fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

“سأخبرك عن أحلامي؟”

معالي المسؤول أودّ أن أخبرك ماذا حصل معي اليوم، عسى أن تصبر

عليّ وتسمعني قليلاً. معلومٌ أن انشغالاتك كثيرة، لكنني أستمهلك قليلاً، قليلاً فقط، بحق كل خبز وملح لم يحدث بيننا. يا أخي بحق الورقة التي أسقطتها من أجلك ومن أجل زملائك في الصندوقة السوداء. بحق أي شيء تعبده… 5 دقائق فقط.

استيقظت باكراً جداً، توجهت إلى المطبخ حتى أحضّر قهوتي، أيقنت أن الغاز نفد. نزلت بسرعة البرق عند “أبو باخوس” في أسفل البناية، طلبت منه قارورة جديدة، فأخبرني أنّ سعرها زاد ألف ليرة منذ القارورة الأخيرة التي اشتريتها. فتحت “خزنتي”، هي ليست خزنة، أنا أمازحك يا رجل، إنها حقيبة يد صغيرة، أضع فيها ما يبقى من مرتبي بعد أن أدفع مستحقاتي. المهم دفعت ثمن الجرة، وطرت إلى البيت. شربت قهوتي ولبست. جاربيّ كانا ممزّقين، لكن لا مشكلة قلتُ، يمكن أن أخفي الأمر داخل الحذاء. هذا الحذاء معاليك قصّته قصة. اشتريته منذ خمس سنوات وأصبح صديقي من شتاءٍ إلى شتاء. نوعيّته ممتازة. أنصحك بها. على رغم بعض الفتحات الصغيرة على الجانبين، لكن لا مشكلة. قد يدخل بعض المطر أو مياه الصرف الصحي حين تطوف (أسبوعياً أو يومياً)، إلى قدميّ. هذا نوع من الدغدغة. أنا أحبّ الدغدغة. لا عليك.

انتظرت “سرفيس” لم يكن يأتِ. من ينقلني من الدورة إلى كليمنصو مقابل 2000 ليرة؟ كل يوم معاليك أنتظر سائق أجرة مسكين و”مقطوع” مثلي حتى يقبل أن يقلّني بسرفيس واحد. لا تسمح ميزانيّتي بأن أدفع أكثر. لا تتّهمني بالبخل، أنا كرمٌ على درب صدّقني، لكنّ العين بصيرة واليد قصيرة. وصلت في النهاية سيارة أجرة شبه محطّمة، وافق صاحبها أن يقلّني. “الشبيه يعرف الشبيه”.

شكرت الله على نعمته وركبت السيارة، فيما كان المطر بدأ ينزل. إنه يوم سعيد، لقد نجوت من “التطبيص” في المياه. وصرت تعرف قصّة حذائي. الأخبار على الراديو كانت كلها سيئة، بهمّتكم. حتى الطقس كان سيئاً، وأفادت المذيعة الدلوعة بأن ثلاث حوادث سير قد حصلت في هذه الصبيحة المباركة. معاليك علينا أن نحمد الله على المذيعات الدلوعات. تحسّ بأن الأخبار السيئة تخرج من أصواتهنّ بحنان. قد تشعر بأنك مغرم بما تسمعه من فجائع. اضحك معاليك اضحك. إنها نكتة. هل تحبّ النكات؟ كيف تنكّتون أنت وأصدقاؤك حين يطفئ الجميع كاميراتهم؟ عسى ألا نكون نكتتكم المفضّلة. وإن كنا كذلك، عسى أن نكون مضحكين بما يكفي.

المهم وصلت إلى العمل. أنا محاسب في شركة. نسيت أن أعرّفك عن نفسي. لا تؤاخذني. راتبي جيّد جداً، 900 دولار، أي مليون و350 ألف ليرة. أقسّمها بشكل رائع وإدارة ممتازة على أيام الشهر. عندي 300 دولار أدفعها إيجاراً للغرفة القذرة التي أعيش فيها، وكمبيالة شهرية لأهم مصرف في لبنان تبلغ 180 دولاراً، (معاليك إنه مصرف ممتاز، لا يأتي أول الشهر إلا ويتّصل بي حتى يذكّرني بما علي أن أدفعه، يخشى عليّ من الخرف المبكر). القرض الذي أخذته منذ ثلاث سنوات كان من أجل أمّي، لأنها مرضت للغاية، وطبعاً أنت تعرف قصة المستشفيات وموت البشر على أبوابها. لم أكن أريد أن تموت أمّي. لكنّها ماتت. هل تعرف لماذا؟ لأنها التقطت فيروساً من أحد المستشفيات حيث أجرت عمليةً جراحية، وقد قتلها. ربما تتذكّر أنك أتيت لتعزّينا بمماتها، وربّتّ على كتفي وقلتَ لي: “شد حالك”. كنت أودّ أن أسألك “كيف؟”، لكنك أنهيت جملتك ورحلت بسرعة أنت والرجال الضخام الذين أتوا معك لحمايتك. ممّن؟ منّا؟

