رحلة اللاعودة : سعوديات يتحدين الوصاية بالهرب

ظاهرة النساء اللاتي يحاولن الهرب من السعودية ليست جديدة، وقد استرعت انتباه العالم منذ السبعينات، عندما قُبض على أميرة سعودية حاولت الهرب من المملكة مع حبيبها. وقد حوكما وأُعدما بتهمة الزنا. لكن يبدو أن عدد الفتيات اللاتي يفكرن ويقدمن على مواجهة مخاطر هائلة للهرب من السعودية قد ازداد في السنوات الأخيرة

في بيروت، العاصمة اللبنانية، قالت المراهقة السعودية إنها ظلت تحلم بالفرار، كلما ضربها والدها أو قيّد معصميها وكاحليها لمعاقبتها بسبب ما اعتبره عقوقاً.

وعلى رغم هذا القدر من اليأس الذي دفعها للتفكير في الرحيل، إلا أن سؤالاً ظل يطاردها دائماً ويمنعها من تنفيذ الأمر: كيف ستتمكن من الهرب؟

خشيت أن تعيدها الشرطة السعودية إلى منزلها وأهلها كلما حاولت الهرب منهم إلى أي مكان داخل البلاد. إضافة إلى أن القانون السعودي يمنعها من السفر خارج البلاد من دون إذن والدها.

‏لكن خلال العطلة التي أمضتها أسرتها في تركيا، وجدت شهد المحيميد -البالغة من العمر 17 سنة حينها- الفرصة للهرب، فانتهزتها وهَرَبَت. أثناء خلود أسرتها للنوم، استقلت خلود سيارة أجرة عبر الحدود مع جورجيا وأعلنت نفسها لاجئة، تاركة السعودية خلف ظهرها لتبدأ حياة جديدة.

صرّحت الآنسة شهد، البالغة من العمر 19 سنة، عبر الهاتف من منزلها الجديد في السويد وقالت “الآن أعيش كما يحلو لي وأقطن في مكان جيد يعترف بحقوق المرأة”.

رهف القنون

جذب وضع النساء السعوديات انتباه العالم بعدما أوقفت مراهقة أخرى، تُدعى رهف القنون، في تايلاند أثناء محاولتها الوصول إلى أستراليا بحثاً عن ملجأ هناك. وبعد حملة عالمية شنت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أعلنتها الأمم المتحدة لاجئة ومنحتها كندا حق اللجوء.

إن ظاهرة النساء اللاتي يحاولن الهرب من السعودية ليست جديدة، وقد استرعت انتباه العالم منذ السبعينات، عندما قُبض على أميرة سعودية حاولت الهرب من المملكة مع حبيبها. وقد حوكما وأُعدما بتهمة الزنا.

لكن يبدو أن عدد الفتيات اللاتي يفكرن ويقدمن على مواجهة مخاطر هائلة للهرب من السعودية قد ازداد في السنوات الأخيرة – بحسب ما أوردته الجماعات الحقوقية- وهذا مع تحول النساء، اللاتي أصبن بالإحباط بسبب القيود الاجتماعية والقانونية المفروضة عليهن داخل بلادهن ومنازلهن، إلى وسائل التواصل الاجتماعي للمساعدة في التخطيط -وأحياناً- توثيق جهودهن للهرب.

وقال آدم كوغل، المراقب للشأن السعودي في منظمة هيومان رايتس ووتش إن “كل هؤلاء النساء اللاتي لم يُسمع صوتهن قط منذ 15 عاماً، يمكنهن الآن إيجاد سبل للتواصل والتعبير عن أنفسهن”.

بعض من امتلكن الشجاعة الكافية للرحيل، هربن من دون إحداث ضجة وسافرن إلى الولايات المتحدة أو غيرها من البلدان قبل أن يطلبن اللجوء. سعت كل من الشقيقتان أشواق حمود (30 سنة) وأريج حمود (28 سنة) منذ أن أوقفتهن الشرطة التركية، إلى تغيير آراء المحكمة التي أصدرت أمراً بترحيلهما، وقالتا إن حياتهما ستغدو في خطر إن عادا إلى المملكة العربية السعودية.

أما البعض الآخر، أمثال رهف، فقد رُوج لقصصهن ولعبت الدعاية دوراً محورياً في هروبهن بنجاح. لكن هذا لا يمنع أن الاهتمام العالمي بقصصهن لا يضمن عدم ترحيلهن.

عام 2017، طلبت دينا علي لسلوم، البالغة من العمر 24 سنة، المساعدة عبر فيديو حقق نسب مشاهدة عالية على الإنترنت بعد أن أوقفت في الفيليبين. إذ احتجزتها السلطات الفلبينية في المطار حتى وصل أفراد عائلتها وأخذوها إلى المملكة العربية السعودية، ولا يزال مصيرها مجهولاً.

