fbpx

هنا القصة الثالثة

الياس حلاس - صحافي جزائري

الياس حلاس - صحافي جزائري

مقالات الكاتب

رحل بوتفليقة وبقيت منظومته في مواجهة الجزائريين

تسارعت الأحداث في الساعات الماضية، وأجبر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على تقديم استقالته تحت ضغط الشارع والجيش وجهاز العدالة الذي فتح تحقيقات بشأن فساد رجال أعمال مقربين من شقيقه، أصبحت تهدد هذا الأخير بالملاحقة، إذ سجلت النيابة العامة في مجلس قضاء الجزائر دعوة قضائية ضده. وخرج الجزائريون إلى الشارع للاحتفال هاتفين بالانتصار ومطالبين بتحييد زمرة الرئيس.

اجتمعت هيئة أركان الجيش مرة أخرى وأصدرت بياناً شديد اللهجة، أكدت فيه أن لا رجوع عن الحل الدستوري، المتمثل بتفعيل المادة 102 من الدستور وإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية حلاً للأزمة السياسية، واصفة محيط الرئيس بـ”العصابة”. وعقبت الهيئة على تصريحات المدير السابق للمخابرات الجزائرية الفريق محمد مدين المدعو توفيق، الذي كذّب في بيان له، ما أتت به قناة “الشروق نيوز” من معلومات حول لقاء جمعه بالرئيس السابق ليامين زروال. توضيح أكده هذا الأخير في بيان آخر، قال فيه إنه استقبل توفيق الذي كان يحمل عرضاً من طرف شقيق الرئيس بوتفليقة بتولي قيادة المرحلة الانتقالية، نافياً حضور رجال من المخابرات الفرنسية، الذي تحدثت عنه ” الشروق نيوز“، نقلاً عن مصادر مجهولة، يسهل الاستنتاج أنها مقربة من قيادة أركان الجيش.

فعلاً، اتهمت القناة المذكورة الجنرال توفيق بالتآمر مع سعيد بوتفليقة والمخابرات الفرنسية لإبطال خطة الجيش للخروج من الأزمة، وأشارت إلى حضور مدير المخابرات الحالي عثمان طرطاق المدعو بشير هذ اللقاء. قال توفيق: “ففي هذا الصدد ومذ غادرت مهماتي، لم ألتقِ أبداً ولو مرة واحدة مع المسؤول الأمني الذي ذكر أنه حضر شبه الاجتماع هذا. إن الاتهام الموجه لشخصي والمتعلق بمقابلتي رجال مخابرات أجانب، قصد إثارة مواضيع مرتبطة مباشرة بالسيادة الوطنية، ما هو إلا محاولة متعمدة لإيذائي والمساس بشخصيتي المعروفة، داخل البلاد وخارجها، بطابع التصدي للتدخلات الخارجية، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية“.

جزائريات يحتفلن باستقالة بوتفليقة

وأردف ليامين زروال مدققاً: ” بداعي الشفافية وواجب احترام الحقيقة، أود أن أعلم أنني استقبلت يوم 30 آذار/ مارس بطلب منه، الفريق المتقاعد محمد مدين الذي حمل لي اقتراحاً لرئاسة هيئة مكلفة بتسيير المرحلة الانتقالية. وأكد لي أن الاقتراح كان بالاتفاق مع السعيد بوتفليقة، مستشار لدى الرئاسة“. وجاء في البيان الأخير الصادر عن اجتماع هيئة أركان الجيش والموقع من طرف رئيسها أحمد قايد صالح، رد آخر على تصريحات الجنرال توفيق: ” تطرق السيد الفريق إلى الاجتماعات المشبوهة التي تعقد في الخفاء من أجل التآمر على مطالب الشعب وتبني حلولاً مزعومة خارج نطاق الدستور، من أجل عرقلة مساعي الجيش الوطني الشعبي ومقترحاته لحل الأزمة، وبالتالي تأزيم الوضع أكثر فأكثر، كل هذا تم بتنسيق الجهات غير الدستورية، إلا أن بعض هذه الأطراف خرجت تحاول عبثاً نفي وجودها، في هذه الاجتماعات ومغالطة الرأي العام، على رغم وجود أدلة قطعية تثبت هذه الوقائع المغرضة“.

كشف هذا السجال عن أطراف الصراع والتحالفات الموجودة داخل النظام، وأخرج إلى العلن الأحقاد الدفينة التي يكنها هؤلاء لبعضهم بعضاً، كما تبينه، على سبيل المثال، نبرة الازدراء التي تكلم بها الجنرال توفيق في بيانه عن عثمان طرطاق من دون ذكر اسمه. وتحرك جهاز العدالة على غير عادته وفتح تحقيقات بشأن شبهة الفساد التي طاولت رجال أعمال مقربين من سعيد بوتفليقة، وسجل شكوى ضد هذا الأخير، ومنع المدير العام للشركة الوطنية للمحروقات عبد المومن ولد قدور من مغادرة التراب الوطني للمشاركة في مؤتمر حول الطاقة، من المزمع عقده في مدينة شنغهاي الصينية.

