fbpx

هنا القصة الثالثة

نبيل مروة - موسيقي لبناني

نبيل مروة - موسيقي لبناني

مقالات الكاتب

رحلة بحث عن “اتلانتس” السوفياتية

لم تكن الدعوة التي وصلتني من جمعية الصداقة اللبنانية – الروسية، لحضور حفل تكريم مجموعة الفنانين اللبنانيين من خريجي جامعات الاتحاد السوفياتي ومعاهده “سابقاً”، وأنا في عداد هذه المجموعة، سوى باب أوتوماتيكي صغير فُتح لي لأدخل منه إلى مركب الزمن بحثاً عن بلاد “عُظمى”، اختفت بين ليلة وضحاها، لتُمسي في خبر كان، وتصبح قصصاً تكاد تُشبِه الخيال.

فماذا يعني أن تكون مواطناً في بلد، صُنِّف جباراً واختفى نهائياً عن وجه الأرض؟ وماذا يعني أن تكتشف أن الشيوعية، جنّة البشرية الموعودة، ما هي سوى أضغاث أحلام؟ وهل وجدت الشعوب السوفياتية، المُنفرط عقدها، جنَّتها في العالم الرأسمالي؟ وماذا يعني أن تكون خريجاً تحمل شهادة جامعية عُليا من بلد لم يعُد موجوداً؟ وماذا يعني أن تُكرمك جمعية الصداقة اللبنانية – الروسية، وأنت خريج جامعة في كييف – اوكرانيا، الجمهورية المنفصلة عن الاتحاد الروسي والتي على حدودها تشتعل الحرب مع جارتها روسيا؟ وماذا يعني أيضاً أن يعيش أحدهم مؤمناً بأن الاتحاد السوفياتي ما زال حياً يُرزق، وفي طريقه إلى الظهور مُجدَداً كقوة عظمى لتحقيق “المجتمع الشيوعي”؟

إذاً، كانت الدعوة إلى المشاركة في هذه الاحتفالية، بمثابة بطاقة دخول إلى مركب الزمن والإقلاع به نحو الماضي.

التجذيف إلى الوراء

كان ذلك في يوم شتوي من عام 1978، الحرب الأهلية في لبنان كانت أطفأت شمعتها الثالثة ودخلت البلاد منعطفاً احترابياً جديداً مع اغتيال زعيم الحركة الوطنية اللبنانية كمال جنبلاط، من قِبَل المخابرات السورية ودخول البلاد في مرحلة الاحتلال السوري بمباركة ودعم من الجبّارين الأميركي والسوفياتي. لم أكن حينها إلا صبياً مراهقاً أسكن في غرب بيروت وفي الصف الثالث متوسط في ثانوية رأس النبع الرسمية للبنين. أذكر جيداً وجه معلمة الجغرافيا المبتسم في الصف وهي تطلب فرضاً منزلياً، يقضي بأن يُحضِّر كل تلميذ ملفاً بحثيّاً متكاملاً حول أحد بلدان العالم. وتركت لكل واحد منّا أن يختار البلد الذي يريده.

يومها لم يكن صعباً عليَّ أن اختار ومن دون تردد، الاتحاد السوفياتي بلداً مُفَضَّلاً لبحثي المنزلي. فعَدا عن كَوْن اسم الاتحاد السوفياتي يتردد كثيراً في بيتنا باحترام وتبجيل، كان بيت العائلة يعج بالكتب والأدبيات التي تتحدث عنه وتُبشر بدعواه.

أطْلعتُ والدي على المهمة المدرسية طالباً المساعدة، فنصحني بالتوجه إلى مكاتب مجلة “المدار” التي تُصدرها وكالة “نوفوستي” السوفياتية. وهناك حصَلتُ مجّاناً على مجموعة كبيرة من أعداد هذه المجلة الصادرة باللغة العربية بهدف الترويج لإنجازات الدولة الاشتراكية السوفياتية العُظمى في بلاد العرب.

لم يكن سهلاً على اللبناني المنتمي الى الحزب الشيوعي اللبناني أن يسافر للدراسة في الاتحاد السوفياتي، إذْ كان ذلك ممنوعاً، ومحفوفاً بالمخاطر.