ليس على النساء اللاتي تمكنّ من الهرب التصدي للجهود التي تقوم بها عائلاتهن لإجبارهن على العودة إلى الوطن فحسب، بل عليهن مناهضة الجهود المكثفة والممولة من قبل الحكومة السعودية للقيام بذلك، وكثيراً ما يشارك ديبلوماسيون محليون في ممارسة سياسة الضغط لترحيلهن.

قد تواجه النساء اللاتي رحلن تهماً جنائية تشمل العقوق والإضرار بسمعة المملكة.

قالت موضي الجهني، التي انتقلت إلى الولايات المتحدة كطالبة ومن ثم طلبت اللجوء: “إن النساء السعوديات ما زلن يعاملن على أنهن جزء لا يتجزأ من ممتلكات الدولة، لا يهم إن كان للمرأة آراء سياسية. سيطاردونها ويرغمونها على العودة إلى الديار”.

‏اختلفت السبل التي اختارتها النساء للفرار، ولكن أظهرت المقابلات التي أجريت مع 5 ممن نجحن في الهرب مواضيع وأسباباً مشتركة. كثيرات منهن شرحن خططهن في غرف الدردشات الخاصة لنساء أخريات قد فررن بالفعل أو ينوين فعل ذلك.

قبل بضعة أشهر من هرب رهف من عائلتها خلال قيامهم برحلة إلى الكويت، هربت إحدى صديقاتها ونجحت في الوصول إلى أستراليا كلاجئة وكانت تقدم لها نصائح تمكنها من الفرار.

‏هربت كثيرات من تركيا -البقعة الشهيرة والمفضّلة للسعوديين لقضاء العطلة- إلى جورجيا، التي يستطيع السعوديون دخولها من دون تأشيرة. كان هدف نساء هاربات الوصول إلى أستراليا، لأنهن يستطعن طلب تأشيرة من الإنترنت، وهو الخيار الوحيد أمام النساء اللاتي لا يستطعن التواصل مع سفارات أجنبية.

ذكرت نساء أنهن هربن بسبب سوء معاملة أقاربهن الذكور ولأنهن شعرن بأن المملكة لم تقدم لهن أي مكان يستطعن اللجوء إليه بحثاً عن الحماية أو العدالة.

في المقابل، أرادت نساء أخريات التحرر من قيود القوانين الاجتماعية الإسلامية الصارمة للمملكة، التي حدت مما يمكن أن ترتديه النساء، وأملت عليهن الوظائف التي يستطعن السعي إليها بل ومع من يمكنهن الاختلاط. وتحدثن جميعهن عن رغبتهن في الهروب من قوانين وصاية الذكور عليهن، التي تفرضها المملكة إذ أعطت الرجال سلطة هائلة على حياة قريبتهن.

ومن السويد قالت الآنسة شهد “إن وصاية الذكور جعلتنا نهرب من السعودية، هذا هو السبب الأكبر لهروب الفتيات”.

ينبغي على جميع النساء في السعودية أن يكون لهن ولي ذكر، يحتجن إذنه للزواج والسفر والخضوع لبعض الإجراءات الطبية. هذا الولي غالباً ما يكون أباً أو زوجاً، ولكن يمكن أن يكون أخاً أو حتى ابناً.

تعهد حاكم المملكة، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بتحسين الأوضاع وتوفير حياة أفضل للنساء السعوديات. فقد استطاع كسر شوكة الشرطة الدينية التي يهابها الجميع والتي تسببت في مضايقة النساء اللاتي ارتدين ملابس غير لائقة، وفي العام الماضي رفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات. تستطيع النساء السعوديات الآن حضور حفلات مختلطة ومتابعة مستقبلهن المهني، الشيء الذي كان يعد محظوراً بالنسبة إلى أمهاتهن.

في العام الماضي، قال الأمير حينما سُئل عن قوانين الوصاية أن على السعودية أن “تتوصل لسبيل لمعالجة الأمر والتعامل معه بشكل لا يضر بالعائلات وبالثقافة”.

‏زادت شعبية الأمير بين النساء السعوديات إثر هذه المبادرات والتحركات، إذ تقول كثيرات منهن إن الوصاية لا تمثل عبئاً عليهن لأن أقاربهن الذكور يعتنون بهن جيداً. يهرب البعض من ‏القوانين بالسعي والبحث عن وظائف في بلدان مجاورة مثل الإمارات، حيث يستطعن الاستفادة من القوانين الاجتماعية المتساهلة هناك.

لكن يقول منتقدو النظام ومعارضوه إنه لا يوفر سبلاً ولا ملاذاً لانصاف  النساء اللواتي يمتلكن واصياً سيئاً.

