناصب”. فلكل جناح قائد ومتحدث رسمي، يتم اختيارهما بانتخابات ديموقراطية يجريها السجناء (كل أربعة أشهر عند سجناء حماس، وكل ستة أشهر عند سجناء فتح). يتمتع شاغلو المناصب هؤلاء بمنزلتهم حتى خارج السجن أيضاً: إن دورهم علامة على النجاح، الذي يُترجم تلقائياً إلى تعزيز لصيت عائلاتهم.

يقع على عاتق المتحدث الرسمي -وهو “منصب” يطمح الوزير إردان إلى إلغائه- أن يحافظ على الاتصال بموظفي مصلحة السجون الإسرائيلية الذين يديرون السجن، ولكن قائد الجناح الأمني يتمتع بسلطة أكبر: إنه يدير شؤون النزلاء، وهو مسؤول عن الاتصال بقيادة المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، الذي يتمّ من خلال زيارات الأسر والمحامين والهواتف الخليويّة. وعلى رغم أنّ الهواتف الخليويّة محظورة، إلّا أن انتشارَها واضحٌ للجميع.

قال المتحدث الرسمي لأحد الأجنحة: “تعرف مصلحة السجون الإسرائيلية أنها موجودة، وهناك معركة ذكاء مستمرة بيننا بشأنها”.

لم ينخرط كل من مصلحة السجون الإسرائيلية والنزلاء فحسب في معركة الهاتف الخليوي، ولكن أيضاً السجناء في ما بينهم، كما يتضح من تصريحات أخيرة لسجين أمني رفيع المستوى، ينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي. كجزء من التحقيق الذي أجرته مصلحة السجون الإسرائيلية للاشتباه في تهريب 60 هاتفاً خليوياً إلى سجن نفحة، حقق مسؤول في مصلحة السجون الإسرائيلية اسمه ساسون مع سجين يدعَى أحمد أبو جزر، وأعرَبَ عن انتقاده اللاذع لقادة المنظمات الإرهابية في السجن.

قال أبو جزر: “هناك استغلال متأصّل هنا؛ فقادة المنظمات يقرّرون حتى مقدار الوقت الذي يمكن أن يمضيه السجناء في الحديث مع عائلاتهم عبر الهواتف الخليوية الموجودة”. بناءً على هذه المعلومة ومعلومات أخرى، يبدو أن المتحدث الرسمي للجناح هو الذي يقرِّر ما إذا كان سجين معين سيتحدث في الهاتف لمدة 5 دقائق أو 10 دقائق.

يمكن أن تؤثر المعلومات حول ما يحصل وراء القضبان في ما يحدث خارج السجن. هكذا يوضح أحد المسؤولين في مصلحة السجون الإسرائيلية قائلاً: “يمكن لحادث غير اعتيادي في السجن أن يكون له تأثيرٌ فوريّ في العالم الخارجي”. فقَد يؤدّي إضراب غير مهم عن الطعام -مثلاً- إلى موجة من الصدامات وإلى “نشر ألوية كاملة من جيش الدفاع الإسرائيلي”.

من ثَمَّ، فإنّ التحرّكات التي يدرسها إردان، قد تصبح برميل بارود. أخبر أحد السجناء القدامى صحيفة “هآرتس” أنه إذا دخلت التغييرات التي بدأها الوزير حيّزَ التنفيذ، فقد اتفق قادة المنظمات الفلسطينية على بدء إضراب عام عن الطعام.

وقال: “لسنا منزعجين على الإطلاق من فكرة اختلاطنا معاً، فقد نمنا في الزنازين نفسها معاً في الماضي”، وأضاف: “أكثر ما يزعجنا هو أن سلطات السجن تحاول فرض قيود على طعامنا وشرابنا؛ وإذا عبثت بطعامنا، فسيكون لهذا عواقبه. إن لكل منا عائلة في المناطق المحتلّة وأصدقاء في القوات الأمنيّة، ما يعني أننا إذا شرعنا في إضرابٍ عن الطعام، فستكون نتائج هذا على العالم الخارجي جلِيّة”.

 

يقول السجين، “الزيارة هنا عقاب. من أجل الوصول إلى نفحة، تضطر أمي إلى مغادرة المنزل في الساعة الثانية صباحاً، والانتظار ساعات عند إحدى نقاط التفتيش، وتشق طريقها من نابلس إلى رامون. أنا لست بحاجة إلى ذلك”.