حين وصلت إلى العمل، سمعنا إشاعةً مفادها أن معاشاتنا ستتأخر هذا الشهر، وقد أخبرنا أحدهم أن فرعاً آخر لشركتنا لم يحوّل رواتب الموظفين منذ أشهر. هل تعرف ماذا قد يحصل إن تأخرت الرواتب حقاً؟ معاليك معي في جيبي الآن 100 ألف ليرة، تكفي لأشتري ربطة خبز واحدة في الأسبوع مع علبة جبن وسندويش فلافل واحد وعلبتي سردين، وكلفة مواصلاتي حتى نهاية الشهر. بمعنى آخر، أنتهي أنا والشهر معاً. وأخبرتك قصتي مع أهم مصرف في لبنان وأجرة الغرفة اللعينة، ناهيك عن فواتير الكهرباء والمياه. على فكرة، كنت أريد أن أسألك، علامَ المياه مقطوعة عندنا؟ ماذا تفعلون بالمطر الذي ينزل؟ هل تبلعونه يا أخي؟ كفوا عن ذلك بربكم. نريد أن نشرب وأن نستحمّ. هل تنقطع المياه عندكم؟ إن كان الأمر كذلك، أنصحك بالاستحمام “بالكيلة”، لتوفير المياه. ويمكنك أن تشتري “غالون” ماء وتستحمّ به، لا تخشى من البرد. إنه منعش.

المهم كان يوماً طويلاً من القلق والأخبار والقلاقل حول الرواتب والهمّ الجديد الذي ينتظرني في نهاية الشهر. تغدّيت “صحن برغل” شهيّ. منذ ثلاثة أيام وأنا أتغدى برغلاً. في اليوم الأول أكلته مع صلطة خس وبندورة، في اليوم التالي مع ما تبقّى من الصلطة، أما اليوم فبرغل حاف.

أوصلتني زميلتي في العمل إلى بيتي، هي تملك سيارة جديدة لأنّ والدها مدير في المصرف الذي اقترضت منه. إنها فتاة رائعة وأعرف أنها معجبة بي. لكن ماذا أفعل معاليك؟ أي نصيحة تسديها لرجلٍ مفلسٍ مثلي يستيقظ قبل ساعتين حتى ينتظر سائق أجرة يقبل أن يوصله بألفي ليرة حتى لا يدفع “سرفيسين”؟ عيناها جميلتان جداً، لكنني أتفادى أن أنظر إليهما، كيف أشرح لها أنني آكل أحياناً خبزاً حافاً حتى أُسكت معدتي؟

كانت زحمة السير أسوأ من حياتي بقليل. طبعاً يشعر الإنسان الذي في مثل حالتي بالامتنان، حين يجد ما هو أسوأ من حالته. هذه ربما من فوائد الزحمة عندنا. اضحك، اضحك. إننا نمزح.

عدت إلى “قصر يلدز” الذي أسكن فيه، قالت الجميلة إنّها تريد أن تزورني. تخيّل، ستزورني وقد نفدت آخر معلقة بن في المرطبان الأزرق (ورثته من جدتي). سألتها إن كانت تشرب نرجيلة، فقالت إنها تريد أن تجرّب. جلسنا على الشرفة وبدأنا ننفّخ. الحمد لله أن التنباك لا ينفد من عندي. الحمد لله على نعمة التنباك، مع العلم أنكم رفعتم سعره منذ فترة قصيرة. سألتني الجميلة عن أحلامي. أخبرها، أخبرها أنت معاليك.

عذراّ على الإطالة، طاب يومك.

 

إقرأ أيضاً