fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

ربما لم ترَ أصلاً الأحلام التي لا تتذكرها!

أين تذهب أدمغتنا أثناء النوم؟ لأكثر من قرن، تمحورت النقاشات المتعلقة بالأحلام حول تأويل مضمونها. هل تعكس مخاوفنا القابعة في عقولنا الباطنة؟ هل هي محاولة لمحاكاة المخاطر من أجل تدريبنا على مواجهة تحديات المستقبل؟ أم أنها نابعة ببساطة من عمليات التنظيم التي يجريها العقل، فيما يعيد تنشيط الذكريات ويعالجها من أجل التخزين طويل المدى؟ في كل الحالات، انصب الاهتمام على شطحات الخيال الأكثر انغماساً وسورياليةً، التي تستحوذ على الدماغ النائم.

مع ذلك فإن أحلامنا الأكثر إرباكاً وحيرة قد تكون بلا أيّ مضمون أو محتوى على الإطلاق، فهل سبق أن أفقت من نومك وأنت على يقين من أنك كنت تحلم لتوك، ومع ذلك لم تكن قادراً على استحضار ولو معلومة واحدة من المشهد الذي كان دائراً في عقلك؟ وجدت دراسات نوم متنوعة أنه في 30 في المئة من الأوقات، يستيقظ المشاركون شاعرين بأنهم كانوا يحلمون بشيء ما، لكنهم يعجزون تماماً عن وصف الحلم عندما يطلب الباحثون منهم ذلك. وهذه تجربة مختلفة عن الاستيقاظ مع الإحساس بعدم رؤية أيّ أحلام على الإطلاق، الأمر الذي حدث في نحو 20 في المئة من المرات، أو أن يسرد المشاركون قصص تفصيلية حول أحلامهم وهو ما وُجد في الـ 50 في المئة الباقية.

يشير الباحثون المختصون في دراسة النوم إلى الحالة الأولى من “الإحساس المبهم” بمصطلح “الحلم الأبيض”، الذي ما زالت حقيقته لغزاً علمياً. من المعروف أن الأحلام البيض يمكن أن تحدث خلال أي مرحلة من دورة النوم، ومع ذلك فمن الأرجح أن تحدث خلال الوقت الذي تكون فيه حركة العين غير سريعة، في وقت مبكر من الليل خلال ساعات النوم الأولى. وتُفسر أحياناً ببساطة على أنها من تلك الحالات التي ينسى فيها الشخص ما كان يحلم به. لكن بعض الباحثين الآن يعتقدون أن ثمة أمراً أكثر غرابة يحدث. فبدلاً من أن تعكس الأحلام البيض مجرد قصور في الذاكرة، ربما تمثل الحدود الفاصلة بين مراحل النوم، وتتألف من شكل أساسي من أشكال الوعي التي لا تحتوي على مضمون حسي تفصيلي.

لو كان ذلك صحيحاً، فهو يعني أننا نمضي معظم الليل من دون أن نحلم بشيء. وقد يساعد استكشاف هذه المرحلة الأساسية في فهم أسس جميع التجارب الشعورية الأخرى وقواعدها.

وجدت دراسات نوم متنوعة أنه في 30 في المئة من الأوقات، يستيقظ المشاركون شاعرين بأنهم كانوا يحلمون بشيء ما، لكنهم يعجزون تماماً عن وصف الحلم عندما يطلب الباحثون منهم ذلك.

تعود الفكرة القائلة بأن الأحلام البيض ناجمة عن نوعٍ من القصور في الذاكرة إلى زمن سيغموند فرويد على الأقل، أيّ في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. في كتابه “تفسير الأحلام”، رأى أبو التحليل النفسي أن الأحلام تعبر عن مخاوفنا ورغبتنا الموجودة في العقل الباطن، ويحدث ذلك عندما تكون “الغرائز القمعية” للدماغ في حال استرخاء. ومع ذلك عند الاستيقاظ، يمكن أن تدخل تلك “الرقابة النفسية” حيز النفاذ مرة أخرى من خلال حجب أيّ تخيلات، ربما تكون صادمة للغاية بحيث لا يستطيع العقل الواعي التعامل معها. ويقول فرويد إن الأحلام الخالية من المضمون -المعروفة الآن بالأحلام البيض- تحدث نتيجة هذا الكبت اللاإرادي، لكنه يعتقد أنه تمكن إعادة تذكرها من خلال التحليل.

ربما لم تعد نظرية فرويد حول “الرقابة النفسية” رائجة، لكن علماء الأعصاب المعاصرين افترضوا أن الأحلام البيض هي عبارة عن تجارب محاكاة عقلية ثرية والتي بالفعل قد نُسيت بمنتهى البساطة، ربما لأن النشاط العصبي خلال الليل أو النوم لم يكن كافياً لتشفير التجربة وترميزها، من أجل استحضارها في وقت لاحق.

