fbpx

هنا القصة الثالثة

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

رسالة إلى ريّا الحسن: أرجوكِ لا تعتذري

لن أخاطبكِ لأنك وزيرةً للداخلية مع أن ما أقوله موجّهٌ إليك بهذه الصفة. أكتب لك من امرأة إلى امرأة. صحيح أن لا معرفة شخصية بيننا، ولكن القليل الذي أعرفه عنك يشعرني بضرورة الكتابة.

يوم أمس، فتحت عيني على مقالة صغيرة من موقع مشكوك بصدقيته مضمونه أن “الوزيرة الحديدية” أخطأت بطرح موضوع الزواج المدني وبأنه لن يكون بإمكانها أن تقف في وجه طائفتها.

أمضيت يومي في نقاشات حول الموضوع، وجدتني أغضب وأنفعل وأهدأ وأناقش وأبحث ثم أغضب وأناقش وأنفعل من جديد. وجدتني أقرأ فتوى صادرة حول الموضوع عام 2013، “أي مسؤول يطرح موضوع الزواج المدني للنقاش يُعتبر مرتداً… لا يدفن مع المسلمين.” هذا كان مضمون فتوى صدرت “باسم الله العظيم” على لسان المفتي محمد قباني.

وجدت نفسي مكانك.

لا أعرفكِ، لكن أعرف وقع هذه الكلمات على من أتت من الأماكن التي أتيتِ منها.

رحتُ أكرّر الكلمات نفسها من المقالة المشكوك بصدقيتها.

هل أخطأت الوزيرة الجديدة بفتح موضوع الزواج المدني؟ هل تتراجع؟ هل تخضع لهذا الابتزاز؟  هل تعتذر من الله كما اعتذرت النائب رلى الطبش؟

الإنجازات الصغيرة التي تم تحقيقها على مدى سنوات حصلت خلال عهدَي الوزيرين زياد بارود ومروان شربل. بحسب المفكرة القانونية، هناك ٤٣ زواجاً مدنياً قانونياً لم يسجّلها الوزير نهاد المشنوق بغير وجه حق، ربما خوفاً من غضب دار الفتوى، وربما لأسباب أخرى… هل علينا أن ننتظر وصول وزير مسيحي حتى نتمكن من تحقيق أي انتصار صغير جديد؟ هل ستقبل ريّا الحسن بوضع وزارتها تحت وصاية رجال الدين؟ هل ستسمح بتمرير فرصة أن في الوزارة اليوم، امرأة هي أيضاً أم لابنتين؟

كان الرد واضحاً. “لا أنا ولا أحد يستطيع مساعدتك. الحضانة للأب. هكذا هي الشريعة وهذا هو القانون. حتّى لو تنازل الأب اليوم يبقى بإمكانه أن يغيّر رأيه في أي لحظة. أنت تضيعين وقتك” .

 

ِمن هذه النقطة، من نقطة أم لابنتين قررتُ أن أكتبَ إليك.

ما يلي، حكايتي الخاصة جداً، التي هي أيضاً حكاية كل امرأة في هذا البلد. النقاش الدائر اليوم حول الزواج المدني، والحقيقة التي نعرفها جميعاً هي أن القضية الأهم هي قوانين الأحوال الشخصية.

حصل أن جلست منذ بضعة شهور على طاولة واحد من أهم محامي الطلاق في بيروت. بضع ساعات أمضيتها أستمع إليه، ينصحني بألا اتنازل عن أي مكتسبات مادية، وهو باستطاعته أن يساعدني ويأتيني بالكثير من الضمانات. رحت أكرّر له أن لا مشكلة هنا ولكنني أرغب بحضانة مشتركة.

كان الردّ واضحاً. “لا أنا ولا أحد يستطيع مساعدتك. الحضانة للأب. هكذا هي الشريعة وهذا هو القانون. حتّى لو تنازل الأب اليوم، يبقى بإمكانه أن يغير رأيه في أي لحظة. أنت تضيعين وقتك” .

خرجتُ وبكيتُ ساعات لا أذكر عددها. شعرتُ بالأسى ليس على نفسي فقط. فأنا وضعي جيّد نسبياً. لكنني لم أستطع ألا أضع نفسي مكان المرأة المظلومة في تلك اللحظة. لم أعد نفسي. صرتُ تلك الأم التي لا أعرفها التي حُرمت من أبنائها وحُرموا منها. صرتُ يسما وميا، ابنتي اللتين لم أتوقف يوماً عن زرع مشاعر المساواة فيهما، تقفان في يوم من الأيام في موقف تشعران فيه أن قيمتهما أمام القانون: صفر.   