أذكر حينذاك دهشتي إعجاباً وأنا أتصفح في هذه المجلات تفاصيل بناء الاشتراكية، دولةً للمساواة الاجتماعية تحكمها الدكتاتورية البروليتارية التي تبني رفاه الانسان وتحقق سعادة البشر. صور إنجازات التعاونيات الزراعية والصناعية بعُمّالها وفلاحيها وعلى وجوههم السعادة والعافية والنشاط. صور والأبنية الضخمة متجاورة مع تماثيل قادة الثورة لينين وستالين وماركس وأنغلز، وكل ما يُمجّد الحزب والعظمة السوفياتية. هكذا وقعت في حب الاتحاد السوفياتي وشعبه العظيم، وانتابتني أحلام يقظة بالسفر إليه سعياً للعيش فيه.

حلمٌ يتحقق

استمرت الحرب اللبنانية بلا توقف إلاّ لفترات متقطعة فقط، يلتقط فيها المتقاتلون أنفاسهم ويبدّل المتصارعون الأدوار والتحالفات. لكن الحياة كانت تسير، على رغم كل شيء.

وشاءت الأقدار أن أحصل على منحة تعليمية لإكمال دراستي الجامعية في الاتحاد السوفياتي، عام 1987، فأصل بذلك إلى “الجنة الموعودة”.

المنح التعليمية من السر إلى العلن 

انتهج الجبار السوفياتي في حربه الباردة والطويلة مع الجبار الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، سياسة دعم وجَّهها الى ما سُمِّيَ وقتها حركات التحرر الوطني العربية، لا سيما إلى الاحزاب اليسارية والشيوعية العربية التي تتبع توجهات الاممية الثالثة ومركزها الاساس موسكو. كان دعماً مشروطاً بتحقيق مصالح الاتحاد السوفياتي بالدرجة الأولى كما لتَوْسِعة رقعة نفوذه في البلدان العربية. أما أشكال هذا الدعم فكان يبدأ بالأسلحة الحربية مروراً بالأموال وصولاً إلى تقديم الخبرات العسكرية والمنح التعليمية.

في ستينات القرن العشرين حتى منتصف السبعينات لم يكن سهلاً على اللبناني المنتمي الى الحزب الشيوعي اللبناني أن يسافر للدراسة في الاتحاد السوفياتي، إذْ كان ذلك ممنوعاً، ومحفوفاً بالمخاطر. فالسلطات الأمنية اللبنانية ممثلةً بشعبة “المكتب الثاني” كانت تلاحق وتُحقق مع كل من له صلة بالاتحاد السوفياتي، وتمنع إعطاء جوازات سفر لكل طامح بالسفر إليه. لذا كان الطامحون الأوائل يخططون لفعلتهم سراً، فيعمدون الى السفر براً أو بحراً الى أحد البلدان الأوروپية القريبة ومن ثم يصلون الأراضي السوفياتية.

في منتصف السبعينات ومع اشتعال فتيل الحرب الأهلية اللبنانية التي كان لليسار اللبناني قسط وافر فيها، استعرَّ الصراع بين الجبارين على تقاسم مناطق النفوذ، فاتسعت رقعة الدعم السوفياتي لمصلحة هذا اليسار المتحالف مع أحزاب منظمة التحرير الفلسطينية، ومعها كبرت كمية الدعم وتوزّعت على أكثر من حزبٍ وَجِهة.

المنح التعليمية تدفقت بوفرة من الاتحاد السوفياتي ومن كل منظومة الدول الاشتراكية الاخرى، تحت شعار “رفع مستويات التعليم والمعرفة” لدى شعوب العالم الثالث، وتوزعت على كل هذه الأحزاب التي بدورها قايضتها بالمال لكل راغب في الحصول على منحة تعليمية في الخارج.

سافر الطلاب اللبنانيون ذكوراً وإناثاً الى الاتحاد السوفياتي طلباً للعلم وسعياً إلى الترقّي الاجتماعي. معظمهم أتوا من طبقات اجتماعية متوسطة وما دون، ومن منابت فكرية يسارية لأحزاب رفعت لواء الاشتراكية والتحرر من الاستعمار وقضايا المساواة وحقوق المرأة.

وقتذاك كانت هذه الفئة من الطلاب المنتقاة بعناية فائقة قليلة العددـ ولكن منسجمة من حيث جذورها الطبقية الفقيرة وانتماءاتها إلى الأحزاب الشيوعية الدائرة في فلك المركز السوفياتي.

ولكن مع بداية الثمانينات اغدق السوفيات في تقديم المنح التعليمية على جميع القوى الحزبية سعياً إلى استمالتها وجَعْلها تدور في فلك سياساتها الإقليمية. قيادات هذه الأحزاب سيَّلت هذه المنح مدخولاً مالياً عبر عرضها على الجمهور المتعطش للهرب من الحرب.

شكّل جمهور الطلاب الممنوحين خليطاً عجيباً متناقضاً لجهة منابتهم الحزبية وانتماءاتهم الاجتماعية/الطبقية، إذْ كان للطبقة الوسطى وجود أساسي متجاور مع طبقات ميسورة ومسحوقة. واللافت هو بداية ظهور طلاب انتموا إلى أحزاب دينية أو يمينية.

سافر طلاب العلم اللبنانيون من المدن والارياف وجبهات القتال إلى الاتحاد السوفياتي حاملين معهم أمتعتهم الشخصية، إضافة إلى أحلامهم وأوهامهم وعُقدهم النفسية وتقاليد عيشهم وخلافاتهم السياسية

سافر طلاب العلم اللبنانيون من المدن والارياف وجبهات القتال إلى الاتحاد السوفياتي حاملين معهم أمتعتهم الشخصية، إضافة إلى أحلامهم وأوهامهم وعُقدهم النفسية وتقاليد عيشهم وخلافاتهم السياسية، وحتى مأكولاتهم وبعضهم أضاف إلى حقائبه أنواعاً من الهدايا كالساعات السويسرية المزورة وسراويل الجينز الاميركية المقلدة والعطور الرخيصة من أجل مقايضتها بخدمات شتى.

لعبة الفروقات السبع بين صورتين

لحظة وصولي إلى مطار موسكو والأيام الأولى التي تلتها، كانت كشعور اصطدام الهواء برأس الوليد لحظة خروجه من رحم أمه… شعور بالصدمة والدهشة. أما الأشهر التي تلت تلك اللحظة فكانت للاكتشافات واستعادة التوازن لتبرير الفرق الشاسع بين الصورة/ الوهم من جهة وبين صورة الواقع الحقيقي من جهة أخرى.

يُجمع كُثر من الطلاب على أن السنة التحضرية الأولى وهي مُخصصة لتعلّم اللغة الروسية هي من أجمل السنوات الدراسية وأغربها. إذْ يحصل خلالها التعرف إلى مجموعات كثيرة من شعوب العالم “الثالث”، ويجتمع في مسكن واحد طلاب مختلفون، بدءاً من شعوب أميركا اللاتينية مروراً بشعوب البلدان الأفريقية وشعوب العالم العربي، انتهاءً بشعوب القارة الهندية. اقوام وشعوب تلتقي بثقافاتهم وعاداتهم وتصوراتهم من غير موعد أو قصد. وباستثناء روائح مآكلهم المُنبعثة من المطبخ المشترك المخصص للجميع، لا تختلط هذه الشعوب ولا تتثاقف إلا في حالات فردية نادرة.

بعد السنة الأولى تصير القدرة أكبر على التحدُّث والمحاورة باللغة الروسية وعندها لن تجد صعوبة في اكتشاف أن الشعوب السوفياتية المُضيفة هي شعوب مقهورة، تقمعها سلطاتها الرسمية. شعوب غير سعيدة في حياتها التي عشش فيها الخوف واليأس. شعوب تتوق إلى الحرية، حرية المُعتَقَد والتعبير عن الرأي والمعارضة، حرية التنقل والسفر والمبادرة الاقتصادية. شعوب تكره النظام الفاشي الستاليني وحزبه الشيوعي الفاسد وناهب الثروات المادية. ومع ذلك فلن تؤلو جهداً في اكتشاف أنها أيضاً شعوب مدهشة في عطائها ومحبتها للوافدين الطلاب، وسَخِيَّة في إظهار تعاطفها مع قضاياهم وعذاباتهم.

الشعوب السوڤياتية هي شعوب عاطفية بشكل عام، تضحك حتى الثمالة وتحزن حتى البكاء. شعوب توّاقة إلى التحرر من النظام الشمولي، تحارب يأسها من النظام بالفُكاهة السوداء والفودكا البيضاء. شعوب عشش في ذهنها الوهم في أنّ النظام الغربي الرأسمالي هو الجنّة المَوعودة وفيه الخلاص من شرور الستالينية وويلاتها.

الأوهام المتقابلة 

أذكُر جيداً الحوار الذي دار بيني وبين أستاذي إيغور كراسناپيور في المعهد الموسيقي في مدينة كييڤ الأوكرانية، حول مفاضلة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي. هو يُعدد لي مساوئ النظام الاشتراكي ومحاسن الآخر، أمّا انا فكنت في منزلة بين الاثنين، أوافقه في الأولى وأعارضه في الثانية.

في إحدى المرات فاجأني أستاذي، وهو أوكراني من جذور يهودية، بقراره النهائي بالهجرة إلى إسرائيل، وطلب نصيحتي ورأيي بصراحة. فأجبته بأن الأرض التي ستهاجر إليها، واسمها فلسطين، هي أرض سليبة لشعبٍ فلسطيني طُرد من أرضه وشُرِّد الى خارجها بقوة السلاح. وتشكِّل قضية هذا الشعب مأساةً إنسانية لا تقل عن المآسي التي أنزلها الإرهاب والقمع الستاليني ثمناً لبناء هذه الاشتراكية الخرقاء.

وقتها دارَ بيننا نقاش متوتر، ولم يستطع أيّ منا إقناع الآخر بأي شيء. هو كان صمم على هجرته بعدما أصبحت البلاد على شفير الانهيار الكبير، وتمكنت منه أوهام الوكالة اليهودية للهجرة. أمّا أنا فزالت عني تلك الأوهام التي أصابتني مرة عبر الوكالة السوفياتية للأنباء “نوفوستي” ومجلّتها “المدار”.

الانهيار الكبير

إذا كانت بداية مرحلة “البريسترويكا” أوْحت لي ولكثيرين من مواطني السوفيات بشيء من الأمل في إصلاح ذات البَيْن، فمع مرور قليل من الوقت كانت التطورات تؤكد للجميع أن الانهيار شامل وقريب.

في هذه المرحلة، كان الجميع هنا يتابع ويقرأ ويناقش بحماسة وأمل ممزوج بخوف على المصير والمستقبل.

انقسم الناس بين مؤيد للتغيير الراديكالي وبين متحفظ عليه. أصبح لكل سوفياتيّ رأيه الخاص، بعضهم استفاق من غفوته الأبدية على حلم استعادة حقوقه الفردية بالملكية أو الجَماعية بالأراضي المنزوعة قسراً. تحررت النزعات القومية والدينية من القمم، وانتشرت كالفطر مجموعات تُبشر بأحزاب وبأديان وبأوهام اقتراب نهاية العالم. تدهورت العملة الوطنية وعانت البلاد شحاً في المواد الغذائية الأساسية.

في إحدى المرات فاجأني أستاذي، وهو أوكراني من جذور يهودية، بقراره النهائي بالهجرة إلى إسرائيل، وطلب نصيحتي ورأيي بصراحة. فأجبته بأن الأرض التي ستهاجر إليها، واسمها فلسطين، هي أرض سليبة لشعبٍ فلسطيني طُرد من أرضه وشُرِّد الى خارجها بقوة السلاح.

الطلاب الأجانب الممنوحون تعليماً جامعياً أيضاً تأثروا في هذا الجو المحموم. فمنهم من اجتمع في دوائر المنظمات الحزبية والروابط الطلابية، حيث دارت نقاشات واختلافات، حول ما إذا كان الخطأ يكمن في النظرية الاشتراكية أم في التطبيق! آخرون لم يبالوا بل تابعوا حياتهم الدراسية المعتادة مؤمنين بأن هذه الأحداث لا تعدو كونها مؤامرة يُنفذها الغرب الرأسمالي- الإمبريالي، وسيعود الاتحاد السوفياتي الى سابق عهده أقوى وأصلب. فئة ثالثة أُخرى تركت الدراسة مُستغلّة ظروف الفوضى والفساد، لعقد صفقات تجارية رابحة مع مافيات العهد الجديد المُخصَّبة من أجهزة الحزب في الدولة والمخابرات السوفياتية، وأنشئت الشركات المالية والتجارية التي قادت البلاد والعباد في المستقبل.

لم يكن لهذا المشهد الأبوكالبسي ليكتمل إلا مع التحلل النهائي لمنظومة الدول الاشتراكية، وتفكك الجمهوريات السوفياتية الست عشرة واستقلالها عن المركز الروسي، الذي عاد بدوره إلى حقيقة وجهه الاستعمارية ولكن بشراسة أكبر.

نَجَمَ عن هذا التحلل والتفكك مشهد مأزوم وفصل دراماتيكي جديد في حياة هذه الشعوب التي عادت لتحمل أسماء انتماءاتها القومية والعرقية من جديد. فالعائلات تشَلَّعت، الاقتصاد انهار وحروب السيطرة على الأراضي والثروات اشتعلت من جديد. أمّا الهوية السوفياتية وبلادها فغرقت في بحر الزمان واختفت إلى الأبد مع كل مُسمَّياتها وأوهامها “وإنجازاتها العظيمة”.

العودة من الوطن الأوكراني

في صيف 1994 أنهيت دراستي الموسيقية في جمهورية أوكرانيا المُستقلّة بعدما بدأتها في الاتحاد السوفياتي. ولكن المفارقة أن إدارة المعهد الموسيقي العالي منحتني شهادة جامعية صادرة عن الاتحاد السوفياتي مكتوبة باللغة الروسية ويتوسطها شعار الدولة السوفياتية، المنجل والمِطرقة!

وقتها لم أعطِ الأمر أي أهمية تُذكر، ولكن الموظف اللبناني في لجنة المعادلات التابعة لوزارة التربية اللبنانية كان لفت نظري إلى الامر بقوله ممازحاً: “أنت تحمل شهادة من بلد لم يعد موجوداً… فمعادلة شهادتك الجامعية قد لا تجوز إطلاقاً… لا تحزن فقد تبرز قيمتها مع الزمن حين تصبح وثيقة أثرية من التاريخ، انتبه لها ولا تُضيّعها”. ضحك هو، أمّا أنا فذُهلت.

قبل موعد سفري اتصلت مُستعلماً عن أستاذي السابق الذي هاجر إلى إسرائيل. ردّت عليّ والدته بأنه بخير وقد أصبح مواطناً كندياً بعدما مكث أقل من سنة في إسرائيل وتركها هارباً الى كندا.

لم أخفِ على الأم الملتاعة شوقاً لابنها الوحيد، والمُمزّقة بفعل هوياتٍ ثلاث ورابعة مُحتملة، ارتياحي بسماع أخبار ابنها “إيغور”، الذي لا شك في أنه اكتشف أيضاً أوهامه عن “الجنة الموعودة” فرماها وراءه وتابع طريقه إلى بلد أفضل.

أنهيت دراستي الموسيقية في جمهورية أوكرانيا المُستقلّة بعدما بدأتها في الاتحاد السوفياتي. ولكن المفارقة أن إدارة المعهد الموسيقي العالي منحتني شهادة جامعية صادرة عن الاتحاد السوفياتي مكتوبة باللغة الروسية ويتوسطها شعار الدولة السوفياتية، المنجل والمِطرقة!

أما انا فحَزَمتُ حقائبي استعداداً للعودة إلى وطن الهويات القاتلة والأوهام الفاتنة. في الحقائب وضعت بعض الثياب والأسطوانات والكتب الموسيقية، مُضيفاً إليها حفنة من الذكريات الجميلة والأخبار عن شعب اختفى عن الوجود واختفت معه أحلامه وأوهامه وانتصاراته وكوابيسه، ومع ذلك فهو ما زال يتنفس داخل تجاويف الذاكرة وينبض من خلال شحنات المعرفة والعلم التي تلقفناها هناك طُلاباً مُوَزعين على عواصم جمهورياته الست عشرة وليس في جمهورية روسيا وحدها.

ساشا، ايغور، لاريسا، فلاديمير، اكسانا، مارينا، اليونا، ستانسلاف، تمارا… وكُثُر غيرهم، أسماء لمُواطنين سوفيات عرفتهم وعرفوني، فأعطوني الكثير من المعرفة والعلم والحب والصداقة. وإذا كانت حركة التاريخ ألغت هويتهم السوفياتية، فديناميكية التذكُّر والذاكرة تفي بالغرض.

يقيني أنّ يوماً ما قد يأتي، بعد مئة عام وأكثر من العُزلة والإختفاء سيكون فيهِ الحديث عن قارة سُمّيَت “إتحاد جمهوريات السوڤيات الاشتراكية”، كالحديث عن قارة “أتلانتس” الغارقة تحت مياه المُحيط.

الموسيقى العربية بين خطابي العَقل والعاطفة…

إقرأ أيضاً