في دراسة أجريت عام 2017، دعت فرانشيسكا سيكلاري، الطبيبة في مستشفى لُوزان الجامعي بسويسرا والمحاضرة بجامعة ويسكونسن في مدينة ماديسون، 32 مشاركاً إلى تمضية ليلة في المختبر، بينما يسجل جهاز “رسم المخ” أنشطتهم الدماغية أثناء نومهم. أيقظ الفريق المشاركين وطلب منهم تسجيل ما إذا كانوا رأوا أحلاماً في اللحظات السابقة أم لا؟ وإن حدث ذلك بالفعل، فما الذي كانوا يحلمون به؟ عندما قال المشاركون إنهم رأوا أحلاماً بيضاً، وجدت سيكلاري وزملاؤها أن مقدمة الدماغ ومركزه –هما الجزءان المسؤولان عادة عن تشفير الذكريات- كانا لا يمتلكان النشاط المميز عالي التردد والذي وُجد في حالة الأحلام المُتذكرة.

بعبارة أخرى، لا يبدو أن الدماغ كان يُشغل الآلية المسؤولة عن خلق الذكريات من الأساس. لماذا إذاً قد يُطور العقل البشري مثل هذه التجارب الليلية الواضحة أثناء النوم إذا كان الشخص سينسى معظمها؟ يقول تور نيلسن، الأستاذ بجامعة مونتريال والذي لم يشارك في الدراسة، “ربما النسيان هو جزء طبيعي من وظيفة الأحلام”. يُحتمل أن الأحلام تؤدي دوراً مهماً، لكن مضمونها يُنسى بعد ذلك لتجنب التشويش على ذكرياتنا بأحداث وهمية خيالية.

لكن لا يبدو أن القصة كلها تتلخص في مشكلات الذاكرة وحدها. فبدلاً من ذلك، يرى بيتر فازيكاس وزملاؤه من جامعة أنتويرب في ورقة بحثية جديدة لمجلة Sleep Medicine Reviews، أنه يمكن فهم الأحلام البيض بصورة أفضل باعتبارها شكلاً متضائلاً من الوعي. ووفقاً لهذه الفرضية، تشبه الأحلام البيض مشاهدة قناة تلفزيونية سيئة البث مع كتم الصوت: فما يحدث هو أن النائم يحلم بالفعل؛ لكن الإشارة أضعف من أن تترجم أي تفاصيل محددة بخلاف الانطباعات المبهمة.

يركز بحث فازيكاس السابق على تفاوت درجات الوعي اليقظ، مثل درجة الوضوح لذكرى ناتجة عن تجربة حسية. على سبيل المثال، في ما يعرف بـ”تجارب التشفير” (التقنِيع)-masking experiments، يقوم الباحثون بعرض صورة ما، تسمى في التجربة “الهدف”، أمام أعين المشاركين ويتم إخفاؤها بسرعة، تتبعها صورة أخرى وهي “القناع”. في بعض الأحيان يستطيع المشاركون أن يكوّنوا انطباعاً واضحاً عن الهدف -لنقل قطة مثلاً- بينما في أحيان أخرى تُعرض الصورة بسرعة خاطفة تحول دون تكوين تصوّر واع؛ عندها لا يرون سوى صورة “القناع” فحسب.

يُحتمل أن الأحلام تؤدي دوراً مهماً، لكن مضمونها يُنسى بعد ذلك لتجنب التشويش على ذكرياتنا بأحداث وهمية خيالية.

إلا أنه، ومن بين هذه التناقضات، قال مشاركون إن لديهم إحساساً مبهماً برؤية شيء ما، لكن لا يستطيعون إعطاء التفاصيل حوله. هذا الإحساس بالوضوح (الرؤية أو الذكرى) -أو نقص الوضوح- عادة ما يرتبط بنشاط في المناطق الخلفية من مؤخرة الدماغ، وكلما زادت حدة النشاط عالي التردد في هذه المنطقة، كانت التجربة ثرية ومليئة بالتفاصيل، بينما يكون النشاط الهادئ مترافقاً مع الانطباعات المبهمة الأضعف.

ربما تتشابه الأحلام البيض -كما افترض فازيكاس- مع هذه الأشكال الضئيلة من الإدراك الشعوري. وأعاد فازيكاس النظر في بيانات سيكلاري للتحقق من صحة هذا الافتراض، وذلك بالتعاون مع جورجينا نيميث من جامعة إيتفوس لوراند بالمجر، ومورتن أوفرغارد من جامعة آرهوس بالدنمارك، ولاحظوا أن التحليلات الإحصائية لدراسة سيكلاري حجبت من غير قصد بعض الاختلافات -التي يحتمل أن تكون مهمة- بين نشاط الجزء الخلفي من الدماغ في حالة الأحلام البيض وحالة الأحلام المُتذكرة، والحالة الأخيرة المتمثلة في الشعور بعدم رؤية أيّ أحلام على الإطلاق. وكما هو متوقع، أشارت إعادة تحليل البيانات الأولية إلى أن الأحلام البيض، تظهر بالفعل انخفاضاً ملحوظاً في نشاط ذاك الجزء الخلفي من الدماغ، مقارنة بالأحلام المُتذكرة، ولكن لا يزال النشاط المصاحب لها أكبر من ذاك الذي يحدث في حالة عدم رؤية أحلام على الإطلاق.

