fbpx

هنا القصة الثالثة

مروان كيالي- صحافي سوري

مروان كيالي- صحافي سوري

مقالات الكاتب

ذكرى من دمشق: عندما رأيتُ رأس “داعش” في منزل خالد بيك العظم

مثل أي شاب وضع مستقبله رهن الانتفاضة في سوريا، لم يكن سهلاً عليّ أن أتقبل انهزامات جديدة لها، ولم أعلم إلى من ألجأ ولمن أشكو همّي حتى هذه اللحظة.

لم أكن يوماً مهزوماً كما في هذا اليوم، إذ أطلق النظام علينا اسماً جديداً، شمل كل من يعارضه، فبعدما كنّا بنظره “مندسّين” و”عراعير”، أصبحنا اليوم “دواعش”. لن يشعر أحد بثقل هذه الكلمات ما لم يستسلم لجولة في حواري سوريا المخيفة، ويفكر حقاً بما تحويه من ألم، فيرى كم أصبحت الوجوه يتربّص بعضها ببعض، عند أي لقاء، حيث تسمع الناس يسألون بشكل عادي “هل أنت داعشي أم لا؟”.

تجوّلت وسط دمشق في ساحة الحريقة والأسواق المحيطة بها من دون أن آبه بتفاصيلها المكررة والتي أضحت مملة بالنسبة إلي؛ يصرخ أحد البائعين شاتماً عامله الصغير “ولا داعشي تعال لهون وجيب معك العرباية”، إذ تزدهر في مثل هذه الأسواق مهنة حمل المواد التموينية ونقلها وغيرها من أعمال “العتالة”.

لم أضحك ممّا صدر عن البائع بل أنصتُّ بكل جوارحي لضحكات المارّة من الطفل العامل “الشّغيل”، من دون أن أعلم حينها إلى أين ستأخذني جولتي التي تحولت تيهاً في مكان غريب، فرحتُ أستذكر ما حصل في سوق مدحت باشا والبذورية المحيطة بالساحة أيام إضراب الكرامة أواخر عام 2011، ولكن قلت في نفسي “حصل الأضرب وكفى ولا أريد استحضار الألم مجدداً.”

بدا المنزل كمكان هجره الناس منذ سنوات وهو كذلك حقاً

عندها قرّرت الذهاب إلى ما يسمّى متحف دمشق التاريخي، الذي يقع في حي ساروجا “صاروجا” في منطقة العقيبة وهو يشغل القسم الشمالي من البيت الدمشقي (الشامي) الذي كانت تعود ملكيته لعائلة خالد العظم (رئيس وزراء سوريا عام 1954)، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن التاسع عشر.

إذاً قررت أن أزور منزل ما يسميه البعض البرجوازي الوطني خالد العظم، ويضيفون له لقب “البيك”.

انعطفت يميناً بعد نهاية سوق مدحت باشا واجتزت سوق الحميدية وتمثال صلاح الدين الأيوبي “المدهون حديثاً”، كما اجتزت الحاجز الذي يؤدي إلى قلعة دمشق من جهة الكلاسة. كان الحرّ شديداً، لكن الشغف لأرتاح تحت أشجار الليمون أو البرتقال في منزل خالد (بيك)، كان بلغ ذروته.

لم تكن تلك المرة الأولى التي أزور فيها المنزل، فقد زرته مرات عدة لدى محاولتي القراءة في كتاب مذكرات خالد العظم. أقتبس منها ما جال في خاطري: “أما مذكّرتي الثانية في مخيلتي فهي أصوات المدافع التي أطلقت في دمشق يوم الانقلاب التركي عام 1908، وقيل لي “أعلنت الحرية”، وطبعاً لم أكن مدركاً ما هي الحرية ولا أهلي كانوا مهتمين بإفهامي كُنهها. وقد تعرفت في ما بعد ولمست كم من المظالم ترتكتب في سبيلها”… انتهى الاقتباس.

