fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

مقالات الكاتب

زوار الكاظم ليسوا وحدهم : هاهي التكايا الصوفية تصدح في بغداد والفلوجة

شهد العراق في نهايات 2018 تدفق مئات من زوار ينتمون إلى جنسيات هندية وباكستانية وأجنبية، حرصوا على تحدي المخاطر من أجل المشاركة في طقوس احتفالات ذكرى مولد الشيخ السُنّي المحبب لدى قلوبهم، عبدالقادر الكيلاني (1077 م) الملقب بـ ”سلطان الأولياء“ لدى المتصوفة.

مشاهد الزوار المنتشرين في الفنادق وفي باحة الحضرة القادرية التي يقع فيها الضريح، دفع بكثيرين الى الاستبشار خيراً، بالقادمين لهذه المناسبة بعد سنوات من تصدر المدينة قائمة ”أسوأ مدن العالم“، ضمن تصنيفات أثارت الكثير من الجدل بشأنها من قبل الجهات الرسمية.

في المقابل، رأى آخرون في الزيارة الجماعية خطوة مهمة يمكن استثمارها مؤخراً ضمن ما يعرف بـ ”اقتصاد الأديان والمذاهب“ بدل الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على النفط ووارداته أولاً وأخيراً في ظل هبوط يومي لأسعار بسبب السياسات الأميركية الترامبية.

عودة المظاهر الصوفية السنية إلى بغداد، يوحي بحصول انفراج في العلاقات السنية الشيعية التي تأزمت بعد موجة عنف طائفية اجتاح بغداد بعد 2006 على إثر تفجير مرقد الإمامين العسكريين المقدسين إلى حد العصمة لدى أتباع المذهب الشيعي، ويمكن أن يساهم هذا التطبيع في استعادة بلاد الرافدين صورته كمنجم تاريخي للتنوع والملل والنحل منذ آلاف السنين، إلا أن آخرين يرون أن الوصول إلى هذا الاستنتاج مازال محفوفاً بالتحديات والمصاعب وأمر سابق لأوانه.

حلقة ذكر صوفية

يدور جدل تاريخي بشأن جذور الشيخ الكيلاني، بين من يقول أن أصوله تعود الى ساحل بحيرة قزوين الإيرانية ”كيلان“ وفق مؤشرات تاريخية، فيما يقول آخرون أنها تعود الى قرية ”جيل“ القريبة من المدائن الواقعة وسط العراق بحسب اعتماد الرواية المعتمدة من قبل سلالته حالياً. وهذه الشخصية حصلت على ثناء جماعتين متناحرتين، إذ يقدر السلفيون الشيخ الكيلاني تماما كما يفعل الصوفيون في مفارقة غريبة. ويعتبر الكيلاني علماً من أعلام العراق والمشرق الإسلامي وأطلق عليه لقب ”قطب بغداد“، فقد ذاع صيته في نفس حقبة شهرة الإمام السني الأول أبو حنيفة النعمان ”الإمام الأعظم“، والإمام الشيعي ”موسى الكاظم“، الذي يعد مزاراً ومقصداً لملايين من الشيعة سنوياً استذكاراً لوفاته في سجون الخليفة العباسي هارون الرشيد (799م). وبسبب الازدحام والتدافع للزيارة، تتوقف الحياة في العاصمة لأيام.

من هنا، بدأت الأوساط الدينية تتابع إقبال وافدين من الهند وباكستان وحتى المغرب لزيارة مزار سني في العراق. لكن، هل يمكن اعتبار افتتاح باب هذه الزيارة مؤشراً على الانفتاح والتعايش المذهبي في بغداد بعد سنوات من هيمنة المناسبات الشيعية عليها؟

المعطيات الميدانية تثبت أن المعضلة الكبرى في علاقات أتباع المذهبين، قائمة بين التيارات السُنّية الأصولية ونظيراتها الشيعية الولائية التي تقلد المرجعيات الإيرانية الثورية، وخلافاً لعلاقة هذين التيارين،  تتميز علاقة الصوفية السُنّية والكثير من التيارات الشيعية بمشاركات عديدة ولا توجد تقاطعات كبيرة بينهما.

الشيعة والصوفيون يبجلون القبور والأضرحة على حد سواء رغم اختلافات الذوات المقدسة لدى كل منهما، وكلاهما يطلبان المدد والعون من أعلام وأقطاب يعتبرونها مقدسة، ويؤمنان مثل بعضهما بالتوسل بالصالحين والأئمة للوصول إلى الله، ويجمعهما الحب الشديد لآل بيت النبوة، حيث يرجع الكثير من أعلام الصوفية ومشايخها، نسبهم إلى أبناء الحسين والإمام علي، ونقشت على كثير من التكايا الصوفية لوحات لأسماء الأئمة الاثني عشرية.

وبالعودة إلى التاريخ نجد أن القطب الصوفي البغدادي، معروف الكرخي (ت نحو 815 هـ)، كان مقرباً من الإمام الثامن الشيعي موسى الكاظم، وأسلم على يديه بعد أن كان مسيحيا، ويعتبر شيوخ النقشبندية الإمام الصادق المعصوم لدى الشيعة، أحد رجالات طريقتهم المنسوبة إلى القطب السني وأول الخلفاء أبوبكر الصديق ضمن توليفة مركبة.

وتعتبر الطريقة الكسنزانية العلية القادرية، التي تولت إحياء ذكرى مولد عبدالقادر الكيلاني في تكاياه، علي ابن أبي طالب مرجعها الأول، وثم عبدالقادر الكيلاني (ت 561 هـ) لدرجة سمت نفسها العلية القادرية. لكن هذه التيارات الصوفية المتوافقة مع مقدسات الشيعة، شهدت تراجعاً في السنوات الأخيرة تحت ضغط تمدد التيارات السُنية السلفية التي ملأت فراغاً في الساحة السنية، تمثلت في مواجهة التيارات الشيعية المتنامية التي أغرقت مؤسسات الدولة والطرقات العامة بالشعارات الثورية والرايات المذهبية وصور رجال دين إيرانيين في مقدمتها مرشدا الثورة الإيرانية، الراحل الخميني، والحالي علي خامنئي.

 

بدأت الأوساط الدينية تتابع إقبال وافدين من الهند وباكستان وحتى المغرب لزيارة مزار سني في العراق. لكن، هل يمكن اعتبار افتتاح باب هذه الزيارة مؤشراً على الانفتاح والتعايش المذهبي في بغداد بعد سنوات من هيمنة المناسبات الشيعية عليها؟

 

كذلك فإن حقبة تنظيم داعش وما نتج عنها من دمار وخراب وقتل وتداعيات سلبية على المجتمع السني تحديداً، وضعت الاسلام السني الحركي في خانة الإتهام، واندحار هذا التنظيم المحسوب على التيار الجهادي، أعاد الحياة مجددا إلى التيار الصوفي الذي اختفى في ظل سطوة الخطاب السلفي الجهادي المتبني للعنف، والذي يعتبر طقوس التصوف بدعة وينعتها بـ “القبورية”.

خلال الفترة الأخيرة شهدت مدن الفلوجة والموصل عودة لحلقات الذكر الصوفية والتكايا، بعد زوال حكم داعش وارتفعت أصوات المراكز الصوفية مجدداً بعد اربع سنوات من الاختفاء، اضيف إليها مؤخراً شد الرحال إلى ضريح عبدالقادر الكيلاني الذي يبجله جميع الصوفية على اختلاف مشاربهم وطرقهم، لكن السؤال الجوهري في نظر الكثيرين يكمن في مدى جاهزية الساحة الشيعية لسحب البساط من تحت أقدام مدعي رفع الظلم عن أهل السُنة، في ظل تحديات تتمثل برغبة موجودة في الأوساط الشيعية في الثارات والسيطرة على ما تبقى من مفاصل السلطة بدعوى الأغلبية والمظلومية التاريخية، رغم محاولة التصدي لهذه النزعة من قبل أطراف شيعية رئيسية ترفع شعار التعايش واللحمة الوطنية يدعمها توصيات النجف والضغوطات الأممية للتخفيف من حدة الطائفية.     

 

إقرأ أيضاً:

ساعة في منزل السيستاني

 

إقرأ أيضاً