“سبوتنيك” وكالة روسيا الإعلامية في تركيا

ترجمة – The Economist
مارس 17, 2019
عندما تجعل صُحُفكم مجموعة مموّلة من الكرملين تبدو وكأنها منارة للحرية الصحفية، عندئذ تكون الأمور قد سارت بصورة خاطئة على نحو خطير.

جهاديّ مصاب يتلقى العلاج في مستشفى تركيّ بالقرب من الحدود مع سوريا. المحكمة تمنح تعويضاً لقرويٍ كُرديّ تعرّض لضرب مبرح على يد مسؤولي الأمن. كاتب يتهم الحكومة بإشاعة الخوف بعدما طالب أحد ممثلي الادعاء، بإصدار أحكام بالسجن مدى الحياة على 16 شخصاً شاركوا في احتجاجات.

تلك هي نوعية الأخبار التي لا يجرؤ سوى بعض المنافذ الإعلامية في تركيا، أكثر دول العالم سجناً للصحافيين، على تغطيتها. قد يكون مُفاجئاً أنّ أحد هذه المنافذ هي مؤسسة إخبارية أنشأتها وموّلتها الحكومة الروسية.

في مُعظم أنحاء أوروبا وأميركا، تحظى “سبوتنيك” بسمعة استحقتها عن جدارة، بأنها المتحدثة باسم الكرملين. واتّهمت شركة “فيسبوك” موظفي المجموعة بإنشاء عشرات الحسابات المُزيّفة على منصتها بهدف نشر معلومات مُضلِّلة. ورأى الرئيس إيمانويل ماكرون أن “سبوتنيك”، “عميل يحظى بنفوذ ورواج دعائي” في فرنسا.

لعبت هذه المنصة الإعلامية دوراً مماثلاً في تركيا، حيث دعمت بحماس الجهود الروسية التي ترمي إلى تعميق ابتعاد الدولة وانسلاخها عن حلفائها الغربيين. لكن الوكالة حظيت أيضاً بإعجاب مئات آلاف القُرّاء والمُستمعين، وذلك بتقديم منتج نادر على نحو متزايد – أخبار عن تركيا لا تخضع للرقابة، وباللغة التركية.

أُطلِقت الخدمة، التي تضم موقعاً على شبكة الإنترنت وقناة إذاعية، في تركيا في أواخر عام 2014. وبعد عام، أسقطت القوات الجوية التركية طائرة حربية روسية خرقت مجالها الجويّ آتية من شمال سوريا. ردّت روسيا بفرض عقوبات وطالبت باعتذار رسميّ. وردّت “سبوتنيك”، من طريق بثِّ مزاعم روسية ضعيفة المصادر تتعلق ببيع تنظيم الدولة الإسلامية النفط إلى مسؤولين أتراك، من بينهم أفراد من عائلة أردوغان. تناولت بعض المنافذ الإخبارية القصة. وفي ربيع عام 2016، حظرت تركيا الدخول إلى موقع “سبوتنيك” عبر مقدمي خدمات الإنترنت الأتراك ورحّلَت مدير الأخبار. وفي وقت لاحق من العام ذاته، عندما بدأت تأثيرات العقوبات الروسيّة، استجاب أردوغان، وأعرب عن أسفه لإسقاط الطائرة وتصالح مع نظيره، فلاديمير بوتين.

في أواخر عام 2016، سافر أردوغان إلى سانت بطرسبرغ، حيث توجه بالشكر إلى بوتين على إدانة محاولة الانقلاب ضد الحكومة التركية، واتفقا على تجاوز الخلافات المتعلقة بالحرب في سوريا، وقاما بإعادة إحياء عدد من مشاريع الطاقة المشتركة، من بينها خط أنابيب لنقل الغاز تحت البحر من روسيا، وأعرب أردوغان عن اهتمامه بشراء منظومة الأسلحة الروسية. كما حصل بوتين على تنازل آخر. ففي اليوم الذي سبق زيارته، رفعت تركيا الحظر عن “سبوتنيك”.

منذ ذلك الحين، عززت “سبوتنيك” دعمها التقارب بين تركيا وروسيا. إِذْ يزخر موقعها بقصص وأخبار تُشيد بشراء تركيا منظومة الصواريخ الروسية S-400، الأمر الذي يعترض عليه الناتو وأميركا على وجه التحديد، باعتباره مؤشراً على استقلال الدولة المتزايد عن التحالف الغربي. وفي ما يتعلق بقضايا أخرى، مثل الحروب في أوكرانيا وسوريا والاضطرابات في فنزويلا، تمثِّل “سبوتنيك” صوت مموِّلها الروسي بصورة منتظمة. خلُصت دراسة نُشِرت العام الماضي أجرتها مؤسسة راند RAND، إلى أن وكالة الأنباء كانت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الكرملين التي تهدف إلى “إثارة الشكوك” بين تركيا وشركائها في حلف الناتو، ولحشد دعم الدولة للسياسات الروسية. فهي تعمل على أرضٍ خصبة. وفقاً لمجموعة من استطلاعات الرأي التي أجْرتها جامعة قادر هاس، انخفضت نسبة الأتراك الذين ينظرون إلى روسيا على أنها تمثل تهديداً لبلدهم من 34.9 في المئة في عام 2016 إلى 12.4 في المئة في العام الماضي. وارتفع عدد هؤلاء الذين نظروا إلى أميركا على هذا النحو من 44.1 في المئة إلى 60.2 في المئة. يبدو وكأن بوتين حقق عائداً جيداً على استثمار محدود.