هيجت هذه الأحداث الشارع ووضعت البلد في منزلق خطير، وكثف الضغط على الرئيس بوتفليقة الذي أجبر بهذا على التنحي. وقال في رسالة استقالته التي قدمها بنفسه إلى رئيس المجلس الدستوري ما يلي: “إن قصدي من اتخاذي هذا القرار إيماناً واحتساباً، هو المساهمة في تهدئة نفوس المواطنين وعقولهم، لكي يتأتى لهم الانتقال جماعياً بالجزائر إلى المستقبل الأفضل الذي يطمحون إليه طموحاً مشروعاً. أقدمت على هذا القرار، حرصاً مني على تفادي ودرء المهاترات اللفظية، ويا للأسف، الوضع الراهن، واجتناب أن تتحول إلى انزلاقات وخيمة المغبة على ضمان حماية الأشخاص والممتلكات، الذي يظل من الاختصاصات الجوهرية للدولة“. وأضاف :” لقد اتخذت، في هذا المنظور، الإجراءات المواتية، عملاً بصلاحياتي الدستورية، وفق ما تقتضيه ديمومة الدولة وسلامة سير مؤسساتها أثناء الفترة الانتقالية التي ستفضي إلى انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية“.

طوت استقالة الرئيس بوتفليقة صفحة من تاريخ الجزائر وفتحت المجال أمام مرحلة انتقالية تشرف عليها المؤسسة العسكرية، وإن كانت أحكام الدستور تفضي إلى تولي رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان) رئاسة الدولة لمدة 3 أشهر، تنظم فيها انتخابات رئاسية بواسطة حكومة تصريف الأعمال المعينة في هذا الأسبوع، فقد ورث قائد أركان الجيش كل عتلات القوة وهو اليوم صاحب الأمر داخل النظام القائم الذي وصف أحد أقطابه في بيانه الأخير بالقوى “غير الدستورية“.

عن القوى “غير الدستورية”

يجدر التنبيه في هذا السياق، إلى أن الجزائريين الذين خرجوا للاحتفال باستقالة الرئيس بوتفليقة ما زالوا رافضين لمنظمة حكمه التي لعب فيها قائد أركان الجيش دوراً مهماً، لمدة 15 سنة كقائد لهيئة أركان الجيش. فقد كان قوة ضاربة بيد الرئيس بوتفليقة، عندما تحفظ مدير جهاز المخابرات السابق محمد مدين المدعو توفيق على ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة في 2014، وقام بالتعاون مع المدير الحالي للمخابرات الذي كان يشغل منصب مستشار في رئاسة الجمهورية عثمان طرطاق، بفرض العهدة الرابعة، ثم إعادة هيكلة الجهاز وتحييد الجنرال توفيق عن القرار السياسي بإحالته على التقاعد عام 2015. هذا الأخير يكون خسر معركته الثانية ضد قائد صالح وطرطاق بتحالفه هذه المرة مع عدو الأمس القريب بوتفليقة.

وبالعودة إلى القوى “غير الدستورية” التي عني بها سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس ومستشاره، فقد استعمل هذا التعبير لأول مرة من طرف رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس ثم صديق شيهاب الناطق الرسمي باسم “حزب التجمع الوطني الديموقراطي”، الذي يقوده الوزير الأول المعزول بفعل التظاهرات الأخيرة أحمد أويحيى، قبل أن تتبناه قيادة أركان الجيش في بيانها. وكلهم سكتوا عن القرارات التي أسست لهذه القوى غير الدستورية، عندما كانوا في الحكم تحت رئاسة بوتفليقة. وتكون هذه القوى بدأت مع تولي عبد العزيز بوتفليقة الحكم منذ 20 سنة.

فعلاً، أصدر الرئيس بوتفليقة في تشرين الأول/ أكتوبر 1999 مرسوماً يتعلق بالتعيين في المناصب المدنية والعسكرية، أعطاه سلطة الحياة أو الموت على المسؤولين في الدولة، وأسس لبناء شبكات خارج مؤسسات الدولة وفوض تسييرها لقوى “غير دستورية“، أفرغتها من محتواها وعاثت في البلاد فساداً، ضاربة عرض الحائط الأطر القانونية. هذا المرسوم المعدل لمرسوم صادر عام 1989 بناء على الدستور، الذي أسس لأول تجربة سياسية في الجزائر، والذي كان يعطي لرئيس الجمهورية صلاحية التعيين في المناصب العليا ويعطي لرئيس الحكومة سلطة التعيين في قطاعات عريضة، طمس بوتفليقة من خلاله رئيس الحكومة وأصبح يعين حتى رؤساء الدوائر في الإدارات والأمناء العامين في البلديات ورؤساء دواوين وزرائه. ويعد هذا خرقاً صارخاً للدستور في ذلك الوقت، سكت عنه رئيس المجلس الدستوري آنذاك بشير بومعزة وعلي بن فليس الذي كان أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، ولم يعلق عليه أحمد أويحيى الذي كان أميناً عاماً لـ”حزب التجمع الوطني الديموقراطي”، قبل أن يعين وزيراً للعدل في حكومة بن فليس في آب/ أغسطس 2000. أعطى بوتفليقة لنفسه هذه السلطة خارج الأطر الدستورية، قبل أن يعدل الدستور ويلغي الثنائية القطبية للسلطة التنفيذية، بتعويض رئيس الحكومة بوزير أول اختزل دوره في تنسيق العمل الحكومي باسم رئيس الجمهورية.

