دول الخليج ستَصوغ مستقبل اليمن

ما كَشفَته المكلا هو أنّ الإمارات شديدة الأهميّة للقضاء على "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، وإعادة بناء الأماكن المشابهة لها وإحلال الاستقرار بها. ولكن في ظل عدم وضوح مقدار طموحات الإماراتيّين في اليمن، فإنّ القلقَ في بعض الأوساط بشأن الآثار طويلة الأجل لوجودهم في البلاد يزداد باضطراد

في أجواء أغسطس/آب الحارّة، تتوهّج مدينة وميناء المُكلّا اليمنيّة مثل جوهرة. تقبع منازلها ومساجدها القديمة البيضاء بين الجبال الوعرة ومياه المحيط الهندي الزرقاء الصافية. على أرصفة الطرق المتهالِكة في المدينة، توجد مجموعة من مالكي الأكشاك والصيّادين الذين يرتدون السارُنغ الملوَّن يعرضون منتجاتِهم. تتناقض هذه الهَمهَمة الهادئة في السوق مع تاريخ المدينة الحديث؛ فقبل عامَين فقط، كانت المكلا واقعة تحت قبضة “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”.

عندما قام “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” باجتياح المكلا في 2 أبريل/نيسان 2015، كان اليمن على وشك الانهيار. كان الحوثيون -وهم جماعة متمرّدة من الشيعة الزيديّة- قد سيطروا على البلاد، ما أدَّى إلى قيام تحالف تقوده السعودية والإمارات يهدف إلى شنّ عملية عسكرية لردعِهم وإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومة اليمن المعترف بها دوليّاً إلى الحُكم. ومع دخول “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” المدينةَ، توزّع الجنود اليمنيّون في المحافظة بين مَن وقفوا مكتوفي الأيدي ومَن لاذوا بالفرار، تارِكين المدينةَ للمسلّحين. وبمجرد استقرار الأوضاع، أرسَى التنظيم قواعدَه، فجمَعَ الرسومَ الجمركيّة، ونصب المحاكمَ الشرعية، ونفّذ عملياتِ إعدامٍ عامّة، بل وقاموا بعرض أفلام ذات طابعٍ جهاديّ في وسط المدينة.

ولكن بينما عزَّز التنظيم قوّتَه في المكلا، كانت الخطط بالفعل على قدَمٍ وساق لهزيمته بشكل مباغِت. أخبرني مسؤولون عسكريون إماراتيّون، تحدّثوا إليّ بشكل غير رسميّ في أغسطس/آب، أنّه بمجرد أن دفعَت قوّاتهم الحوثيين إلى الخروج من عدن ومأرب في أواخر عام 2015، وضعوا أنظارَهم على المكلا. وقد جمع الإماراتيّون وحلفاؤهم 12 ألفَ مقاتلٍ من مقاتلي القبائل من حضرموت، واستدعوا القائدَ العسكريّ اليمنيّ فرج سلمان البهساني من المنفى لِيُساعدَ في تدريبهم. وفي أبريل/نيسان 2016، أدّى هجوم متشعِّب نفّذته قوّاتٌ بريّة يمنيّة، يساندها الدعم الإماراتيّ، إلى طرد قوّات تحالف “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” من المكلا في غضون أيام فقط.

ما كَشفَته المكلا هو أنّ الإمارات شديدة الأهميّة للقضاء على “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، وإعادة بناء الأماكن المشابهة لها وإحلال الاستقرار بها. ولكن في ظل عدم وضوح مقدار طموحات الإماراتيّين في اليمن، فإنّ القلقَ في بعض الأوساط بشأن الآثار طويلة الأجل لوجودهم في البلاد يزداد باضطراد.