لكن “سبوتنيك” بقيت شوكة في جانب أردوغان، وذلك لاستهانتها بالقواعد المفروضة على المنافذ الإخبارية البارزة في تركيا. (يُقدّر محلِّلون ومجموعات معنية بحقوق الإعلام أنّ نحو 90 في المئة من الصحف والجرائد المتداولة، ترزح تحت سيطرة رجال الأعمال المقرّبين من الحكومة). نشرت الوكالة مقتطفات من حوار أُجري مع صلاح الدين دميرطاش، زعيم سياسي كُرديّ يقبع في السجن منذ أواخر 2016. مُنِعت مُعظم المنافذ من نشر تقارير حول دميرطاش أو حركته. يرى النُقّاد أنّ الموقع يريد إطلاع الأتراك، بخاصة أولئك الذين ينتقدون حكومة أردوغان، على تغطية لائقة للسياسات التركية والأخبار والقصص الموالية للكرملين.

يقول صحافيو “سبوتنيك” إنهم يقدّمون ببساطة بديلاً للتغطية المبتذلة عديمة الفاعلية التي تُقدِّمها المنافذ الإخبارية المحلية. يبدو أنّ ما تفعله “سبوتنيك” يُجدي نفعاً. تتباهى خدمتها في تركيا الآن بامتلاكها عدد متابعين على “تويتر” (609000 في آخر إحصاء)، يتجاوز ضعف عدد متابعي خدمتها العالمية.

في مملكة الابتذال

إضافة إلى “بي بي سي” BBC، و”دويتشه فيلله” Deutsche Welle، اللتين تديران خدمتين باللغة التركية أيضاً، تحوّلت “سبوتنيك” إلى منصة لجذب المراسلين الأتراك العاطلين من العمل. في الوقت الحاضر، تتباهى المجموعة ببعض أفضل صحافيي البلاد وأشهرهم. تقول أهو أوزيرت، مذيعة تلفزيونية مخضرمة انضمت إلى الخدمة في العام الماضي، إنها حظيت بمفاجأة سارّة عندما اكتشفت أنها تستطيع دعوة أي شخص تريده إلى برنامجها الإذاعيّ. تضع معظم القنوات الإخباريّة الكبرى قائمة سوداء بالخبراء الذين يُبالغون في انتقاد حكومة أردوغان. وتقول أهو أوزيرت “إن التيار السائد في تركيا سيئ للغاية، لدرجة أن مجرد القدرة على ممارسة الصحافة الأساسية القويمة تبدو أمراً استثنائياً”. إن هؤلاء المسؤولين عن الحالة المؤسفة التي يبدو عليها الإعلام التركيّ، بدءاً من أردوغان، يجب أن يحترسوا. عندما تجعل صُحُفكم مجموعة مموّلة من الكرملين تبدو وكأنها منارة للحرية الصحفية، عندئذ تكون الأمور قد سارت بصورة خاطئة على نحو خطير.

 

هذا الموضوع مترجم عن economist.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
مع انخفاض حدّة الجدل حول أغنية سالمونيلا لتميم يونس، عودة إلى السؤال الأساس: ما الذي يجعل الأغنية ذكوريّة إلى هذا الحدّ؟
فاطمة بدري – صحافية تونسية
سقطت حكومة الحبيب الجملي، بعدما فشلت في إقناع نواب البرلمان التونسي باستقلاليتها وكفاءتها. سقوط وضع حداً لطموح اللاعب الذي اختاره رئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي، ليكون في الواجهة كـ”مستقل”.
وديع الحايك – صحافي لبناني مقيم في روسيا
سيتم تعديل المادة في الدستور الروسي المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة في روسيا والمصادقة على تسميته، وهما صلاحيتان حالياً بيَد رئيس الجمهورية، وهو وحده يقرر من سيكون رئيس الوزراء ومن هم وزراؤه.
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
ترجمة- Vox
“لم أكن أعرف الشعور الذي خالجني حينها. فلم أستطع الإفصاح عن أنني مسرور لأنه مات، ولم أستطع القول إنني سعيد”… ماذا قال الشباب الإيراني عن مقتل سليماني؟
عبير محسن – صحافية يمنية
ليس هناك ما هو أقسى من أن تقف الأجهزة الأمنية والقضائية التي تعد ملجأ المغلوب على أمره وحامي المظلوم الذي لا حيلة له، في وجوه النساء اللاتي يطالبن بأول حق مكفول للإنسان “حق الحياة”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email