يعتقد فازيكاس أن الانخفاض في أنشطة الأجزاء الأمامية والمركزية من الدماغ الذي لاحظته سيكلاري، ربما يكون نابعاً بصورة طبيعية من هذا الاختلاف، بما أن هذه المناطق سوف تمتلك القليل من المعلومات لِتشفيرها وتحويلها إلى ذكريات. يقول فازيكاس، “لتشغيل هذه الأجزاء من الدماغ، إن جاز التعبير، فأنت بحاجة إلى تجربة مكثفة، وهذا لا يحدث في حالة الأحلام البيض”.

تقر سيكلاري بأن تحليل فازيكاس يقدم تفسيراً ملائماً لبياناتها، وإن كانت ترى أن القدرة على الاستذكار المحدودة لا تزال السمة المميزة الرئيسية للأحلام البيض. إذ تقول إن بعض المشاركين كانوا قادرين على استخلاص تفاصيل لهذه التجارب، التي تبدو ظاهرياً بلا مضمون أو محتوى، عندما حثهم العلماء على البحث بعمقٍ في ذكرياتهم، وهو ما يوضح أنه على الأقل في بعض الحالات، يكون ذلك مجرد إخفاق في التذكر.

لاقت ورقة فازيكاس البحثية الجديدة ترحيباً حاراً من باحثين آخرين. إذ تقول جينيفر وينت من جامعة موناش في ملبورن-أستراليا، “سعدتُ للغاية لحصول الأحلام البيض، وهو موضوع غالباً ما تم تجاهله، على هذا الاهتمام”.

أحد الاحتمالات الكبيرة -والذي يؤيده كل من سيكلاري وفازيكاس- هو أن الأحلام البيض ربما تحتوي في الواقع على مجموعة كاملة من التجارب، والتي قد تضيع الفروق الدقيقة فيها، بينما يحسب العلماء متوسط نتائج المشاركين. يجوز أن تكون بعض الأحلام البيض واضحة للغاية، وذات رؤية سينمائية لكنها ببساطة تُنسى، بحسب سيكلاري، في حين أن بعضها الآخر هو من نوع التجارب المبهمة الشبيهة بخلاصة قصة ما، كما يفترض فازيكاس. في المقابل، قد تكون بعض الأحلام خالية تماماً من أي مضمون، وتشتمل فقط على، “تجربة مرور الوقت فحسب، لفترة غير محددة”، كما تقول وينت.

تضيف وينت، إن دراسة هذه الحالات المحددة قد يمنحنا فكرة عن، “أبسط أشكال التجارب الذاتية الوجودية”، وهو شيء، “يقع على الحد الفاصل بين مرحلة النوم العميق (اللاّ واعي) وتجارب أخرى مملوءة بالأحلام وأكثر تعقيداً”. وأوضحت أن بعض المتأملين المتمرسين أفادوا بانتظام دخولهم في حالة من، “الوعي النقي اللا إدراكي” أثناء النوم، والتي يدركون خلالها أنهم نائمون، لكنهم لا يملكون أيّ صور أو أفكار محددة عنها. تأمل وينت بأن تساعد الأبحاث الإضافية في التحقق من دقة هذه التوصيفات ومقارنة النشاط العصبي الخاص بها، بنشاط الأحلام البيض للمشاركين الآخرين، وذلك لمعرفة ما إذا كان هناك أي تداخل بينها وبين هذه الحالة الغامضة.

إقرأ أيضاً: ما العلاقة بين النوم والوجبات الليلية الخفيفة؟

قد يبدو مصطلح “الوعي النقي” وكأنه أحد المصطلحات الطنانة لحركة “العصر الجديد” الروحانية، لكن يتجه الفلاسفة وعلماء الأعصاب إلى النظر إليه باعتباره أحد المفاهيم المهمة. يمكنك التفكير في الوعي على أنه بيضة فابرجيه (مجوهرات كارل فابرجيه): بمجرد أن تنزع الطبقات الخارجية، يبقى لديك أكثر حالات الوجود الشعوري جوهريةً – وهو ما يمثل قلب عالمنا العقلي الباطني وجوهره. لطالما كان العثور على طريقة لكشف الغطاء عن نشاطنا العقلي بهذه الكيفية أمراً في غاية الصعوبة، لكن هذا البحث الأخير يرى أن الأحلام البيض يمكن أن تقدم لنا مدخلاً مهماً لاستكشاف تلك الحالة ومساعدتنا على فهم نقطة البدء لكل المشاعر والأفكار.

قد تبدو الأحلام البيض بلا معنى، لكن بالنسبة إلى العلماء الذين يستكشفون الأسرار الغامضة للنوم والوعي، فإنها دائرة احتمالات كثيرة.

هذا المقال مترجم عن theatlantic.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي

العطلة الأسبوعية لا تكفي للتعافي من قلة النوم..

 

إقرأ أيضاً