أثناء المقابلات، وَصفَ المسؤولون الإماراتيّون كلّاً من الهجوم المستمرّ على الحوثيّين والعمليّة التي تستهدف “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، كجبهة مزدوَجة في حرب الإمارات الأوسع نطاقاً ضد التهديدات الإقليميّة. ولكن في حين تفاقَمت الحملة المناهِضة للحوثيّين لتصير مأزِقاً دمويّاً، تحوّلت المعركة ضد “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” إلى شيءٍ مختلفٍ تماماً: لقد تحوّلت إلى سلسلة من العمليّات شديدة السرعة في الغالب والتي جعلَت -حتّى الآن على الأقل- واحدًا من أقوى فروع القاعدة في موقفٍ لا يُحسَد عليه.

جندي يمني في صفوف الجيش الإماراتي في اليمن محدّثاً طفلة في المكلّا

في هذه العمليّات التي تقودها الإمارات لمكافحة الإرهاب، بَدَا أنّ أولوية الإماراتيّين وشركائِهم اليمنيّين ليس العمل العسكري فقط، ولكن تحقيق الاستقرار. وحتى عندما نجحَت الجهود السابقة التي بذلَتها القوات اليمنية لطرد تنظيم القاعدة، إلّا أنهم فشلوا في القضاء على الأوضاع التي سمحَت له بالسيطرة في المقام الأول. وفي أماكن مثل جعار أو زنجبار، كان عدم وجود مساعدات مُخصَّصة لإعادة البناء والتنمية، وعدم تكافؤ الخدمات الحكومية، يعني أنْ تظلَّ المنطقة مُهمَّشة. قال لي بيتر ساليسبري، وهو زميل في معهد تشاتام هاوس -مركز أبحاث مقرّه في لندن-، مشيراً إلى التداعيات التي خلَّفَتها الهجماتُ السابقة المكافحة للإرهاب “لم يتغير شيءٌ بعد أنْ غادرَت القاعدة”، وأضاف “في بعض الحالات، ازداد الأمنُ والحكمُ المحلي سوءاً في الواقع”.

في المكلا، أعطى المسؤولون الإماراتيّون أولويّةً لإعادة الخدمات الأساسيّة، ودعم مؤسّسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد المحليّ، وهي جهودٌ يبدو أنّها تؤدّي الغرضَ حتى الآن. وممّا يُساعد في الأمر أنّ المكلا -بخلاف مدن أخرى مثل الموصل والرقّة في العراق- خرجَت من الكفاح ضدّ المسلّحين المتطرّفين بلا أضرار بالغة. ساعدها ذلك في تسهيل تحوّلها من ملاذٍ للإرهاب إلى ما يُعدّ، في السياق الراهن لليمن، مدينةً مستقرّة نسبيّاً ونشِطَة اقتصاديّاً. كما أشار المسؤولون الإماراتيّون إلى شراكةٍ واعدة مع رجال أعمال محلّيّين. إحدى نتائج هذه الشراكة: إدخال تحسينات على ميناء المكلا، الذي شهِدَ -وِفقاً لمسؤولي الميناء- تضاعُفاً في حركة المرور منذ تحرير المدينة من قبضة تنظيم القاعدة. كما أشاروا كذلك إلى قيام الهلال الأحمر الإماراتي بزيادة المساعدات المُقدَّمة إلى المكلا وغيرها من المناطق المُحرَّرة في اليمن. وفي حين كانت عملية إعادة التأهيل الاقتصاديّ بطيئة، إلّا أنّها كانت ثابتة ومستقرّة أيضاً، لا سيِّما أنَّ أسعارَ الأراضي في المكلا وما حولَها آخِذَة في الارتفاع، كما أخبرني السكان المحلّيّون، إذْ يتوقّع الكثيرون حدوثَ طفرةٍ استثماريّة قادمة.

لكن تدخُّل الإمارات العميق في اليمن كان موضعَ انتقادات. وقد جاء في تقرير صدر مؤخراً عن “مجموعة الخبراء البارزين في شؤون اليمن الإقليميين والدوليين”، وهي هيئة مفوَّضة من الأمم المتحدة ومُكلَّفة بالتحقيق في ادّعاءات انتهاكات حقوق الإنسان في البلد، زعَمَ أنَّ بعضَ المعتقلين في السجون التي تديرها الإمارات احتُجِزوا بدون تهمةٍ وتعرَّضوا للتعذيب. تسبَّبَت هذه القضايا في بعض الأحيان، في اعتصاماتٍ واحتجاجاتٍ صغيرة قام بها أقاربُ المعتقَلين. ومع ذلك، لا يزال المسؤولون في حضرموت يرون المساعدات الإماراتيّة أمراً ضروريّاً. يقول فرج سلمان البهساني، الذي يعمل محافظاً لحضرموت وقائداً للمنطقة العسكريّة الثانيّة “لا يمكننا فصل نجاحنا عن التدريب والمساعدة التي تلقّيناها من الإمارات”.

تقول إليزابيث كيندال، من كبار الباحثين في الدراسات العربيّة والإسلاميّة بجامعة أكسفورد، أنَّ الوجودَ الإماراتيّ غيرَ المُحدَّد في الجنوب قد يثير الصراع؛ وتقول “أوّلاً، قد يزيد من حدّة التوتّرات بين الإمارات وحكومة الرئيس هادي التي تدعمها السعودية، والتي وَصَفَ بالفعل بعضُ أفرادها الوجودَ الإماراتي بأنه احتلال. ثانياً، سيكون في مصلحة ’تنظيم القاعدة في جزيرة العرب‘، والذي أثار الشكوك فيما يتعلّق بتطلّعات الإمارات إلى السلطة والموارد في أنحاء الجنوب. ثالثاً، سيُشعل فتيل الانقسامات القديمة بين الجنوب والشمال، فضلاً عن إثارة الغضب في مناطق مهمّة في الجنوب لا تزال تقاوم فكرة الانفصال التي يُعتقَد أنّ الإمارات تدعمها”.

“كلّما حافظ الإماراتيّون على قوّة كبيرة على الأرض في اليمن، زادَت فرص وقوع الأخطاء – وهو أمر يعرفه المسؤولون الإماراتيّون. إلّا أنّهم يصرُّون على بقائهم في اليمن “إلى أنْ يتمَّ تدمير القاعدة كخطرٍ إقليميّ وعالميّ”

تحليل كيندال هذا تدعمه الحقائق الموجودة على الأرض. وفي حين يبدو واضحاً أنّ الإمارات أقامت شراكة مُثمِرة مع مسؤولين مهمّين في حضرموت، إلا أنّ علاقاتها مع شخصيّات أخرى في الحكومة اليمنيّة قد تعرّضت لضغوطاتٍ في بعض الأوقات. وقد انتقد العديد من اليمنيّين الإماراتيّين على تقديمهم المساعدات المالية والدعم للميليشيات، ما لم يكن كافياً لمساعدة -بل وربّما عَمِل على تقويض- الحكومة المُعترَف بها دولياً. وفي بعض الحالات، اتهموا الإماراتيّين بالاحتلال الفعليّ لليمن.

أثار الوجود الإماراتيّ في اليمن أيضاً ردَّ فعلٍ عكسيّ؛ إذ تمّ إضعاف اللاعبين التقليديّين وتمكين الانفصاليّين الذين كانوا مُهمَّشين في السابق. فهؤلاء الذين تحالفوا مع حزب الإصلاح الإسلاميّ السنّيّ، مثلاً، قد خسروا في النظام الجديد الذي تأسَّس بعد تحرير المكلا. كما فَقدَ العديد من اليمنيّين في الشمال ثقتَهم في الإماراتيّين، وذلك لأنّ الإمارات تعاونت ودرَّبت مجموعاتٍ في الجنوب المستقل سابقاً والتي تدعم الانفصال (في الواقع، يرفرف علم “جمهوريّة اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة” السابقة -لا العلم اليمنيّ- فوق المكلا). لم يفعل الدعمُ الرسميّ الذي قدَّمته الإمارات لاستمرار توحُّد اليمن، الكثيرَ لتهدئة مخاوف بعض اليمنيّين من أنّ أفعال الإماراتيّين تمهِّد الطريق لتفكُّك اليمن. وفي الوقت نفسه، أدَّى انهيارُ الريال بدوره إلى اندلاع احتجاجاتٍ في أنحاء جنوب اليمن، مع تسبُّب المظاهرات في كسر الهدوء السابق للمكلا.

وطوال ذلك، أظهرت دعاية “تنظيم القاعدة” الإماراتيّين كقوّة خبيثة تمتلك طموحات لاحتلال اليمن، وتصوّر الإمارات على أنها ليست سوى أداة للولايات المتحدة تهتم لمصالحِها الخاصّة فقط. من جانبهم، لم ينكر الإماراتيّون تعاونَهم مع القوّات الأميركيّة الموجودة في المكلا. في مقالة افتتاحيّة كتبها مؤخراً يوسف العُتَيبة، سفير الإمارات في الولايات المتّحدة، وَصفَ -بفخرٍ- مقتلَ صانع القنابل في تنظيم القاعدة إبراهيم العسيريّ بأنه ثمرة التعاون الاستخباراتيّ بين أميركا والإمارات.

كلّما حافظ الإماراتيّون على قوّة كبيرة على الأرض في اليمن، زادَت فرص وقوع الأخطاء – وهو أمر يعرفه المسؤولون الإماراتيّون. إلّا أنّهم يصرُّون على بقائهم في اليمن “إلى أنْ يتمَّ تدمير القاعدة كخطرٍ إقليميّ وعالميّ”، كما أخبرني قائدٌ إماراتيّ.

وقال لي مسؤولٌ عسكريٌّ إماراتيٌّ رفيعُ المستوى “لا يمكننا أن نتخلّى عن طريقنا نحو النصر”، مشدِّداً على أهمية تحقيق الاستقرار. وأضاف “نحن نتحدّث عن معركة للقلوب والعقول”.

آدم بارون

هذا المقال مترجم عن موقع The Atlantic ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
اليمن: أسئلة الثورة والجمهورية في عصر الطائفة المسلّحة
خمسة أوهام عن الحرب اليمنيّة
الحرب في اليمن قد تُعيد نفوذ تنظيم القاعدة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ليلة حزينة وعنيفة عاشتها العاصمة العراقية بغداد، بعد غزوة الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، وتنفيذها مقتلة مروعة في ساحة الخلاني وجسر السنك
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
غزوة الأمس أسفرت بحسب “رويترز” عن 19 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المتظاهرين. ومئات الفيديوات تفضح المهاجمين.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بدا المشهد مصارحة واضحة وتعبيراً لا لبس فيه عن فساد السلطة وتخاذل أهلها. فالسيول، بما فيها من زجاجات فارغة وقشور برتقال وجيف حيوانات، جرفت السيارات واقتلعت الأشجار على طريق الدامور- الجية.
ترجمة – Quartz
حين عاد ستيف جوبز إلى شركة “أبل” عام 1997، بعد 12 سنة من الغياب عنها، كانت الشركة التي شارك في تأسيسها تفتقر للهمة والوجهة. فعرض جوبز خطته لإعادة إحياء العلامة التجارية المتعثرة، مستعرضاً أحد العناصر الضرورية: الشغف، قائلاً “من يملكون الشغف يمكنهم تغيير العالم للأفضل”.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
ربما لو أن جنرال الرابية الغضوب (الذي اشتهر بشتائمه)، لم يصبح الآن رئيساً للجمهورية، لكان استبدل خطاباته الهادئة الحنون بكيل من الشتائم التي كنّا معتادين عليها. أما شتائم اللبنانيين في الشوارع، فمرفوضة وغير مقبولة “بلا تهذيب”!
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email