وفي معرض  تجوّلي حاولت أن أتذكر القليل عن تفاصيل المعمارية للمنزل الذي وتبلغ مساحته 3136 م2، ويتألف من قسمين: الأول يشغله متحف دمشق التاريخي، والثاني يشغله قسم الوثائق التاريخية، وتم استملاك البيت عام 1969 وافتتح عام 1980 من دون معرفة ما حل به خلال هذه الفترة، ويتألف المنزل من فسحة سماوية بمساحة 570 م2، تتضمن بحرتي ماء، وإيواناً مفتوحاً لجهة الشمال، ويتضمن ست قاعات موزّعة حول الفسحة السماوية، إضافة إلى المطبخ والحمام ويقع الباب الرئيسي في الجهة الشمالية، وتبلغ مساحة الكتلة المبنية 465 م2 في الطابق الأرضي، وهي عبارة عن قاعات معدة للعرض. أما القسم العلوي فموجود في الزاوية الجنوبية الشرقية ومخصص لإدارة المتحف. هذه مواصفات المنزل المفترض أن أزوره بحسب ما كُتب عنه.

وفيما كنت سائراً، كانت أصوات السيارات طاغيةً ولأول مرة على أصوات الانفجارات في الغوطة الدمشقية، أما صوت سلاسل إحدى الدراجات الهوائية فلاقى طريقه إلى أذني ليطغى بدوره على كل صوت، ثم رأيت رجلاً يعمل على نقل أحد براميل الصباغة، وقد لمحته لبرهة وفجأة لم أجد البرميل الذي على عربته وأعقب ذلك صوت أحد الانفجارات البعيدة. توقفت قليلاً لأفكر كيف اختفى البرميل وإن كان هو ذاته الذي سمعت دويّه في الغوطة. دققّت كثيراً في الطريق ومن حولي أيضاً، فوجدته موضوعاً على الأرض، وكان العامل يستريح قليلاً من شدة الحر، عندها استيقظت من وهمي وتابعت السير إلى وجهتي.

وصلت إلى منزل خالد العظم الذي بدا وكأنه قصرٌ مهجور خرج من أحد كتب الأساطير. فجأة ظهر شخص من وراء الزجاج، وقطع لي إيصالاً بـخمسين ليرة سورية مقابل تجولي في المنزل ولكنه وضع شرطاً أن التصوير ممنوع وهذا أهم ما تلفّظ به، ولكنني أجبته: ماذا سأقول لكاميرتي التي أحملها معي، هل أقطع لها إيصالاً آخر؟ عندها ضحكنا ساخرين وأدخلت الكاميرا معي إلى المنزل.

بدا المنزل كمكان هجره الناس منذ سنوات وهو كذلك حقاً. في البداية تستقبلك لافتة كتبت عليها عبارات تصف هذا الموقع، وتستفزّك أهم واحدة منها “تم استملاك هذا البيت عام 1969”.

بدأت جولتي انطلاقاً من الفسحة السماوية حيث المعرّشات وأشجار البرتقال والليمون. كان الإهمال واضحاً في كل مكان عدا أن الأشجار مرويّة بشكل جيد. وقفت لأسأل الموظف (أبو لؤي) عن حال منزل خالد العظم، فضحك وأجاب بلا تردد أن هذه حاله منذ زمن، ساخراً من كوني لم أزر المكان من قبل، وكأنني من فئة جاهلة. كانت فرحته كبيرة إذ شعر بتفوقه الثقافي عليّ، وبدأ يشرّع الأبواب وبدأت أصور المنزل من الداخل، على رغم اعتراضاته المتكررة، لكنني واظبت على إبقاء شعوره بالتفوق طاغياً كلما ادّعيت جهلي في كثير من الأمور لأحصل على وقت أكثر للتصوير، وبالفعل توجد بعض الوقائع التي أجهلها حقاً.

وحدثَ أن شاهدت بحرة ماء صغيرة في إحدى الحُجرات، وكانت غريبة الشكل وجميلة،  فسألني (أبو لؤي) عنها كنوع من اختبار جديد لثقافتي حول المنزل، وطلب مني تخمين استخداماتها وطبعاً أجبته بعدم معرفتي عنها أي شيء، وهنا ازدادت فرحته وبدأ الحديث عن مهمتها في اللعب والتسلية عبر وضع زهرتين فيها وفي الغالب من الياسمين لتتسابق ضمن الدهاليز وأطلق عليها تسمية (بحرة التسالي). وعلى رغم كرهي ما يقال عن الياسمين في دمشق، فقد كانت معلومة مسليّة بالفعل، واحتفظت بها في كاميرتي ورحت أجوب الغرف الأخرى.

علامات السرقة موجودة في كل مكان، من جدران الخط العربي المنزوعة عنوةً إلى سبل المياه والبحرات ذات الصنابير النحاسية الضائعة، وحتى الصور الخاصة بالمتحف موضوعة من دون أي اعتبار في أحد أزقة المنزل المنسية.

وبعد قبولي البحث عن بعض السعادة في هذا المنزل التاريخي الجميل حقاً، بدا وكأن شيئاً مظلماً أثقل كاهلي لذلك رحت أتجول باحثاً عما أتعبني وفجأة رأيت تمثالاً أسود اللون وشديد القبح في واجهة أحد ديوانات المنزل، وعندها أدركت أنه من جعل جولتي مجرد لحظة.

توقفت أمام الديوان لألتقط صورة لهذا المسخ وأرحل معلناً نهاية الزيارة. كان تمثال رأس حافظ الأسد، يتموضع في ديوان المنزل الرئيسي غير آبهٍ كالعادة بما حل في سوريا طوال السنوات الماضية.

كانت كلمة “الله” مكتوبة أيضاً وسط الديوان لكن باللون الأبيض بجانب التمثال وعلى خلفية سوداء، وذكرني لونها الأبيض قرب تمثال رأس حافظ الأسد الأسود برايات تنظيم الدولة “داعش” التي غطت كل من مدينة الرقة ومدينة دير الزور في سوريا، ثم ألقت بشبحها على سوريا كلها، وأصبحت شماعة النظام الديكتاتوري لاستمرار قمعه أي معارض له وأداة جديدة لتثبيت حكمه.

توقفتُ كثيراً أمام تمثال رأس كان من المفترض أن تقتلع أفكاره منذ عقود، ولم أستطع إكمال جولتي فالمكان الذي لجأت إليه كي أرفه عن نفسي قليلاً كان بما يحويه انعكاساً لقُبح الواقع الذي هربت منه.

وهنا استذكرت اقتباساً من مذكرات خالد العظم يصف فيه ألمه، حيث كتب: “كانت تسود عادة الاحتفال بختان الأولاد في حفلة فيها تتناسب روعة مع مقام العائلة، وأنا أذكر يوم الاحتفال بختاني عام 1910. ففي هذا اليوم دعي إلى تناول طعام الغداء ما لا يقل عن 500 مدعو تناثروا في باحة دارنا الواسعة وغرفها وقاعاتها يستمعون إلى جوق من العازفين والمطربين ويتناولون القهوة والمشروبات – غير الروحية طبعاً- ويتوازعون علب الملبس. وكنت أجول بين المدعويين ممسكاً بيد والدي، مزهواً بالقنباز الحريري الذي أرتديه، وبالطاقية البيضاء التي علق عليها الكثير من المجوهرات الماسية، كأنني عروس ليل زفافها. ولكن سرعان ما انتهى سروري وابتهاجي بهذه الحفلة عندما قادني والدي إلى الغرفة المعدة لعملية الختان، وسلمني بيده إلى الأخصائي السيد الساطي. فأمسك هذا بي وراح يقوم بمهمته. فأخذت أًصيح وأبكي مستنجداً بوالدي ووالدتي اللذين راحا يبكيان خارج الغرفة منتظرين انتهاء العملية”. انتهى الاقتباس.

لقد شعرتُ بخيبة كبيرة وكره عميق لهذا المنزل، فخرجت مسرعاً منه وكأنني هارب من جحيم وَوجدت الموظف المسؤول عن المنزل على مقربة من الباب الرئيسي، فسألني عن سبب خروجي بهذه السرعة، وحاولت أن أقتبس له جزءاً مما يراودني من مشاعر، لكن الغضب والحزن كانا أقوى من قدرتي على الإجابة. كل شيء كان مشوهاً حتى هذه الذكرى التي لولا صورها المحفوظة لدي لكانت مختلفة في كل مرة أريد التحدث عنها.

إقرأ أيضاً:
سوريا: عقوبات أوروبية تستهدف صفقات “إعادة الإعمار”
ذلٌّ وخوف في طوابير الخبز في سوريا

إقرأ أيضاً