fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي - كاتب فلسطيني

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

رسائل مجروحة من غزة : “امتى بدنا نخلص من ها الصراع وها العيشة وها المسرحية؟”

“الشعب في غزة يريد الموت… فإذا نشبت الحرب على الطرفين أن يضربوا بكل قوتهم… لذلك أطالب المقاومة بأن تدخل الحرب بلا حسابات سياسية ولا دولية وأن تضرب بكل صواريخها، وأن تدخل بكل أنفاقها إلى حدود غزة، وأن تعمل على احتلال مناطق حيوية مثل عسقلان وبئر السبع وإن شاء الله تل أبيب، ليكون لإسرائيل المبرر لكي تضربنا بقنبلة نووية على قدنا في غزة، بحيث ما تخلّي حدا من شعبنا الذي أصبح هائماً ويائساً ومعذباً وبائساً ومسكيناً في ظل هذا الصراع المخزي بين فتح وحماس. على الله يا زلمه نخلص من هالصراع وهالعيشة وهالمسرحية. اللي استحوا ماتوا”.

بكل ذلك الوجع كتب محمد نظمي نصار (كاتب وناشط سياسي من غزة) معلقاً على الأحداث الأخيرة.

غزة باتت سجنا يضم مليوني فلسطيني

منذ عقود باتت غزة مثل جمرة، لا أحد يستطيع الإمساك بها ولا أحد يريدها، لا إسرائيل ولا مصر ولا أي أحد، فهذه البقعة الضيّقة، التي تفيض بالبشر، والواقعة في الزاوية القصيّة من جنوب فلسطين، بين مصر وبلاد الشام، بين المشرق العربي ومغربه، أو “بين قارتين، ودولتين، وبين مسلكين شائكين، وبين بحر وصحراء، وبين سفينة حربية ودبابة وبين طائرة ومدفع”، كما كتب الشاعر الفلسطيني خالد جمعة (من غزة)، أضحت عصيّة على إسرائيل، بكل جبروتها العسكري، إذ لم تستطع كسرها ولا التخلص منها، حتى أن رابين كان تمنى يوماً أن يصحو ويجد أن البحر قد ابتلع غزة.

غزة هذه التي تقبع في تلك الزاوية النائية حولتها إسرائيل شريطاً مغلقاً، محاطاً بالأسلاك الشائكة، الكهربائية والإلكترونية، وبأبراج الحراسة والخنادق المفخّخة والبوارج في البحر، بحيث أضحت كسجن كبير، يضم مليوني فلسطيني، يعتمدون في معظم حاجاتهم الأساسية على سجانهم (إسرائيل)، من مياه وكهرباء وغاز ومحروقات ومواد طبية ومواد بناء وحتى المواد التموينية، في منطقة تعتبر نادرة الموارد، ويعاني شبابها، حتى خريجو الكليات، من البطالة، لانعدام فرص العمل والاستثمار، بسبب الحصار المفروض على غزة منذ 12 عاماً.

لم يأت انسحاب إسرائيل من غزة، بعد احتلال 38 عاماً (1967 -2005) كرم أخلاق، ولا استجابة منها لتطلعات الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة، فهذا القطاع، تبلغ مساحته 360 كلم2 (1.3 في المئة من فلسطين، و6 في المئة من الضفة)، وبالتالي هي انسحبت لتتحرر من العبء السياسي والأمني والديموغرافي والاقتصادي الذي تفرضه السيطرة على مليوني فلسطيني، والتخلص مما تسميه “القنبلة الديموغرافية”، وللحفاظ على ما تعتبره طابعها كدولة يهودية وديموقراطية، مع كل ما في ذلك من التباسات وشبهات ومغالطات.

لذلك، من البديهي أن تكون العلاقة بين السجين والسجان غير سوية، بوصفها علاقة بين القوي والضعيف، بين الظالم والمظلوم، لذا فهي ظلت محكومة بجدلية المقاومة والإخضاع، والفعل ورد الفعل، والتمرد والاتباع، هكذا واجهت غزة حروباً مدمرة، فمقابل جندي إسرائيلي واحد (جلعاد شاليت)، أسرته كتائب عز الدين القسام (التابعة لحركة حماس)، قتلت إسرائيل حوالى 500 فلسطيني (2006)، ثم اعتبرت غزة إقليماً معادياً، وفرضت عليها حصاراً وإغلاقاً محكمين، وبعدها شنت حروباً عدة في 6 سنوات (2008 و2012 و2014)، نجم عنها مصرع 4 آلاف فلسطيني، وعشرات آلاف الجرحى وآلاف المصابين بإعاقات، إضافة إلى خراب هائل في العمران والبنى التحتية يقدر بمليارات الدولارات، في مقابل مصرع حوالى مئة إسرائيلي، أغلبهم من العسكريين.

مشكلة غزة تكمن، أيضاً، في السلطة التي تديرها، إذ إن خيارات “حماس” لم تسهّل الأمر على فلسطينيي غزة المساكين، فهي لم تعرف كيف توازن بين كونها حركة تحرر وطني وسلطة، أو بين كونها حركة وطنية وحركة دينية، أيضاً، ولم توازن بين كونها سلطة مسؤولة وبين كونها حركة مقاومة. وفي الغضون، فهي ضاعت بين قدراتها وبين الطموحات التي وضعتها على عاتقها بشأن استمرار المقاومة، واستمرار حرب الصواريخ، وبين التبعات الباهظة التي تنجم عن ذلك، من دون تحقيق أي إنجاز سياسي. بيد أن الأهم من كل ذلك، أن حماس بطريقة إدارتها القطاع لم تنجح في تقديم نموذج أفضل من تلك التي تخاصمها في الضفة (سلطة فتح)، بل انتهجت طريق القمع والعنف لإسكات المطالب الشعبية، كما حدث أخيراً، الأمر الذي يزيد معاناة فلسطينيي غزة، ويفاقم مشاعر الإحباط والقهر والغضب عندهم.