 

قصص عن الأسنان

في أوقات التوترات، سواء أكانت حادة أم طفيفة، تُولى أهمية كبيرة إلى هوية المتحدثين باسم الجناح الأمني. وبحسب أحد المسؤولين، فإن لكل واحدٍ منهم مستنداً خاصاً في قسم الاستخبارات التابع لمصلحة السجون الإسرائيلية (وهي الهيئة ذاتها المسؤولة عن نقل المدانين البارزين من منشأة إلى أخرى). يرأس قسم الاستخبارات حالياً يوفال بيتون؛ أو “الدكتور بيتون” كما يطلق عليه السجناء، لأنه عمِلَ طبيباً للأسنان قبل أن يغير مساره المهني.

يدّعي بيتون أنه يستطيع معرفة ما إذا كان السجين جِنائياً عادياً أم سجيناً لأسباب أمنية بناءً على حالة أسنانه. فعلى عكس أسنان السجين العادي التي تُظهِر عليها علامات الإهمال، تكون أسنان السجين الأمني عادةً في حالةٍ أفضل – ويقول إنها مسألة تتعلق بالوعي والوضع الاجتماعي. أفضل الأسنان هي لأولئك المساجين الذين ينتمون لحركة حماس: يوضح بيتون أن هذا يرجع إلى شروط النظافة الشخصية التي تتطلبها تأديتهم الصلاة خَمس مرات في اليوم.

لكن “التجاويف” التي يبحث عنها بيتون هذه الأيام ليست تلك الموجودة في الأسنان. وقد أوضح ذلك في المقابلات الخاصة أكثر من مرة قائلاً “عليك استغلال كل فجوة بين السجناء وتوسيعها لجمع المعلومات الاستخباراتية”. وتنتشر بكثرة الفجوات بين أفراد الأجنحة الأمنية المسجونين في جميع أنحاء البلاد، الكراهية العمياء بين حركتي حماس وفتح، والخلافات السياسية الداخلية، وحتى الخلافات حول القضايا الإقليمية. كل شيء يتم استغلاله لكي يشي الناس ببعضهم. يبدو الأمر كما لو أن للعدو الاسرائيلي دوراً ضئيلاً في ما يتعلق بالصراعات الداخلية على السلطة في فلسطين.

وفي بعض الأحيان يبدو بيتون وكأنه على استعدادٍ للتغاضي عما يحصل بين الفلسطينيين القابعين خلف القضبان (حيث تعرض للانتقادات بسبب معاملته اللينة تجاه السجناء الخطرين) من أجل جمع المعلومات الاستخباراتية التي يمكن أن تُتَرجَم إلى إحباط أنشطة إرهابية في الميدان من قِبَل الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي) والجيش الاسرائيلي. يقول بيتون “إن التهديد السريع المتمثل في تفعيل هجومٍ إرهابي من داخل جدران السجن قد يقع في أي وقت”.

أحد الإنجازات التي تُنسب بدرجةٍ كبيرة إلى بيتون هي كسر إضراب السجين مروان البرغوثي عام 2017 في سجن كيشون – إضافةً إلى فكرة تصويره وهو يأكل قطعةً من الحلوى. أدى هذا الكشف إلى تراجع كبير في الضغط الذي كان يستخدمه أحد المسؤولين السابقين رفيعي المستوى لدى حركة فتح، والذي كان يحتج على سوء الأوضاع داخل السجن.

“من هو البرغوثي هذا بحق السماء؟” هكذا يقول لنا متهكماً أحد السجناء الذين تحدثنا إليهم والذي أُدين بالتسبب في مقتل جندي من الجيش الإسرائيلي أثناء تبادل لإطلاق النار خلال عملية “الدرع الواقي”. وتابع، “لقد تحدثتُ مع زوجته وأخبرتها أنه يرتكب خطأً بإضرابه عن الطعام. لكنها لم تستمع إلي. لقد كان يتوقع أن يخرج الناس إلى الشوارع وأن تبدأ انتفاضة جديدة. قد يكون لنا نحن السجناء بعض النفوذ، لكننا لا نريد انتفاضةً أخرى”.