في تلك اللحظة لم ينفعني شيء. لم ينفعني علمي ولا اجتهادي ولا أهلي ولا علاقاتي ولا أصدقائي ولا شيء. قالها المحامي، أنت رهينة إلى حين تصبح ابنتاك راشدتين، ولوالدهما الحق بالحضانة الكاملة، ما يعني أن لا حق لديك.

كنت أعلم جيداً أن هذه ليست حالتي. والد ابنتيّ كان هو من طرح منذ البداية فكرة الحضانة المشتركة. أعلم جيداً أنه ليس من الرجال الذين يفصلون بين أم وأبنائها ولكن في لحظة الضعف كنت محتاجة إلى ضمانة قانونية ولم أستطع أن أهزم الشعور بالإهانة، فليس في القانون ما يحميني، ما يحمي أمومتي.  

تعرفتُ الى زوجي السابق في يوم كنا ما زلنا فيه مراهقَين. أغرمنا ببعضنا بعضا ًوكبرنا معا وتشاركنا الأحلام. يوم تزوّجنا لم يكن موضوع الزواج المدني مطروحاً ولم نفكر للحظة أننا قد نجد نفسينا أمام سيناريو طلاق. معاً أنشأنا عائلة لا تزال بالنسبة الى كلينا أجمل ما يجمعنا، ولكن أحلامنا وأولوياتنا تغيرت وصار لا بد من الافتراق.  نحن اليوم أصدقاء، ولو لم يكن هو هو، لما كان بإمكاني كتابة هذه الرسالة، فأنا رهينة كما قال المحامي. ولكنني أعرف أنني محتاجة إلى أن اكتب ليس دفاعاُ عن النساء فقط ولكن أيضاً دفاعاً عن الرجال.  

عندما يكون الشرع والقانون والمجتمع الى جانب الرجل في ظلم المرأة، عليه أن يقاوم كثيراً قبل أن يتنازل عن حقوقه. هؤلاء الرجال هم أيضاً أبناء لأمهات ظلمن وآباء لبنات مرشحات للظلم إذا لم تتغير القوانين.

 

فائض السلطة الموضوع بين أيديهم مرهق. عندما يكون الشرع والقانون والمجتمع إلى جانب الرجل في ظلم المرأة، عليه أن يقاوم كثيراً قبل أن يتنازل عن حقوقه. هؤلاء الرجال هم أيضاً أبناء لأمّهات ظلمن وآباء لبنات مرشحات للظلم إذا لم تتغيّر القوانين. هم شركاء مُكرهون على الظلم وفي ذلك قسوة عليهم أيضاً وإن بنسب مختلفة.

المفتي قباني لم يكن يدافع عن الرجال يوم أصدر فتواه، كان يدافع عن سلطة وعن نظام متكاملَين ضحاياه نساء ورجال. هذه هي الحقيقة، والخوف من الزواج المدني، ليس فقط خوفاً على بضعة ملايين من الدولارات قد تخسرها المؤسسات الدينية، إنما الخوف على النظام الأبوي ابن السلطة الدينية.

سيدة ريّا،

أكتب إليكِ اليوم، لأنني أعرف جيداً ما معنى أن تواجهي تهمة التخوين أو الردة ولو من دون غير حق. و أعرف جيداً ما معنى أن تجدي نفسك عالقة بين خوف من يحبّك عليك من التكفير، وخوفك على من تحبّين من بقاء الأمور على ما هي عليه.

 أكتب إليك لأنني لم أُظلَم ولكني مثلك أخاف أن تُظلم ابنتيّ أو بنات أخريات إذا لم نفعل شيئاً.

نعم، الزواج المدني الاختياري، هو الخطوة الأولى باتجاه قوانين أحوال شخصية مدنية، في دولة تساوي بين مواطنيها وتحمي حقوقهم كافة بما فيها حقوقهم الدينية.

أكتب إليكِ لأنك تعرفين أنك لم تُخطئي بالحديث عن الزواج المدني، ولكن ما لا تعرفينه، أن ما تفعلينه هو قصة المساء التي تحكيها أمّهات مثلي لبناتهنّ، فأرجوكِ ألا تعتذري من أحد وألا تتراجعي عن أي “خطأ”…

 

إقرأ أيضاً:

لهذه الأسباب قررت أن اقترع

عن ثورة زارتنا في بيروت قبل سبع سنوات

إقرأ أيضاً