فتح منطق بوتفليقة السلطوي الباب أمام الانتهازيين والتف حوله الوصوليون والمتملقون بتفاوت وعيهم السياسي وكفاءاتهم وأصبحت أجهزة الدولة أدوات لبسط سلطة المتنفذين من المقربين. أفرغ ذلك مؤسسات الدولة، التي ضاعت منها الكفاءات التي ليس لديها من يتوسط لها مع بوتفليقة، من محتواها. وأصبح المسؤولون يأتمرون بأوامر عرابيهم ويتخذون إجراءات لتفضيل فلان على علان، وأبرز مثال على ذلك رجال الأعمال من الأثرياء الجدد الذين بنوا ثرواتهم في كنف هذه البيروقراطية واحتكروا القطاعات التجارية الأكثر ربحية، واستحوذوا على الصفقات العمومية. وتخندق مع بوتفليقة أشخاص لا تربطهم سوى مصالح ظرفية تتمثل في استفادتهم من الريع الذي تنتجه مساندتهم إياه.

منع بعض رجال الأعمال من السفر هذه الأيام على خلفية فتح تحقيقات قضائية ضد رموز هذه الشبكات مترامية الامتدادات، من أجل تهدئة الشارع المندد بالفساد المستشري في أوصال الدولة مثل الأخوة كونيناف، محي الدين طحكوت وابنه بلال، محمد بعيري وعلي حداد، الرئيس السابق لمنتدى رجال الأعمال المستقيل، والذي وضع رهن الحبس الموقت في سجن الحراش في العاصمة الجزائر، بتهمة التزوير واستعمال المزور. حاول هذا الأخير مغادرة البلد عبر الحدود الشرقية مع تونس ليلة الاثنين إلى الثلاثاء، لكنه سقط بيد الشرطة بسبب أتفه من خطته للهروب. اشترى علي حداد تذكرة طائرة للذهاب إلى مرسيليا عبر قسنطينة، من أجل التمويه، ثم اتجه إلى تونس براً ووصل إلى الحدود قبل تعميم اسمه بساعات. لكنه ” نسي” دفع الضريبة على تذاكر السفر الدولية التي يجب تقديم وصل عنها عند مغادرة البلد براً، وقدرها 500 دينار جزائري (4 دولارات). وبهذا يكون مر علي حداد من دون مشكلات مع شرطة الحدود، قبل أن تفضي مراقبة أعوان الجمارك إلى ملاسنات حادة معه، بسبب وصل الضريبة التي أدت إلى تدخل عناصر الشرطة وإخضاعه إلى تفتيش معمق انتهى بتوقيفه لحيازته جوازي سفر جزائريين، ساريي المفعول، كان قد حصل عليهما من دائرة بير مراد رايس في العاصمة، وحول بذلك إلى محكمة هذه المقاطعة الإدارية، حيث وضعه وكيل الجمهورية في السجن برفقة موظف في مصلحة الحالة المدنية.

باختصار، إن من خرجوا للاحتفال بتنحي بوتفليقة، لم يعد يكفيهم ذلك ولمسنا لديهم عزيمة في الاستمرار في التظاهر حتى تغيير النظام وبناء دولة القانون. يتجلى ذلك في تعليقاتهم البهيجة وكذلك في الشعارات التي رددوها، وهم عازمون على رفعها في العاصمة الجمعة في مسيرة حاشدة أخرى. وإن لم يكن لدى أحد فكرة واضحة عن مدى رغبة التغيير بناء على “يتنحاو قاع”، فبالنظر إلى كيفية سير نظام بوتفليقة، يمكن أن يسبب هذا التطرف انهيار الدولة. ولكن الأكيد، أن الجميع يحس باسترجاعه شيئاً ما وبخاصة كبرياءه: ” البلاد بلادنا ونديرو راينا” (البلد بلدنا وسنفعل فيه ما نشاء).

الجزائر تغلي وتتغير: ” بوتفليقة رايح رايح، ادي معاك قايد صالح”

إقرأ أيضاً