أجهزة تلفزيون بشاشاتٍ مسطحة

ليس هناك الكثير من الأساليب لتمضية الوقت داخل هذه المرافق. في بعض السجون، يُستخدَم مصطلح “ساحة السجن” لوصف رقعةٍ صغيرة ذات أرضية من الفينيل وكثير من قضبان التسلق. وفي بعض السجون الأخرى، تتكون الأرضية من مادة مختلفة: الخرسانة. أما أكثر خيارات الاسترخاء شيوعاً فهو مشاهدة التلفاز (أكثر حتى من كرة الطاولة، على سبيل المثال).

في أحد الأجنحة المخصصة لحركة فتح بسجن نفحة، تعرض شاشة تلفزيون مسطحة بحجم 24 بوصة الأخبار باللغة العربية. لدى حركة فتح 10 قنوات تحت تصرفها، وتحظى القناة 12 الإسرائيلية بشعبيةٍ كبيرة. يقول أحد السجناء الأكبر سناً “الشباب هنا مهووسون ببرنامج “نينجا إسرائيل”، والذي يقوم بدور البطولة فيه عاصي عازر وتلك الفتاة”. ويُبدي آخرون معرفتهم الواسعة بالممثلين السابقين في المسلسل الإسرائيلي “الأخ الأكبر” Big Brother.

لدى حماس عدد أقل من القنوات للاختيار من بينها: خمسةٌ فقط؛ ويُفضل السجناء في ذلك الجناح القناة 11 التابعة لهيئة البث الإسرائيلية العامة.

يقول أحد السجناء “جميع برامج تلك القناة مفيدة وعميقة، أما برنامجهم الإخباري فهو الأفضل”، ويومئ السجناء الآخرون من حوله بالموافقة. “لديهم برنامج عن تراث إسرائيل وتاريخها، ولهذا الأمر أهمية كبيرة لدى السجناء هنا”.

مع كل ما جُمِع من الأجنحة الأمنية في السجون، لم يكن هناك إجماع إلا على أمرٍ واحدٍ فقط: المعلق الإذاعي المخضرم للشؤون السياسية إيهود يعري. فيقولون عنه “كل كلمة يقولها مقدسة”. وقد تلقت صحيفة “هآرتس” أيضاً بعض المديح، فيقول أحدهم بينما يوافقه الآخرون “لا خلاف حول ذلك – إنها الصحيفة الأكثر موضوعية”. “كان لدينا إسرائيل هيوم أيضاً (الصحيفة اليومية المجانية)؛ لكننا لم نستطع التوقف عن الضحك من عناوينها الرئيسية”.

يُظهِر السجناء في أجنحة حماس إلماماً واسعاً بالقضايا الجارية، ولا يكتفون بالصحف والتلفزيون فقط.

يقول أحد السجناء من ذوي الرتب العالية في الحركة “لقد استمتعت كثيراً بكتاب حراس البوابة The Gatekeepers. وقد علم منه الكثير عن كيف ينظر الشاباك إلينا”. وفي مكتبة سجنٍ آخر، يحمل أحد السجناء طبعةً باللغة العِبرية من كتاب بنيامين نتانياهو “مكانٌ بين الأمم” A Place Among the Nations.

لا شك في أن الأحداث الحاصلة المتعلقة بالسياسة الإسرائيلية هي من المواضيع الرئيسية للحديث مع أولئك الذين أجريت معهم مقابلات. زعيم حزب يش عتيد (هناك مستقبل) والطامح لمنصب رئيس الوزراء يائير لبيد؟ “كاذب مثل والده”. رئيس حزب العمل آفي غباي؟ “سوف يلقون به جانباً كما فعلوا مع الآخرين مثله”. وقد ذُكِر اسم عضو الكنيست المنتمي لحزب الليكود أورن حزان باعتباره شخصاً يملك تأثيراً في الرأي العام في إسرائيل. كما ذُكِرت زعيمة المعارضة تسيبي ليفني في سياقٍ إيجابي – نوعاً ما.

فيقول أحد السجناء “إنها الشخص الوحيد الذي ما زال يعطي أملاً، وهي على دراية كبيرة بالقضية الفلسطينية، لكنها لا تملك أدنى فرصة. لقد اخترتم نتانياهو الذي سيظل معكم لمدة 30 سنة إضافية، لذا فلتستمتعوا به”.

ويضيف سجين آخر “كل المجتمع الإسرائيلي ينتقل إلى الفكر اليميني، فماذا بعد؟ لم يعد هناك أي أمل”.

 

جوش براينر

هذا المقال مترجَم عن Haaretz.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً