fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

ربع عقد على الإبادة الجماعية في رواندا: اعتذار فرنسي مؤجل

بعد مرور 25 سنة على الإبادة الجماعية التي لحقت بقبائل التوتسي في رواندا، آخر المذابح الكبرى التي طبعت القرن العشرين، قرّرت فرنسا أن تفتح صفحةً جديدة في تعاطيها مع الملف الاستعماري منذ وصول ايمانويل ماكرون إلى الإليزيه في أيار/ مايو 2017، عبر تخليدها ذكرى تلك الإبادة في نيسان/ أبريل من كل عام. يأتي ذلك استكمالاً لرغبة الديبلوماسية الفرنسية في طيّ صفحة الماضي الاستعماري الثقيل الذي بقي يلازم فرنسا حتى اللحظة في ظلّ مطالبة مستمرّة من منظمات حقوقية وإنسانية، بتقديم اعتذار علني عن الارتكابات المشينة بحق الشعوب المستَعمَرة.

يستعيد هذا النص المسار السياسي والعسكري الذي رافق الإبادة الرواندية ويحاول التركيز على الدور الذي لعبته فرنسا في تسعير النزاع ودعم نظام الهوتو بالمال والعتاد في تلك الفترة، وصولاً إلى تدخلها العسكري في حزيران/ يونيو 1994، وتقاعسها في إجلاء لاجئي التوتسي في تلال بيسيسيرو، الأمر الذي طرح تساؤلات عدة عن “المهمة الإنسانية” (opération turquoise) التي أطلقتها فرنسا لإنهاء الإبادة.

قبل الإبادة…

في أيار 1994، استفاق الفرنسيون على وقع صور عشرات آلاف الضحايا في شوارع كيغالي وسائر المدن الرواندية. على قناة فرانس 3، تحدّث برنار كوشنير العائد من مهمة إنسانية (في منظمة أطباء بلا حدود) عن “إبادة إثنية ارتكبها النظام الرواندي القائم على سلطة قبائل واثنيات الهوتو بحق أقليات التوتسي”. استمرّت المذبحة 100 يوم وقضى فيها 800 ألف من التوتسي بحسب الأمم المتحدة.

تقارير سريعة بدأت تخرج إلى العلن لتتحدث عن دور فرنسي “سلبي” ومسؤولية مباشرة عن استمرار المذبحة وإطالة أمدها. كان كلام جان هيرفيه برادول، الناطق باسم منظمة “أطباء بلا حدود” الأكثر تعبيراً عن المأساة التي شاركت فيها فرنسا، وأصبحت صرخته على التلفزيون مرجعية لعشرات المنظمات الحقوقية التي بدأت تطالب بالكشف عن أرشيف تلك الحقبة، لا سيّما المراسلات السرّية بين باريس فرانسوا ميتيران, وكيغالي جوڤينال هابياريمانا، الرئيس الرواندي الذي فجّر اغتياله الحرب الأهلية ونجمت عنه إبادة جماعية للتوتسي.

لم يكن النزاع الأهلي الرواندي وليد اللحظة أو رد فعل عفوي من الهوتو على اغتيال هابياريمانا، فجذور الصراع بين إثنيات البحيرات العظمى الأفريقية تعود إلى فترة الاستعمار البلجيكي لرواندا بين عامي 1918 و1962، تاريخ استقلال البلاد. أسّس البلجيك خلال وجودهم في رواندا لحقد دفين بين الإثنيتين وغذّوه بالاستقواء بنفوذ التوتسي (15 في المئة من الشعب الرواندي)، حيث اصطلح اعتبارهم “برجوازية” الشعب أو طبقته الميسورة التي تمتلك مزارع تربية الدواجن ومصانع الحرف اليدوية في حين كان ينظر إلى اثنية الهوتو (80 في المئة من الشعب) على أنّها الطبقة العاملة التي تجمع المزارعين والعمّال الحرفيين.

بعد الاستقلال عام 1962، استولى الهوتو على مقاليد الحكم وارتكبوا مجزرة في الأيام الأولى التي تلت الاستقلال، إذ قتلوا 10 آلاف شخص من التوتسي وهجّروا حوالى 300 ألف، ما لبسوا أن انتظموا في صفوف “الجبهة الوطنية الرواندية” وبدأوا معارك دورية ضد الحكم القائم. استمرّ الوضع على ما هو عليه حتى تشرين الأول/ أكتوبر 1990، حين قامت مجموعة ثورية من لاجئي التوتسي بالدخول عبر الشمال إلى رواندا، لتعلن بدء الحرب التي “ستستعيد فيها رواندا”. سارع النظام إلى طلب مساعدة فرنسا التي لم تتوانَ عن تدريب الجيش الرواندي وتحضيره لما سمّته باريس آنذاك على لسان ميتيران “الحفاظ على استقرار البلاد”. وعلى رغم التحذيرات التي خرجت على لسان حقوقيين وصحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، استمرّت فرنسا في دعمها العسكري للجيش الرواندي، وعملت على خط آخر للخروج بتسوية سياسية أبصرت النور في مدينة أروشا (شمالي تنزانيا) عرفت باتفاقية أروشا التي تنصّ على عودة مهجّري التوتسي ومشاركة سياسية للأطراف المتحاربة في الحكم.

لكنّ اتفاقية أروشا لم تدم إلا بضعة أشهر، إذ سقطت مفاعيلها بسقوط طائرة الرئيس جوفينال هابياريمانا (الهوتو)، بعد تعرّضها لصاروخين أطلقتهما جهة مجهولة في 6 نيسان/ أبريل 1994. تحوّل هذا اليوم إلى اللحظة التي بدأت فيها مجازر الهوتو بحق أقليات التوتسي التي شارك فيها الجيش النظامي وميليشيات تابعة للهوتو ومجموعات أهلية أخذت على عاتقها الانتقام لعشرات السنوات من الصمت القاتل.

حتى اليوم، ما زال مصدر الصاروخين اللذين أسقطا طائرة الرئيس الرواندي مجهولاً، حاله من حال الصندوق الأسود الذي تشير بعض المعطيات إلى مصادرته في الربع ساعة الأولى التي تلت عملية سقوط الطائرة. لكنّ جزءاً من التحقيقات التي سرّبت عام 2014، أظهرت أنّ قاعدة عسكرية يسيطر عليها الجيش النظامي (قاعدة كانومبي) هي المسؤولة عن إطلاق الصواريخ. وأشارت تلك التحقيقات إلى وجود ضباط فرنسيين برفقة السفير الفرنسي في مكان سقوط الطائرة في الدقائق الأولى لاغتيال هابياريمانا، ما يعزّز نظرية بعض المحققين عن مصادرة فرنسا الصندوق الذي يحتوي على معلومات تتعلّق بسقوط الطائرة. ولم تفلح اللجنة البرلمانية الفرنسية التي عملت على موضوع التحقيقات الدولية بتلك الحادثة عام 1998 في توضيح ملابسات عملية الاغتيال والمعلومات التي حصّلتها فرنسا آنذاك.

بموازاة التكتّم الكبير الذي أحاط باغتيال الرئيس الرواندي، تمّ تشكيل حكومة انتقالية برئاسة الكولونيل باغوسورا – كانت المسؤولة سياسياً عن الإبادة – تحفّظت عليها بلجيكا فيما سارعت فرنسا إلى الاعتراف بشرعيتها واستقبلت وزير خارجيتها أواخر نيسان 1994، فيما كانت رائحة الدم والضحايا تنبعث من شوارع كيغالي.

فيليسيان كابوغا مموّل الإبادة

لا يخفى على أحد اليوم الدور الذي لعبته فرنسا في تدريب الجيش الرواندي منذ نهاية 1990، وتحضيره لأي محاولة انقلابية وما كان يقال في غرف مغلقة عن قنوات مالية ضخمة تربط باريس بكيغالي، أصبح يقال في العلن. كلام له اسم ووجه واحد: فيليسيان كابوغا.

ارتبط اسم كابوغا بمزارع الشاي التي جعلت منه مليونيراً في السبعينات، وسرعان ما أصبح الرجل الأول في الحلقة المالية المحيطة بـ”سلطة الهوتو” Hutu Power، التي ضمّت جميع التشكيلات النظامية والسياسية كحزب “أكازو” والميليشيات (ميليشيات امبوزامو غامبي والأنتراهاموي)، تلك الإيديولوجية المتطرفة التي وصفها المؤرخ الفرنسي المختص بدراسة الحركات الاجتماعية في البحيرات العظمى، جان بيار كريتيان بأبرز مظاهر “الفاشية الاستوائية” fascisme tropicale.

تمكّن كابوغا من الوصول إلى نسج شبكة سياسية – مالية ذات جذر عائلي ترتبط بدرجة القرابة التي تجمعه بهابياريمانا، إذ تزوّجت اثنتان من بناته كلّ من ليون وجان بيار ابنَي الرئيس، واستلم صهره فابيان سنغايي منصب السكرتير العام للسفارة الرواندية في سويسرا مطلع التسعينات وأشرف على مراقبة المعارضين التوتسي في الخارج الذين كانوا يتحضّرون، عقب توقيع اتفاقية أروشا. وتزوجت ابنته الثالثة ويني من الأمين العام للميليشيات الموالية لنظام الحكم، الأمر الذي جعل من الرجل الصورة الأقوى لـ”سلطة الهوتو” في البلاد.

أسّس كابوغا لمواجهة خفية مع المجتمع الدولي وسياسات البنك الدولي من دون أن يكون في قلب الصورة، وقامت خطته التي صاغها في “البيت الصغير” الذي يجتمع فيه كبار رجال السلطة في كيغالي على تحويل شروط البنك الدولي إلى تمويل عسكري، باسم المساعدات الاجتماعية وتمويل مشاريع تعنى بالبنى التحتية والسياسة الداخلية من نقل عام ومواصلات وقطاع صحي وتعليمي. كانت حكومة كيغالي تطلب عبر وزارة الصحة تمويلاً لـ100 سيارة إسعاف وتستخدم المال في تدريب الميليشيات وتحضيرها، الأمر نفسه كان يحصل في وزارة التعليم التي ترفع طلبها للحصول على ملايين كانت تنفق كلها على شراء السلاح من دول عدة. (أكثر من 25 طناً من المناجل الماشيتية تم شراؤها من الصين وكانت تلك السواطير تستخدم في الأحياء والشوارع إبان الإبادة).

تيونيست باغوسورا: عقل الإبادة ورجل فرنسا في المرحلة الانتقالية

خلف قضبان سجن كوليكورو في مالي، حيث يمضي محكومية 35 سنة مؤبدة، قرّر تيونيست باغوسورا التوقّف عن الكلام نهائياً. الرجل الذي أعلن ذات يوم عن تشكيل حكومة انتقالية من قلب السفارة الفرنسية في كيغالي، أخذت على عاتقها ترجمة المواجهة السياسية مع التوتسي إلى إحدى أكبر جرائم القرن الماضي، مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية في قضايا عدة، لكنّ قضية صفقة الأسلحة التي عقدها مع جمهورية السيشيل خلال الحرب ستبقى الأكثر تعريفاً عن مدى ارتباطه بقنوات المال الفرنسي. وراء تلك الصفقة يبرز اسم مصرف BNP Paribas، الذي سمح بإتمام حوالات مالية لحساب حكومة كيغالي الانتقالية، تحت ذريعة برامج حكومية في وقت حرج من ربيع عام 1994، الذي شهد أوج المجزرة وخرجت حينها التحذيرات الحقوقية إلى العلن داعية إلى تجنّب التعامل مع حكومة الإبادة.

في مسار مأسسة الإبادة، عمل باغوسورا وزير دفاع، عشية الاغتيال، على جمع كبار قادة الجيش المتطرفين وأسّس لجنة توّلت مهمة تحصيل دعم عسكري للقضاء على التوتسي. 5 دول ساهمت بشكل كبير في دعم باغوسورا، هي فرنسا، روسيا، جنوب أفريقيا، مصر، إسرائيل. ولم تتخلّف فرنسا عن تزويده بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من رادارات وصواريخ ذات تقنيات متطورة وطوافات عسكرية. وكانت تلك العمليات تتم عبر حساب الـCrédit lyonnais، وبلغت قيمتها نحو 60 مليون يورو في غضون مئة يوم من الإبادة.

شكّل باغوسورا علامة فارقة في تلك الحرب وأصبح وجهاً رئيسياً من بين عشرات الوجوه المسؤولة عن تلك الإبادة، وعندما سقطت كيغالي عشية 4 تموز/ يوليو بيد ثوار الجبهة الوطنية الرواندية (التوتسي)، وبدأ قادة النظام الحاكم بالفرار إلى زائير (جمهورية الكونغو الديموقراطية اليوم) فضّل باغوسورا أن يعود إلى عائلته التي كانت تنتظره في سويسرا.

ألقي القبض على باغوسورا في إطار التحقيقات التي أطلقتها المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا وتمّت إدانته بارتكاب جرائم حرب وإبادة إنسانية وحكم عليه بالسجن 35 عاماً.

رواندا مأساة فرنسية

مرّت 25 سنة على الإبادة الرواندية، ومع كل يوم تزداد المطالبة بجلاء الحقيقة كاملة والكشف عن المتورّطين في حمام الدم الذي حصد قرابة المليون شخص في غضون ثلاثة أشهر.

وإزاء المطالبة المستمرة في الكشف عن المستندات التي تحتفظ بها فرنسا في الأرشيف الخاص بتلك الحقبة، واستكمالاً لخطوة الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند عام 2015، في دعوته إلى طرح عشرات الوثائق السرية أمام اللجان الحقوقية والمحكمة الجنائية الدولية، يسعى إيمانويل ماكرون عبر طرحه فكرة “لجنة معنية بجلاء الحقيقة في رواند” إلى طي تلك الصفحة نهائياً.

وعلى رغم استبعاد المؤرخة هيلين دوما، أبرز من كتب وعمل في مجال البحث في رواندا، من اللجنة التي انبثقت عن طرح ماكرون، فإنّ عشرات الشهادات بدأت تخرج إلى العلن بعد سنوات طويلة من الصمت، لعلّ أبرزها شهادة الضابط غيّوم لانسيل الذي شارك في العملية العسكرية الفرنسية في رواندا بين حزيران وآب/ أغسطس 1994.

“رواندا، نهاية الصمت”، كتاب لانسيل الذي صدر العام الماضي وبيعت منه عشرات آلاف النسخ بعد شهر من طباعته، يتّهم فرنسا بشكل مباشر بالعمل على دعم مرتكبي الإبادة عبر مدّهم بالسلاح والعتاد، ويروي كيف تحوّل مطار غوما في زائير إلى حلقة وصل بين باريس وكيغالي ويشير إلى أنّ تلك العمليات كانت تحت أمرة قائد الأركان الفرنسي الأميرال جاك لانكساد.

لم تكن إبادة التوتسي رد فعل على فعل أوّل، ولم تكن حتماً معركة في سياق مواجهة سياسية بين إثنيات متخاصمة، كانت فعلة مؤسسة، وحصدت حياة 10 آلاف شخص بشكل يوميّ على مدى 100 يوم. كانت إبادة تفوق بالأرقام والحصيلة 15 مرة تلك المذبحة التي تعرّض لها مواطنون فرنسيون في أورادور سورغلان على يد القوات النازية. إنصاف الضحايا يبدأ بالاعتذار وبتسمية المساهمين في تلك الجريمة ومحاكمتهم، لأنّ طيّ تلك الصفحة من دون محاكمة المسؤولين، يعني إنكاراً للديموقراطية والحقيقة والحق في الحياة.

أبرز لوائح الانتخابات الفرنسية : ماذا ينتظر البلاد؟

إقرأ أيضاً