‏هذا ما دفع نورا، البالغة من العمر 20 عاماً، إلى الهرب إلى أستراليا. إذ قالت إن والدها طلق أمها قبل ميلادها ورباها أعمامها. وقد آذاها والدها وأساء معاملتها في بعض الأحيان، لكن لم تلق جهودها وصرخاتها بحثاً عن المساعدة آذاناً صاغية.

قالت نورا -التي تحدثت شريطة ألّا يُنشر اسم أبيها أو عائلتها حفاظاً على سلامتها- إن صديقها أراد الزواج منها، في العام الماضي، ولكن رفضت عائلتها لأنهم اعتبروه من طبقة اجتماعية أقل. ‏بدأ والدها الترتيب لزواجها من رجل لا تعرفه أراد منعها من العمل. ولكن هربت نورا في تشرين الأول/ أكتوبر، قبل يومٍ واحدٍ مِن وصول عريس المستقبل.

‏يستخدم الرجال السعوديون موقعاً إلكترونياً حكومياً للتحكم والسيطرة على النساء اللاتي يقعن تحت وصايتهم، ومنحهن أو منعهن من حقهن في السفر مثلاً، يمكنهم كذلك إعداد إشعارات تصلهم عبر رسالة نصية عندما تستقل زوجاتهم أو بناتهم طائرة.
‏استخدمت نورا هاتف والدها لتتمكن من الهرب وتعطي نفسها إذناً بالسفر، كما أوقفت جميع الإشعارات التي قد تصله على هاتفه وسافرت إلى تركيا ومن هناك إلى جورجيا ومن ثم ابتاعت تذكرة إلى أستراليا عبر الإمارات، على رغم خشيتها من أن تلقي الحكومة الإماراتية القبض عليها وترحلها إلى السعودية.

‏وأضافت: “لقد كانت بمثابة مهمة انتحارية بالنسبة إلي، ولكن لم يكن لدي خيار آخر”.

لكنها عقدت العزم وسافرت ووصلت بأمان إلى سيدني، حيث طلبت اللجوء.

 

‏يستخدم الرجال السعوديون موقعاً إلكترونياً حكومياً للتحكم والسيطرة على النساء اللاتي يقعن تحت وصايتهم، ومنحهن أو منعهن من حقهن في السفر مثلاً، يمكنهم كذلك إعداد إشعارات تصلهم عبر رسالة نصية عندما تستقل زوجاتهم أو بناتهم طائرة.

 

بمجرد سفرهن إلى الخارج، تواجه النساء وابلاً من الشتائم والإهانات ويتلقين تهديدات بالقتل من أفراد العائلة وسعوديين آخرين يعتقدون أن هؤلاء الفتيات جلبن الخزي والعار للبلاد.

‏وبينما تتفهم جماعات حقوق الإنسان الأسباب وراء رغبة النساء في الهرب من الأوضاع السيئة في بلادهن، إلا أنها تقلق من أن القيام بذلك قد يعرضهن لخطر جسيم.

وقال السيد كوغل، من هيومان رايتس ووتش إن “مقابل القلة التي تنجح في الهرب، هناك كثيرات ممن تبوء محاولتهن بالفشل، وترحيلهن يعرض حياتهن لخطر حقيقي”.

وأوضح أنه من الصعب معرفة عدد النساء اللواتي فررن من المملكة لأن بعضهن يغادرن من دون التماس العون من منظمات الإغاثة، ومن تستطيع منهن فعل ذلك، نفقد سبل التواصل معها قبل أن يتضح إن كانت حاولت بالفعل الرحيل أم لا، وإن فعلت أين وصلت في نهاية المطاف.

ولفت إلى أن كثيرات من النساء من داخل المملكة العربية السعودية قد تواصلن معه بحثاً عن المساعدة التي تمكنهن من الهرب، وأضاف أن منظمته لم تعنهن على ذلك، على رغم أنها قد توفر لهن سبل العون للبحث عن حماية قانونية إذا كنّ خارج السعودية.

فكرت رهف وخططت بالفعل لحياتها الجديدة، وحدثتنا من داخل غرفتها الفندقية في بانكوك، حيث تنتظر تحت الحراسة لتعلم إن كانت هناك دولة أخرى قد تمنحها حق اللجوء، وقالت إنها تريد الالتحاق بالجامعة لتحسن لغتها الإنكليزية ولتدرس الهندسة.

لم تتوقع أن يكون الانتقال إلى بلد لم تزره من قبل هيناً على أية حال لكنها ليست نادمة عموماً.

وقالت “ما من مهرب سوى الفرار، لا يوجد سبيل آخر”.

 

هذا الموضوع مترجم عن nytimes.com ولقراءة التحقيق الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email