هذه رسائل من غزة، مكتوبة بروح أهلها، ومعاناتهم، وبألم جراحهم، يقول مصطفى إبراهيم (كاتب): “فجأة تنطلق الصواريخ وفجأة تتوقف. أصبح ذلك واقعاً مروعا تعيشه غزة منذ سنوات. يدفع الناس ثمن السياسات غير العاقلة وعدم تقدير الأوضاع، وجنون وجرائم إسرائيل. الجميع فقد مناعته النفسية والأمن الشخصي، ويتم ابتزاز غزة في لقمة عيشها ويدفع الناس ثمناً كبيراً، ولا يوجد أي أفق سياسي أو اقتصادي أو حتى أمل في تحسين شروط حياة مليوني بشري من عدوان وحصار رهيب وانقسام بغيض”. بينما الكاتبة سما حسن عبرت عن خشيتها من الحرب، بسؤالها: “ماذا لو عادت الحرب؟ يا رب سترك ما عاد القلب يحتمل خوفاً وفزعاً. وين بدنا نهرب؟ لازم نخزن طحين وتموين كلاكيت رابع مرة”. وقال رزق المزعنن (مدرس) ساخراً، ثمة “صاروخ من البيئة وصاروخ خطأ وصاروخ عبثي وصاروخ خياني!”. أما الصحافية إسلام الحصري فعممت على الوضع الفلسطيني: “الأسرى ينتفضون وحدهم. القدس تنتفض وحدها. غزة تنتفض وحدها. الضفة تعاني الاقتحامات والاغتيالات وحدها. ويحدثونك عن المشروع الوطني والدولة. آخر الزمان وكل في وادٍ يهيم”.

في المقابل، كتب جميل عبد النبي (كاتب وأسير سابق) بمرارة عن واقع غزة ويأسه منها (23/3): “لا أنكر أنني فقدت الكثير من رغبتي في البقاء في هذا البلد. ذات يوم كان مجرد التفكير في شيء كهذا، جريمة بالنسبة إلي، فكيف لي أن أترك وطني وأهرب؟ كان ذلك بالنسبة إلي يشبه الكفر، أو الخيانة. اليوم: صار ضميري يمزق راحتي، كيف سمحت لنفسي بأن أنجب أولاداً في وطن لا يوفر لهم أدنى مقومات الحياة؟! كان يمكنني أن أتخذ قراري لنفسي، وأن أبقى هنا، فهل كان من حقي أن أختار لأولادي أن يولدوا هنا؟! في ما مضى كنا نواجه احتلالاً لسنا مختلفين على كونه عدونا، اليوم صارت الصورة ضبابية، فرفاق الأمس صاروا جلادي اليوم! ألا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. هل علي أن أعتذر لأولادي الذين أنجبتهم أنا هنا في هذه البلدة الشقية؟ أعترف بأنني محبط”.

حاول محمد الشيخ يوسف أن يعبّر عن المشاعر المضطربة التي تنتابه إزاء غزة، فكتب:

“نحب غزة قربان حياتنا، نحبها ثوراً هائجاً نصفق له في الحلبة، نشتمها ما أن تنطح واحداً من جمهورها، نحب غزة البطلة الضحية، مصدراً لفخرنا وقصصنا ورواياتنا وشهاداتنا، نحبها في القصائد، والأناشيد والصور والأخبار والجلسات الأكاديمية وسهرات العرق والويسكي والسيجار، نحبها عفوية في موتها ودمها وعرضها الدموي وتلقيها اللكمات والضربات والرصاص. وتذكاراً في صورنا خلال رحلات السياحة الوطنية، وحفلات المزاودات بين الكاهن والقربان المقدس. نحبها لأننا لم نستطع أن نكون أسطورة، ولو لم تكن غزة أسطورتنا لخسرنا الخطابات والمؤتمرات واللطميات والبكائيات، وإذا تعبت غزة من قصتها، لعنتها جماهير المتعة. نحب غزة مضرجة بالحديد والنار والمتفجرات والغضب، هذا حلمنا لكن الحياة ملهاة قصيرة، فلتحققه غزة عنا جميعاً. وقد تتورط غزة في ما نريد، إما عناداً وإما فجوراً، أو خجلاً أو إعجاباً، لكنه تورط المراهق بانفعالاته وغضبه، تورط المولود بالعائلة، والمنفي بالمكان، والبشري بالوقت، ورطتها التي صارت ندبة وهوية. نحب نزقها واندفاعها نحو الموت، نحو الأسلاك الشائكة وحقل الألغام وأبراج القناصة، وبين الرصاص، صفقوا لغزة وهي تحفر الأرض بأسنانها، فغزة أكثرنا وطنية وشجاعة، استبدلوا أسنان غزة، استبدلوا مسام جلدها، استبدلوا رغبتها للنجاة بحاجتها للإعجاب. نحب أن نصفق لغزة، لكننا لا نحب سؤالها عن الحياة. غزة قربان حياتنا المقدس”.

قطاع غزة… عقوبة الإعدام أسهل الحلول

غزة: عروس سوريّة… وأزمة لاجئين فلسطينيين

إقرأ أيضاً